لا تقتصر الحروب والتوترات الجيوسياسية على ساحات القتال والعمليات العسكرية فحسب، بل تمتد آثارها العميقة إلى البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدول، وفي هذا السياق، تكون الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة، ومن بينها النساء، الأكثر تأثرًا بالأزمات السياسية والعسكرية خاصة في زمن الحروب والصراعات المسلحة.
وفي إيران، شهد العقدان الأخيران حضورًا متزايدًا وملحوظًا للمرأة في المجالات الاقتصادية وريادة الأعمال والوظائف الخدمية والمشروعات الرقمية، حيث تمكنت النساء من تجاوز جزء من القيود التقليدية المفروضة على سوق العمل، غير أن المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وضع هذا المسار أمام تحديات جسيمة.
يُضاف إلى ذلك أن الاقتصاد الإيراني، حتى قبل الحرب، ظل يعاني من مشكلات هيكلية متعددة، من بينها التضخم المزمن، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات البطالة، والعقوبات الاقتصادية، وركود الإنتاج.
وفي ظل هذه الظروف، فإن اندلاع أزمة عسكرية لم يهدد فقط الأسس الاقتصادية للبلاد، بل شكل خطرًا مباشرًا على الأمن الوظيفي والاستقلال المالي للنساء.
ومن هذا المنطلق، تتناول هذه المقالة مختلف أبعاد تأثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إزاء أعمال النساء الإيرانيات ومهنهن.
المرأة والاقتصاد الإيراني الهش
يتركز حضور النساء في الاقتصاد الإيراني بشكل رئيسي في القطاعات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار الاجتماعي والقوة الشرائية للمستهلكين، ذلك أن الكثير من النساء يعملن في مجالات الخدمات التعليمية، والتجميل والعناية الشخصية، وتصميم الأزياء، والتجارة الإلكترونية، والصناعات اليدوية، والإنتاج المنزلي، والأنشطة الثقافية، والمشروعات الصغيرة.
ومن السمات المشتركة لكثير من هذه الأنشطة أنها تعمل في إطار غير رسمي، وغالبًا ما تفتقر إلى الحماية التأمينية والضمانات القانونية، وفي أوقات الأزمات العسكرية، يتجه الاقتصاد عادة نحو تقليص الإنفاق الاستهلاكي والتركيز على السلع الأساسية.
تميل الأسر في ظل حالة عدم اليقين إلى الاستغناء عن النفقات غير الضرورية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على القطاعات التي تنشط فيها النساء، خاصة في شهور الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وعليه، فإن تراجع الطلب على الخدمات والمنتجات الثقافية والفنية والتجميلية كان من أوائل الضربات التي أصابت الأعمال النسائية، ونتيجة لذلك، واجهت أعداد كبيرة من النساء انخفاضًا في الدخل أو إغلاقًا لمشروعاتهن أو فقدانًا لفرص العمل.
ومن جهة أخرى، فإن النساء العاملات في القطاع الخاص أو في المشروعات الصغيرة يتمتعن عادة بدرجة أقل من الأمان الوظيفي، ففي أوقات الأزمات الاقتصادية، غالبًا ما يلجأ أصحاب الأعمال إلى الاستغناء عن العاملات قبل العاملين الذكور، استنادًا إلى التصورات التقليدية السائدة التي تعتبر دخل الرجل المصدر الرئيسي لإعالة الأسرة، وبهذا المعنى، أصبحت النساء من أوائل ضحايا سوق العمل في زمن الحرب.
تأثير الحرب على الأعمال الرقمية التي تديرها النساء
خلال السنوات الأخيرة، تحولت شبكات التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي إلى منصة رئيسية لتوظيف النساء الإيرانيات وتمكينهن اقتصاديًا. فقد تمكنت آلاف النساء، ولا سيما ربات البيوت والمعيلات لأسرهن، من تحقيق دخل مستقل من خلال بيع الملابس والمنتجات الفنية والمواد الغذائية والخدمات التعليمية وإنتاج المحتوى عبر الإنترنت.
وقد وفر الاقتصاد الرقمي للعديد من النساء فرصة لتجاوز القيود الاجتماعية وتعزيز حضورهن في سوق العمل، غير أن الظروف الحربية تجعل البنية التحتية للاتصالات والإنترنت من أولى القطاعات المعرضة للاضطراب.
ففرض قيود على الإنترنت، أو تشديد الرقابة والحجب، أو تقييد الوصول إلى منصات البيع الإلكتروني، أو تعطل الأنظمة المصرفية، كلها عوامل شلت الأعمال الرقمية بشكل شبه كامل، وفي مثل هذه الظروف، أصبحت النساء العاملات من أكثر الفئات تضررًا، نظرًا لمحدودية رؤوس أموالهن واعتماد أعمالهن على التواصل المستمر مع العملاء.
كما أن تراجع القدرة الشرائية للمواطنين أدى إلى انكماش حاد في سوق التجارة الإلكترونية، ففي أوقات الأزمات، تحولت أولويات المستهلكين من شراء السلع الكمالية والملابس والخدمات الثقافية إلى تأمين الاحتياجات الأساسية، وهو ما أدى إلى انخفاض إيرادات النساء العاملات في الفضاء الرقمي.
الضغوط الاجتماعية والعودة إلى الأدوار التقليدية
لم تمثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أزمة اقتصادية فقط، بل أدت أيضًا إلى إعادة تشكيل البنى الاجتماعية، ففي كثير من المجتمعات الحضرية والريفية، أسهمت أجواء الحرب وما صاحبها من انعدام الأمن والقلق في تعزيز التصورات التقليدية المتعلقة بدور المرأة.
وفي مثل هذه الأوضاع، فضلت الأسر الحد من مشاركة النساء في الأنشطة المهنية والاجتماعية، كما أن انعدام الأمن، واضطراب وسائل النقل، والمخاوف المرتبطة بالعنف وعدم الاستقرار الاجتماعي، أدت جميعها إلى تضييق مساحة النشاط الاقتصادي للمرأة.
وحتى النساء اللواتي حققن درجة من الاستقلال المالي وجدن أنفسهن مضطرات إلى تقليص نشاطهن المهني أو التخلي عنه بالكامل من أجل رعاية الأسرة والأطفال.
وفي الوقت نفسه، دفعت الضغوط الاقتصادية المتزايدة النساء نحو أعمال غير رسمية ومنخفضة الدخل، مثل الخياطة المنزلية، وإعداد الطعام، ورعاية الأطفال، أو تقديم الخدمات المؤقتة، وبالرغم من أن هذه الأنشطة ساعدت نسبيا في تغطية جزء من نفقات الأسرة، لكنها تظل محرومة من الاستقرار الوظيفي والآفاق الاقتصادية المستدامة.
الصحة النفسية والاستنزاف الاقتصادي للمرأة
من بين الجوانب الأقل تناولًا في آثار الحروب تأثيرها على الصحة النفسية للنساء، ففي وقت الحرب تحملت المرأة عادة أعباءً متعددة في آن واحد، شملت إدارة شؤون المنزل، ورعاية الأطفال وكبار السن، والسعي للحفاظ على دخل الأسرة، والتعامل مع مشاعر القلق الناجمة عن انعدام الأمن الاجتماعي.
وقد أدى استمرار هذه الضغوط لفترات طويلة إلى الإرهاق النفسي والاكتئاب وتراجع الإنتاجية الاقتصادية، أما النساء صاحبات الأعمال، فإنهن واجهن، بالإضافة إلى الضغوط الأسرية، مخاوف الإفلاس، وتآكل رأس المال، وفقدان العملاء.
وفي الحقيقة لم يهدد هذا الوضع استقلالهن المالي فحسب، بل أثر أيضًا على ثقتهن في أنفسهن وعلى مكانتهن الاجتماعية.
هجرة النساء المتخصصات وإضعاف رأس المال البشري
في أوقات الحروب، تُعد هجرة الكفاءات ظاهرة طبيعية ومتوقعة، وقد تتجه النساء المتعلمات، ورائدات الأعمال، ومؤسسات الشركات الناشئة إلى مغادرة البلاد حفاظًا على أمنهن الوظيفي ومستقبلهن المهني.
ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على الأفراد فحسب، بل يمتد ليشمل تراجع رأس المال البشري وإضعاف القدرات الاقتصادية للدولة، ذلك أن خروج النساء المتخصصات من سوق العمل الإيراني يعني فقدان جزء مهم من الطاقات الإبداعية والابتكارية والمتعلمة التي أسهمت خلال السنوات الأخيرة في تطوير قطاعات التعليم والتكنولوجيا والفنون وريادة الأعمال.
وهو ما يمكن أن يحدث في الأسابيع والشهور المقبلة إن لم تتعامل الحكومة الإيرانية بشكل سريع مع تلك التحديات الجسام التي تهدد وضع المرأة الإيرانية العاملة في فترة ما بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
خاتمة
إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تكن مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية، بل أزمة شاملة ذات تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة، وأصبحت النساء الإيرانيات، ولا سيما العاملات في المشروعات الصغيرة والقطاعات الخدمية والاقتصاد الرقمي، من بين أولى الفئات التي شعرت بآثار هذه الأزمة.
د.
ومع ذلك، تُظهر تجارب العديد من المجتمعات أن النساء يؤدين خلال الأزمات دورًا محوريًا في الحفاظ على تماسك الأسرة واستمرار النشاط الاقتصادي. ومن ثم، فإن دعم تشغيل النساء، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتوفير فرص عمل مستدامة، وإيلاء الاهتمام اللازم للأمن النفسي والاقتصادي للمرأة، ينبغي أن يشكل جزءًا أساسيًا لا يتجزأ من السياسات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة في فترة ما بعد الحرب.
ومن المؤكد أن الاقتصاد الإيراني، من دون مشاركة فاعلة ومستدامة للنساء، سيصبح أكثر هشاشة وأقل قدرة على الصمود والاستقرار.