حلفاءُ إيران في الخليج العربي أصبحوا فجأةً في دائرة الاستهداف.
وطهران تُعبّئ المدنيين وتهدّد بشنّ ضرباتٍ انتقامية واسعة النطاق.
تستعدّ إيران لبدءٍ جديد للحرب، بينما أصبحت الدول المجاورة لها على الضفة المقابلة من الخليج العربي في مرمى الاستهداف.
وأظهرت أحدث المعلومات الاستخباراتية الأمريكية المسرّبة أن المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة نفذتا خلال الحرب في مطلع هذا العام هجماتٍ سرّية ضد إيران.
وقد غيّر هذا الكشف بصورةٍ جذرية الاستعدادات العسكرية الإيرانية.
وتبحث القيادة في طهران إمكانية شنّ هجمات على خطوط الأنابيب وحقول النفط في المملكة العربية السعودية ودولٍ خليجية أخرى، إضافةً إلى إغلاق مضيق باب المندب واستخدام أقوى الصواريخ الإيرانية.
وقد بدا التحوّل في النهج الإيراني واضحًا هذا الأسبوع، حين أرجأ دونالد ترامب يوم الثلاثاء هجومًا كان مُخططًا له، وذلك بناءً على طلب قادة قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، الذين رأوا أنّه يمكن التوصّل إلى اتفاق خلال أيام قليلة.
المجتمع المدني في حالة حرب: إيران تُعبّئ السكان وتُعِدّ المواطنين لصراعٍ مسلّح
ويُرجع محللون هذا التأجيل إلى مخاوف مسؤولين عرب من أن تصبح قواتهم المسلحة هدفًا مباشرًا، لا أن يقتصر الأمر على القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيهم فحسب.
ولا تقتصر التعبئة العسكرية الإيرانية على قواتها المسلحة وحدها، بل تشمل أيضًا السكان المدنيين.
وقد عرض التلفزيون الرسمي، المعروف عادةً بخطابه التحريضي الحربي، مذيعين إخباريين خلال بثٍ مباشر وهم يطلقون النار من بنادق AK-47، كما قام بتعليم المشاهدين كيفية استخدام الأسلحة، بما في ذلك تعبئة المخازن، وتجهيز السلاح للإطلاق، واتخاذ وضعية الرماية الصحيحة.
وقد ظهرت أكشاكٌ عامة لبيع الأسلحة في الساحات داخل طهران، بينما تُقيم المساجد في عدة مدن تدريباتٍ قتالية للمواطنين، بمن فيهم الأطفال.
ودافع محسن برمهاني، نائب رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، عن هذه البرامج باعتبارها تكيفًا ضروريًا مع «ظروف الحرب».
وقال برمهاني:
«إن الإلمام بالأسلحة لا يُعدّ مجرد رمزٍ للحرب والاستعداد للقتال، بل يحمل أيضًا أبعادًا تربوية وثقافية وتعليمية».
كما صرّح يد الله جواني، نائب القائد السياسي في الحرس الثوري الإسلامي، بأن أي هجوم أمريكي جديد سيتسبب في «خسائر أشدّ فداحة من السابق»، وأن «الخروج من الحرب لن يكون سهلًا كما كان في المرحلة الماضية».
وأضاف أن الحرب التي استمرت أربعين يومًا عززت بصورةٍ جذرية الموقع الاستراتيجي لإيران، من خلال تعبئة الشعب الإيراني ومنح البلاد سيطرةً فعّالة على مضيق هرمز.
وهي سيطرة قال إنها «تفوق بكثير التأثير الاستراتيجي للأسلحة النووية».
وعلى الأرض، استعادت طهران القدرة التشغيلية على 30 موقعًا من أصل 33 موقعًا صاروخيًا على امتداد المضيق ومحيطه، وفقًا لتقييمات استخباراتية أمريكية مصنّفة سرّيًا.
ورغم الادعاءات الأمريكية بشأن حدوث دمار واسع النطاق، تشير التقديرات إلى أن إيران احتفظت بنحو 70 بالمئة من ترسانتها الصاروخية التي كانت تمتلكها قبل الحرب، إضافةً إلى منصات الإطلاق المتنقلة الخاصة بها.
وتعتمد منظومة الدفاع الجوي الإيرانية على شبكاتٍ واسعة من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض، شُيّدت خصيصًا على مدى عقود لتحمّل موجات القصف الجوي المطوّل، من النوع الذي نفذته الولايات المتحدة وإسرائيل.
إيران تمتلك بنيةً تحتية تحت الأرض وترسانةً صاروخية
وتُمكّن هذه المنشآتُ القواتِ الإيرانية من نقل المعدات بين مواقع شديدة التحصين، وعرض أنظمةٍ وهمية لإرباك عمليات الرصد والاستهداف الأمريكية، إضافةً إلى إعادة تأهيل المواقع المتضررة خلال ساعات من وقوع الهجمات.
وقد أنشأت طهران منظومةً دفاعية متعددة الطبقات، صُمّمت كل طبقةٍ فيها للتعامل مع تهديدات مختلفة وعلى مسافات وارتفاعات متباينة.
ويُعتقد حاليًا أن نحو 90 بالمئة من مخازن الصواريخ ومنشآت الإطلاق الواقعة تحت الأرض أصبحت «جاهزة للعمل جزئيًا أو بالكامل».
إسرائيل والولايات المتحدة تهاجمان نظام الملالي — صور من الحرب الإيرانية
تشمل الترسانة صواريخ «خرمشهر-4» الباليستية، التي يُقدَّر مداها بأكثر من ألفي كيلومتر، وهي قادرة على استهداف القواعد الأمريكية الإقليمية ومنشآت الدول الحليفة.
كما تمتلك إيران مخزونًا من صواريخ «سجيل» متوسطة المدى، إلى جانب صواريخ كروز قصيرة المدى المصممة لتنفيذ عمليات ضد السفن الحربية.
وقبل وصول الطائرات الأمريكية، قامت منصات الإطلاق المتنقلة بنقل الذخائر بعيدًا عن مناطق القصف المتوقعة.
ووفقًا للتقارير، أرسلت الصين إلى إيران صواريخ مضادة للسفن قبل اندلاع الحرب.
وقال مسؤول سابق في إدارة ترامب لصحيفة ذا تلغراف إن هذه الصواريخ قد تكون عاملًا حاسمًا في نجاح أو فشل أي هجوم جديد للقوات الأمريكية.
كما أنشأت إيران شبكةً واسعة من أنظمة الرادار المحلية، التي تُشكّل العمود الفقري لدفاعاتها الجوية، وقد بقيت قيد التشغيل رغم الهجمات.
ويُعدّ رادار «سبهر» أحد أكثر أنظمة الرصد بعيدة المدى تطورً في إيران، إذ يستطيع كشف الأهداف الجوية على مسافات تصل إلى ثلاثة آلاف كيلومتر.
دفاع جوي متعدد الطبقات
ويستطيع رادار «غدير» اكتشاف الأهداف الجوية وتتبعها على مسافة تصل إلى 1100 كيلومتر.
أما الحلقة الخارجية لمنظومة الدفاع فتتكوّن من أنظمة دفاع جوي بعيدة المدى، صُممت لرصد التهديدات وتدميرها على مسافات وارتفاعات مختلفة.
كما تنتج إيران مجموعةً من أنظمة الدفاع الجوي المحمولة، من بينها «ميثاق» و«شهاب ثاقب»، وهي صواريخ خفيفة تُطلق من على الكتف، وفعّالة ضد المروحيات والطائرات المحلّقة على ارتفاعات منخفضة، ويمكن للجنود الأفراد استخدامها.
أما منظومة «تور-إم1»، التي اشترتها إيران من روسيا ودخلت الخدمة منذ عام 2007، فتوفر حمايةً دفاعية للنقاط والمنشآت الحساسة.
ويبلغ مداها العملياتي ما بين 12 و20 كيلومترًا، كما تستطيع استهداف الأهداف الواقعة على ارتفاعات تتراوح بين 10 أمتار و6000 متر.
وتشير التحركات الإيرانية بصورةٍ أكبر إلى قوات تستعد لمعارك وشيكة ومباشره أكثر من استعدادها لمرحلة سلام طويلة.
وقد أجرت وحدة «محمد رسول الله» التابعة للحرس الثوري الإيراني — وهي التشكيل الرئيسي المسؤول عن الأمن في منطقة طهران — تدريبات هذا الأسبوع صُممت للتصدي «لكل تحركات العدو».
وشملت المناورات سيناريوهات مزدوجة، يجري فيها في الوقت نفسه القتال ضد القوات الأمريكية والإسرائيلية وقمع اضطرابات داخلية.
وفي تدريب منفصل استمر خمسة أيام لميليشيا «الباسيج» في العاصمة، تدربت القوات شبه العسكرية على تنفيذ «أي عملية، في أي مكان، وفي أي وقت».
وقد حاكت التدريبات على وجه الخصوص سيناريوهات حربٍ داخل المدن ضد «قوات أمريكية–إسرائيلية معادية».
جيران إيران في مرمى الاستهداف: إشارات عسكرية وتساؤلات حول التوقيت
كما خططت القوات المسلحة الإيرانية لإجراء مناورات في ميناء ماهشهر، الذي يبعد نحو مئة كيلومتر عن جزيرة بوبيان الكويتية.
وأعلن الأميرال شهرام إيراني، قائد البحرية الإيرانية، هذا الأسبوع أن زوارق خفيفة مزوّدة بطوربيدات بعيدة المدى نُقلت إلى مياه مضيق هرمز ووُضعت في حالة جاهزية قتالية.
وتتمتع هذه الغواصات بقدرة على «الاستقرار في قاع البحر»، ما يسمح لها بالبقاء لفترات طويلة في قاع المحيط مع الاستمرار في تعقّب السفن المعادية.
ووصف إيراني هذه الغواصات بأنها «دلافين الخليج العربي»، إذ تستطيع تنفيذ المناورات ثم العودة إلى الأعماق لمواصلة مهامها الهجومية، وأضاف أن القوات «تضع أصابعها على الزناد» بانتظار الأوامر.
ووفقًا لما نقلته وكالة «فارس» للأنباء عن مسؤولين في الحرس الثوري، فقد وسّعت إيران أيضًا تعريفها لمنطقة مضيق هرمز.
وباتت طهران تطالب الآن بالسيطرة على المياه الممتدة من جاسك على الساحل الشرقي حتى جزيرة سيري في الغرب.
وتشير هذه الاستعدادات الواسعة — من تسليح المدنيين وتدريبهم، مرورًا بنشر الغواصات، وصولًا إلى تأمين الصواريخ الاستراتيجية — إلى أن طهران تستعدّ لكل السيناريوهات المحتملة.
ويرى آخرون أن هذا التصعيد العسكري يحمل رسالةً استراتيجية تهدف إلى إظهار الحزم والقدرة على الردع، مع الرهان على أن ترامب لا يرغب في خوض حرب طويلة الأمد.
وبالنسبة للعائلات الإيرانية التي تشاهد مذيعي التلفزيون الرسمي وهم يطلقون النار من البنادق، وقادةً عسكريين يضعون الغواصات في مواقع قتالية، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستعود، بل متى ستندلع.
ــــــــــــــــــــــ
مقالة مترجمة بعنوان Krieg am Golf: Iran plant Angriffe auf Ölfelder und Pipelines der Nachbarn (بالعربية: حرب الخليج: إيران تخطط لشنّ هجمات على حقول النفط وخطوط الأنابيب التابعة لجيرانها منشورة يوم 21 مايو 2026 في جريدة (فرانكفورتر روندشاو) بقلم: أختار ماكوي.