إن التصريحات الأخيرة لوانغ يي، وزير خارجية الصين، خلال لقائه وزير خارجية إيران في بكين يوم 16 سبتمبر 2026م، بشأن ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز، وأهمية العودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد، وإنهاء الأزمة في البحر الأحمر، ينبغي أن تُعَدَّ تحذيرا جادا، لا مجرد موقف دبلوماسي معتاد.
فالمسألة لم تعد مجرد خلاف بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، إذ بلغت الأزمة مرحلة باتت تمس معها بصورة مباشرة المصالح الاقتصادية والأمنية للصين والهند وباكستان واليابان وكوريا الجنوبية والدول العربية وجزءا كبيرا من أوروبا أيضا.
والحقيقة بسيطة، حيث يُعَدُّ مضيق هرمز شريانا حيويا للاقتصاد العالمي، واستمرار الاضطراب فيه سيضع، عاجلا أم آجلا، مزيدا من الدول في مواجهة إيران، ولا يسع إيران أن تتوقع من دول تمر عبر هذا الممر مليارات الدولارات من تجارتها وطاقتها أن تتحمل إلى أجل غير مسمى كلفة نزاع لم يكن لها دور في إحداثه.
وللصين في هذا المشهد مكانة خاصة، إذ يجري الجزء الأعظم من تجارتها مع منطقة الخليج العربي مع الدول العربية، ويشغل بكين قبل كل شيء استمرار تدفق الطاقة والتجارة، فهي لا تريد أن تتسبب أزمة هرمز بأي ضرر لاقتصادها، ولا تريد في المقابل أن تُفضي هذه الأزمة إلى تعاظم النفوذ الأمريكي في المنطقة، ومن ثَمَّ ينبغي فهم رسالة وانغ يي فهما واضحا، وهي قائمة على أن بكين تريد أن ينتهي اضطراب الملاحة وأن تعود المسارات التجارية إلى وضعها الطبيعي.
ولا تُعَدُّ هذه الرسالة تهديدا لإيران، بل هي فرصة، فبوسع طهران، بدلا من أن تكتفي بتصنيف الصين بوصفها طرفا في جبهة مناهضة لأمريكا فحسب، أن تستثمر المصالح المشتركة بين بكين وسائر الدول الآسيوية والأوروبية في فتح مسار تفاوضي، فالهند وباكستان واليابان وكوريا الجنوبية تتضرر بدورها من انعدام الأمن في الممرات البحرية، ولا تستطيع الدول الأوروبية أن تقف غير مبالية إزاء اضطراب تدفق الطاقة والتجارة، ومن شأن هذه المنظومة من المصالح المشتركة أن تهيئ أرضية لمبادرة دبلوماسية.
والمسألة الجوهرية اليوم هي ألّا تدع إيران معارضتها لأمريكا تتحول إلى مواجهة مع شطر واسع من العالم، فقد تستمر عداوة طهران لأمريكا وإسرائيل، لكن ذلك لا يعني أن عليها أن تحمّل، في الوقت نفسه، كلفتها الاقتصادية والسياسية دولا ليست شريكة في النزاع.
وإذا استمر هذا المسار، فقد تتزايد الضغوط على طهران، إذ إن الدول القلقة اليوم على أمن تجارتها قد تعمد غدا، بدلا من مطالبة جميع الأطراف بخفض التصعيد، إلى تحميل إيران أيضا مسؤولية الوضع القائم والضغط عليها لتغييره، وفي مثل هذه الظروف ستتفاقم الكلفة السياسية والاقتصادية للأزمة.
ومن منظور آخر، فإن استمرار المواجهة يعرّض شعوب المنطقة لمخاطر متزايدة، وأزمة البحر الأحمر والحرب في اليمن مثال جلي على ذلك، فكلما اتسع نطاق المواجهة ازداد احتمال ردود الفعل الأشد.
وليس هذا أوان تجاهل كل رسالة دبلوماسية تأتي من الخارج، ذلك أن بعض هذه الرسائل قد يكون فرصة لإيران للخروج من الأزمة مع تحقيق مكاسب تفاوضية، والموقف الواضح يجب أن يكون مفاده أن على إيران أن تستفيد من قدرة الصين وسائر الدول ذات المصلحة على فتح مسار التفاوض، وأن تهيئ، متى أمكن ذلك مع صون العزة والمصالح الوطنية، الأرضية لعودة حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وعليه، ينبغي ألّا يتحول مضيق هرمز إلى نقطة يفقد عندها وظيفته، ويضع إيران في مواجهة كل من يرتبط أمنه واقتصاده بهذا الممر المائي.
يجب الإصغاء إلى رسالة الصين.
ــــــــــــــــــــــ
مقال مترجم من صحيفة “سازندگي” الإيرانية الإصلاحية (بالعربية: البناء)، بعنوان “پیام چین را باید شنید” (بالعربية: يجب الإصغاء إلى رسالة الصين)، نشره الكاتب فريدون مجلسي، وهو دبلوماسي إيراني سابق ومحلّل للشؤون الدولية، بتاريخ 26 شهريور 1405 هـ. ش. الموافق الخميس 17 سبتمبر 2026م.
