تقديم وقراءة نقدية لمقال “سياسة الجوار الإيرانية في جغرافيا شديدة التوتر” للكاتب علي ميرزا محمدي منشور في صحيفة اعتماد بتاريخ 8 أكتوبر 2026.
تقديم المقال:
هل تكفي العلاقات السياسية مع الدول المجاورة لحماية مصالح إيران؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه المقال، فطهران تسعى إلى جعل محيطها الإقليمي مصدرًا للأمن والدعم الاقتصادي، لكن جيرانها لا يتحركون وفق احتياجاتها فلكل دولة حساباتها المتعلقة بالطاقة والتجارة والأمن والعلاقات مع القوى الأخرى، وقد تساعد دولة في الوساطة بين إيران وخصومها بينما تنافسها اقتصاديًا أو تطور مسارات تقلل اعتمادها على الممرات التي تمنح طهران نفوذًا.
كاتب المقال هو “علي ميرزا محمدي” باحث وكاتب في علم الاجتماع حاصل على الدكتوراه في علم الاجتماع ومحلل للقضايا الاجتماعية الإيرانية وتهتم أعماله بالإعلام والتحولات الاجتماعية والعلاقة بين السياسة والمجتمع.
أما “اعتماد” فهي صحيفة إيرانية قريبة من التيار الإصلاحي، وهذا المقال ضمن النقاش الداخلي بشأن خيارات الدولة وحدود سياستها الخارجية.
وتنبع أهمية المقال من أنه يجمع العلاقات الإيرانية مع دول الخليج العربي والعراق والقوقاز وآسيا الوسطى في سؤال واحد وهو: هل تترجم الصلات الدبلوماسية إلى مصالح اقتصادية وأمنية مستدامة؟ وهو سؤال يستحق القراءة خصوصًا عندما تتداخل الوساطة مع المنافسة.
ــــــــــــــــــ
ترجمة المقال:
“سياسة الجوار الإيرانية في جغرافيا شديدة التوتر”
تكشف التطورات التي شهدتها الدول المجاورة لإيران خلال الأشهر الأخيرة عن مفارقة جيوسياسية واضحة، إذ تسعى طهران إلى تحويل علاقات الجوار إلى درع أمنية واقتصادية، بينما تتبنى الدول المحيطة بها إستراتيجية الموازنة متعددة الأبعاد وتجنب تحمل التكاليف.
ويعد تصريح رئيس الجمهورية الدكتور مسعود بزشكيان بأن للدول المجاورة حساباتها الخاصة أدق تعبير عن الواقع الذي يحكم النظام الإقليمي، فجيران إيران يتصرفون وفق منطق إدارة المخاطر وتعظيم المكاسب.
وفيما يلي تحليل لهذه الأنماط عبر سبعة محاور رئيسية:
1ــ جنوب القوقاز: الموازنة الدبلوماسية، يمثل القوقاز نقطة التقاء جيوسياسية يتجلى فيها نهجان مختلفان:
جمهورية أذربيجان: تسعى باكو إلى ضبط مستوى التوتر مع طهران لتجنب الاحتكاك المباشر، ويشهد استمرار قنوات الاتصال الجوي على استمرارية التواصل بين البلدين. ومع ذلك فإن التلميحات السياسية الانتقادية التي توجهها باكو إلى تركيا، وتقاربها الأمني الوثيق مع تل أبيب، يمثلان عاملين يدفعان طهران إلى المناورة الدبلوماسية للاستفادة من التباينات بين باكو وأنقرة.
أرمينيا: رسخت الزيارة الدبلوماسية التي قام بها وزير خارجة أرمينيا “أرارات ميرزويان” إلى طهران مكانة يريفان جارًا لا يشكل تهديدًا. وقد حال هذا التفاعل دون إغلاق ممر الشمال –الجنوب، وأتاح لطهران مجالًا لإعلان مواقفها تجاه الغرب.
2ــ باكستان: نهج متعدد الاتجاهات:
يقوم سلوك إسلام آباد على تعدد اتجاهات التحرك، فمن جهة تقوم بدور في تخفيف حدة الأزمة اعتمادًا على قنوات اتصالها بطهران وواشنطن، ومن جهة أخرى تسعى إلى احتواء تحركات أنصار الله “الحوثيين” من خلال الانضمام إلى “ميثاق مكة الدفاعي” إلى جانب السعودية وتركيا. وعلى الصعيد الاقتصادي يكشف ضعف التنسيق الحدودي وتوقف الحاويات لفترات طويلة أن الاتفاقات السياسية لم تؤدي إلى تكامل في البنية التحتية والروابط التجارية.
3ــ العراق: شريك يوفر متنفسًا ومنافسا اقتصاديا
العراق هو الشريك الأكثر حيوية لإيران في محيطها الإقليمي، غير أن مكانة طهران فيه تظل عرضة للاهتزاز، ولقد أبقى استمرار تشغيل المعابر الحدودية والرحلات الجوية الركائز الأساسية للاتصال بين البلدين فاعلة، إلا أن الزيادة الملحوظة في مشتريات المصافي الصينية من النفط العراقي تمثل إنذارًا جديًا، ففي سوق الطاقة، تتقدّم المصالح الاقتصادية على التقارب السياسي، وفي الوقت نفسه، تقف حكومة بغداد في توازن هشّ بين الضغوط الجوية التي تمارسها واشنطن ومطالب قوى المقاومة.
4ــ تركيا: موازنة انتهازية بين أنقرة والرياض وبغداد
مع دخول أنقرة المرحلة التنفيذية لميثاق مكة وإرسال المعدات وتعيين أمين عام تكون قد مدت رسميًا مظلتها العسكرية والدفاعية الجوية في البحر الأحمر لصالح السعودية، وبالتوازي يسعى أردوغان عبر دعم بسط سلطة الحكومة المركزية في بغداد إلى الحد من نفوذ الجماعات المتحالفة مع إيران ودفع مشروع ممر “طريق التنمية” إلى الأمام، ويشير هذا السلوك إلى أن تركيا رغم علاقاتها الدبلوماسية الرسمية بطهران تعمل على إقامة حواجز عسكرية وأخرى متصلة بالنقل والعبور في الخليج وبلاد الرافدين.
5ــ الخليج العربي: تنافس مراكز الطاقة وهشاشة مسارات الاتصال
السعودية: لا تزال الرياض تنظر إلى طهران باعتبارها بؤرة التهديد المرتبط بأنصار الله وتسعى من خلال نقل النفط عبر خط أنابيب شرق–غرب إلى تقليص اعتمادها على مضيق هرمز إلى أدنى حد وتحييد أداة النفوذ الجيوسياسي الإيرانية.
الإمارات: تجمع علاقات أبو ظبي بين التعاون القنصلي والروابط الأمنية مع تل أبيب ما جعلها مركزًا لرصد التحركات الإقليمية الإيرانية.
قطر: تظل الدوحة قناة موثوقة للوساطة السياسية ونقل الرسائل مع الغرب لكنها لم تتردد في الاستحواذ على حصة النفط الإيراني في السوق الصينية بما يُظهر الفصل الواضح بين السياسة ومصالح الطاقة.
عمان: تمثل مسقط أكثر المنافذ التي توفر لطهران متنفسًا موثوقا ومع ذلك فإن التعليق المؤقت للرحلات الجوية وتطوير مركز الدقم النفطي بهدف تجاوز مضيق هرمز والحوادث البحرية في مسندم وضعت الأسس التقليدية لهذه العلاقة أمام اختبارات جدية.
6ــ أفغانستان: الجبهة الشرقية وتآكل أدوات النفوذ
أدت موجة الهجرة والغموض المحيط بفاعلية الآليات الإقليمية إلى زعزعة استقرار الحدود الشرقية، وقد شكل تساهل الجهاز الدبلوماسي مع سلطة طالبان الحاكمة في ظل تآكل النفوذ الثقافي الإيراني المتراكم تاريخيًا ومن دون الحصول على مقابل أمني واضح أحد أكثر جوانب سياسة الجوار تعقيدًا.
7ــ تركمانستان وآسيا الوسطى: حياد محافظ وحضور تسليحي جديد
حافظت “عشق آباد” على نمط حيادها التقليدي إذ تعكس استضافتها اجتماع القادة إلى جانب إعلان موقفها بشأن الهجوم الأوكراني على سفينة إيرانية نهجًا سلميًا، غير أن المنع المفاجئ لعبور الرحلات الجوية الإيرانية كشف عن هشاشة الممرات الجوية، ومن جهة أخرى دق دخول منظومات دفاع جوي هندية إلى تركمانستان ناقوس الخطر بشأن تنويع العلاقات الأمنية وحضور منافسين جدد على الحدود الشمالية.
وتؤكد هذه التطورات مجتمعة ضرورة إعادة ترتيب سياسة الجوار الإيرانية على أسس واقعية:
الانتقال إلى نهج عملي: لا تحل الروابط التقليدية والعقائدية محل المصالح الإستراتيجية للدول، ولذلك ينبغي أن تكون الحسابات الخاصة بكل دولة مجاورة أساسًا لحسابات السياسة الخارجية.
منع الإقصاء الاقتصادي من المنطقة: يتمثل التهديد الأساسي في إحلال النفط العراقي والقطري تدريجيًا محل النفط الإيراني وظهور مسارات بديلة للنقل والعبور تتجاوز مضيق هرمز.
متطلبات إدارة الأزمة: ينبغي التمييز بين الشركاء الداعمين مثل أرمينيا والوسطاء المرنين مثل قطر وعمان والأطراف التي تتطلب العلاقات معها إدارة الاحتكاكات مثل أذربيجان والإمارات حتى لا تُهدر الموارد الدبلوماسية.
الاستفادة من التباينات: تتسم جبهة الدول المجاورة بالتعدد وعلى طهران من خلال دبلوماسية ثنائية نشطة أن تحول دون تلاقي هذه الإستراتيجيات وتشكلها في صورة طوق موحد لاحتوائها.
ـــــــــــــــ
قراءة تحليلية: ماذا يكشف المقال عن سياسة الجوار الإيرانية؟
ينطلق الكاتب من فكرة أساسية وهي أن إيران تحتاج إلى جيرانها لكن هذا الاحتياج لا يجعل مصالحهم متطابقة مع مصالحها، فطهران تسعى إلى الاستفادة من موقعها وعلاقاتها الإقليمية لتأمين تجارتها وتخفيف الضغوط عليها بينما تحاول الدول المجاورة الحفاظ على التواصل معها من دون تحمل تكلفة صراعاتها، ولذلك فإن استمرار العلاقات والزيارات والوساطة لا يكفي وحده للحكم على نجاح سياسة الجوار الأهم هو ما تحققه هذه العلاقات لإيران في الأمن والاقتصاد.
وتأتي أهمية المقال من أنه ينظر إلى الدول المحيطة بإيران ضمن صورة إقليمية مترابطة، فالتنافس على أسواق النفط وتطوير ممرات النقل والترتيبات الأمنية تبدو ملفات منفصلة عندما نتابع أخبار كل دولة، لكن الكاتب يجمعها ليطرح سؤالًا أوسع وهو إلى أي مدى تستطيع إيران الاحتفاظ بنفوذها بينما يعمل جيرانها على توسيع خياراتهم وتقليل اعتمادهم عليها؟ ويمكن فهم المقال من خلال أربعة محاور أساسية.
أولًا: الجيران يحافظون على العلاقة مع إيران ويتحركون وفق مصالحهم الخاصة
يرفض الكاتب تقسيم الدول المجاورة إلى حلفاء وخصوم بصورة ثابتة، فقد تؤدي دولة دور الوسيط وتتعاون اقتصاديًا مع طهران ثم تتخذ خطوات أمنية أو تجارية لا تخدم المصالح الإيرانية، ومن وجهة نظره لا يمثل ذلك تناقضًا بل يعكس محاولة كل دولة الجمع بين فوائد التواصل مع إيران وحماية مصالحها من تداعيات التوتر الإقليمي.
ومن هنا نفهم تركيزه على قطر وعمان وباكستان فهو يريد أن يوضح أن قدرة هذه الدول على التواصل مع أطراف متعارضة هي مصدر قوتها الدبلوماسية، وإيران تستفيد من هذا الدور لكنها لا تستطيع أن تفترض أن الوسيط سيتبنى حساباتها السياسية والاقتصادية، والمطلوب وفق وجهة نظر المقال هو فهم حدود التعاون مع كل جار وما ينتظره من العلاقة.
ثانيًا: الاقتصاد وحدود التقارب السياسي
يضع الكاتب المنافسة الاقتصادية في قلب تحليله وأوضح في أمثلته أن العراق منفذ حيوي لإيران وفي الوقت نفسه هو دولة مصدرة للنفط تسعى إلى زيادة مبيعاتها، ولذلك يمكن أن تستمر العلاقات السياسية والتجارية بين البلدين بينما يتنافسان في أسواق خارجية.
المغزى هنا أن نجاح سياسة الجوار يحتاج إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، فالعلاقة السياسية الجيدة قد تساعد على تحقيق هذه المكاسب لكنها لا تضمنها، ولهذا يحذر الكاتب من أن تفقد إيران فرصًا اقتصادية داخل محيطها حتى مع بقاء قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة.
ثالثا: ممرات الطاقة والتجارة تعيد تشكيل النفوذ الإيراني
يربط المقال بين قوة إيران وموقعها الجغرافي خصوصًا مضيق هرمز وممر الشمال–الجنوب فأهمية هذه المسارات تمنح طهران وزنًا كبيرًا لأنها تؤثر في حركة الطاقة والسلع بين دول أخرى.
لكن الكاتب يلفت إلى أن الدول المتأثرة بهذا الاعتماد تعمل على توسيع خياراتها وفي عرضه يندرج تطوير خطوط الأنابيب والموانئ والممرات البديلة ضمن محاولة تقليل التعرض للأزمات، وهنا تظهر الفكرة الأهم في المقال وهي أن الجغرافيا تمنح إيران نفوذًا لكن الحفاظ عليه يتوقف أيضًا على كيفية إدارة العلاقات التي تمر عبر هذه الجغرافيا، فكلما شعر الجيران بأن اعتمادهم على مسار معين يعرض مصالحهم للخطر زاد اهتمامهم بإيجاد بدائل.
رابعًا: سياسة الجوار تحتاج إلى التعامل مع كل دولة بصورة مختلفة
تفسر المحاور السابقة توصيات الكاتب في نهاية المقال فهو يدعو إلى التمييز بين دولة توفر تعاونًا داعمًا ودولة تؤدي دور الوساطة ودولة تتطلب العلاقة معها احتواء خلافات مستمرة، هذا التمييز يساعد طهران على تحديد ما يمكن أن تحصل عليه من كل علاقة بدلا من انتظار درجة واحدة من الدعم من جميع الجيران.
كذلك يرى أن اختلاف مصالح الدول المحيطة بإيران يتيح مجالًا للحركة الدبلوماسية فهي لا تشكل جبهة متجانسة ولكل منها أولويات ومخاوف مختلفة ولذلك يدعو إلى علاقات ثنائية نشطة تمنع تراكم الخلافات وتحولها إلى سياسات متقاربة تضيق خيارات إيران.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
