الإستراتيجية الجيوسياسية الإيرانية بالشرق الأوسط
تغيرات العقيدتين النووية والسياسية بعد طوفان الأقصى وسقوط نظام الأسد
د. محمد محسن أبو النور[1]
ملخص
شغلت إيران موقعا بارزا في أغلب القضايا السياسية بإقليم الشرق الأوسط، بل إنها تجاوزت ذلك الموقع وعملت على شغل مواقع أخرى في قضايا دولية عابرة للقارات مثل دعمها روسيا في الحرب الأوكرانية، ومثل إمدادها حلفائها في إفريقيا وأمريكا اللاتينية بالدعم المالي والعسكري، محاولة التأثير عبر أدوات متغيرة، لكنها تؤدي إلى الغرض نفسه، وهو أن تحظى بمكانة متقدمة في شكل النظام الدولي الجديد الذي بات يتشكل والذي لم تعد فيه الولايات المتحدة الأمريكية هي القطب الأوحد في هذا النظام، بمعنى أن إيران تأمل في أن تصبح دولة فوق إقليمية وتحت عالمية. ولعل ما يعنينا في هذه الدراسة هو التركيز على ماهوية سياسات إيران الخارجية تجاه الإقليم والعالم، ودورها في الشرق الأوسط على سبيل التحديد، وإستراتيجية طهران الجيوسياسية الكلاسيكية، وأدواتها الصلبة والناعمة لتثبيت هذا الدور.
يعتبر هذا الفصل مقدمة موجزة لشرح الإستراتيجية الجيوسياسية الإيرانية بالشرق الأوسط، إبان تغيرات العقيدتين النووية والسياسية بعد طوفان الأقصى وسقوط نظام عائلة الأسد.

دراسة الإستراتيجية الجيوسياسية الإيرانية بالشرق الأوسط للدكتور محمد محسن أبو النور
مُقَدِّمة
أدى سقوط نظام عائلة الأسد في صباح الأحد 8 ديسمبر 2024 وهي العائلة التي حكمت دمشق (1971 ــ 2024م) إلى هزة عميقة في طهران، ذلك أن هذا النظام كان يمثل الدولة الوحيدة في إستراتيجية طوق محور المقاومة الذي لفته إيران إقليميا حول إسرائيل بهدف مقاومة سياسة تلك الدولة، وبالتالي فإن سقوط النظام الذي كان يعتبر جوهرة التاج في تلك النظرية لا يعني خسارة إستراتيجية كبيرة لإيران فحسب؛ بل يعني أن المحور نفسه فقد نقطة ارتكازه وبالتالي استتبع ذلك ضرورة أن تبحث إيران عن نظرية إقليمية جديدة أو أن تغير جبريا من إستراتيجيتيها السياسية والنووية تجاه العالم والإقليم تبعا لهذا المتغير الكبير.
قبل ذلك التاريخ بنحو 14 شهرا، شهدت منطقة غلاف غزة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عملية طوفان الأقصى تلك التي اندلعت فجر السبت السابع من أكتوبر 2023م، وما تبعها من عمليات عسكرية إسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وهو ما فرض الإجابة عن علامة استفهام مفادها: لماذا لم تدخل إيران الحرب دفاعا على القضية الفلسطينية برغم أنها طالما هددت بمحو إسرائيل من على خارطة المنطقة؟! للإجابة عن هذا السؤال الماثل للعيان والظاهر على سطح الأحداث لكل متابعي السياسات الإقليمية، من المهم أولا الإجابة عن سؤال في العمق من فهم السياسات الإيرانية بحيث لا يرى بالعين المجردة ويقود إلى الإجابة عن السؤال العام المباشر في هذا السياق.
هذا السؤال يتمثل في علامة استفهام حول طبيعة الدور الإيراني وتأثيراته وحدوده عبر أدواته في العالم العربي. وللإجابة عن هذين السؤالين من المهم أولا تحديد عشرة عوامل تأسيسية في هذا المضمار وهي كالتالي:
أولا: تعاني العقلية الإيرانية على مستوى النخب والأنظمة عبر التاريخ من عقدة “العزلة الإستراتيجية”، هذه العزلة فرضتها إيران على نفسها لشعورها الدائم بالانكشاف الإستراتيجي أمام الأعداء والغزاة القادمين من كل الجهات، مثل الغزو المغولي 1209م، والغزو الأنجلو ـ سوفيتي 1941م، وغيرهما من عمليات الانهزام المتواترة في تاريخ بلاد فارس؛ ذلك أن الهضبة الفارسية منبسطة وغير محاطة بموانع جغرافية تصعب من غزوها مثل الجبال والبحار والوديان السحيقة وبالتالي تكرس في ذهن إيران التركيز على لعنة الجغرافيا[2] التي خلقت شعورا مزمنا بانعدام الأمن.
ثانيا: مع أخذ العامل السابق في الاعتبار، فقد فاقم من مشكلة الشخصية الإيرانية، عقدة أخرى هي “الشعور الدائم بالتفوق” و”الإحساس الجارف بالكبرياء القومي”[3] و”الظهور الحضاري على الآخرين”، استنادا إلى الأمجاد الثابتة في حقب التاريخ للإمبراطوريات الفارسية المترامية عبر العالم القديم، وقد أكد القرآن الكريم انتصاراتهم على الروم في مفتتح سورة تحمل الاسم نفسه، إلى جانب تفوق فارس في الإستراتيجيات العسكرية وثباتها على هويتها اللغوية الثقافية من دون تغيير في مرحلة الفتح العربي الإسلامي للبلاد على العكس من كل الأمم التي فتحها جيل الصحابة والتابعين في القرن الأول الهجري، لذلك يلاحظ المتأمل لحال إيران أنها البلد الوحيد الذي قبل الإسلام ولم يقبل اللغة العربية كثقافة مترادفة مع الدين، احتفاضا باللغة القومية وانتصارا لها.
ثالثا: أثر العاملان السابقان على شخصية صانع القرار في إيران فلجأ إلى التوسع على حساب الغير للتخلص من عقدة لعنة الجغرافيا، ودفعه الشعور بالسيطرة والتفوق إلى بناء علاقات على المستوى الإستراتيجي مع الفاعلين من الدول ومع الفاعلين من غير الدول راميا من وراء ذلك إلى محاصرة ليس الأعداء المحيطين فحسب، ولكن كذلك لمحاولة هزيمة الجغرافيا في حد ذاتها، وهو ما يفسر الدعم الإيراني للأنظمة الرسمية وللجماعات المسحلة في الإقليم وخاصة في مناطق جوارها الجغرافي.
رابعا: ورث نظام الثورة الإسلامية هذا السلوك من نظام الشاه محمد رضا بهلوي (1941 ــ 1979م) الذي سبقه، فقد عمل الشاه على دعم الجماعات من غير الدول والأنظمة السياسية وتمويلها سواء بسواء، مثل دعمه الأحزاب الكردية المسلحة في شمالي العراق والتي كانت معارضة للدولة العراقية في عهد الرئيس صدام حسين، كما تدخل الشاه في أزمة ظفار العُمانية ودعم نظام السلطان سعيد بن تيمور للقضاء على ما عُرف وقتها بـ”جبهة تحرير ظفار”، وتدخل في الأزمة اليمنية ودعم نظام الإمام محمد البدر حميد الدين، وهو الأمر نفسه الذي تفعله إيران في الظرف الراهن، فهي تدعم الجماعات من غير الدول مثل حزب الله والحوثيين وحماس والجهاد الإسلامي، وتدعم كذلك الأنظمة مثل النظامين السوري والعراقي الراهنين.
خامسا: لعب نظام الشاه هذا الدور الإقليمي دعما للدول وللجماعات من غير الدول بناء على روافع علمانية، وقد ورث نظام ولاية الفقيه الدور نفسه، لكن بناء على روافع دينية، وبالتالي تشترك الأنظمة السياسية الإيرانية المتناقضة فكريا في السلوك نفسه، وهو محاولة لعب دور خارج حدودها للتخلص من لعنة الجغرافية ولتعزيز الشعور بالكبرياء الوطني والتفوق الحضاري على الجيران، جنبا إلى جنب مع رغبة الشخصية الفارسية في نقل ساحات الصراع الداخلية إلى ساحات أخرى للبقاء في مأمن من الأعداء الخارجيين الذين تبدو إيران أمامهم في حالة انكشاف إستراتيجي دائم.
سادسا: للعب هذا الدور بنت إيران إستراتيجيتها الجيوسياسية المستدامة على استخدام الوسائل العسكرية والولوج إلى مواقع جغرافية تحددها مصالحها في كل مرحلة على حدة، من خلال إنشاء قواعد عسكرية وبناء شبكة من التحالفات الدولتية وغير الدولتية وكذلك بناء شبكات واسعة من العلاقات البرجماتية العابرة للدين وللمذهب مع شركاء في كل مناطق الصراع السائلة بالإقليم؛ لذلك سيجد المتابع أن إيران بنت علاقات إقليمية مع نظام الأسد البعثي العلماني والنظام الديني العراقي الشيعي وعلاقات مع الجماعات الجهادية السنية في قطاع غزة وجماعة الحوثي الزيدية في اليمن، وحزب الله الشيعي في لبنان، وجماعة الإخوان السنية في مصر وفلسطين وليبيا واليمن وسوريا، وهي في كل تلك الحالات تقفز على جدران العقائد الدينية والمذهبية لتحقيق الأغراض الجيوسياسية.
سابعا: لتحقيق هذه الأغراض لجأت إيران إلى البرنامج النووي والأداة العسكرية باعتبارهما قوة صلبة لا غنى عنها، مع السيطرة الاقتصادية على بعض أسواق الدول التي توجد فيها، لكنها أيضا استخدمت أدوات القوى الناعمة جنبا إلى جنب مع القوة الصلبة، وقد تجلى ذلك في مروحة من السياسات المنظمة مثل تمويل ودعم الأحزاب والنشطاء السياسيين وكذلك إنشاء المدارس وإطلاق وسائل الإعلام ومراكز الفكر وتدشين الشركات متعددة المجالات واستقدام البعثات التعليمية من الدول محل الاهتمام في كل مرحلة وإطلاق برامج منحوية لتعليم اللغة الفارسية لغير الناطقين بها من كل بقاع الإقليم في كبريات الجامعات الإيرانية الحكومية.
ثامنا: كان الخطأ الإستراتيجي الكبير الذي ارتكبته إيران وفقا لما تعلنه عن إستراتيجتها بعد إنطلاق عملية طوفان الأقصى فجر السبت 7 أكتوبر 2023م، أنها لم تشترك فعليا في الحرب ضد إسرائيل، وبالتالي قبلت أن تكون في موقع المدافع عن ما فعلته حماس والجهاد الإسلامي، وقبلت أن تكتفي بالدعم المتواصل لحزب الله الذي بدأ عمليات محسوبة مع إسرائيل في اليوم التالي لطوفان الأقصى، وأن تكتفي بالتنديد بجرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة، ما عنى أن طهران ستكون طيلة الأشهر التالية في موقع المتفرج على وقع التطورات المتلاحقة وأن تكون في موقع رد الفعل بعد أن أخذت منها تل أبيب زمام المبادأة والمبادرة في لبنان واليمن وسوريا.
تاسعا: مثلت سوريا على وجه التحديد لإيران منذ 1979 أهم حلقات نفوذها الإقليمي في منطقي غربي أسيا على الإطلاق، لدرجة دفعت عددا من رجال الدين المتنفذين أن يعلنوا صراحة عن أن سوريا هي المحافظة الخامسة والثلاثين لإيران، وأنها أهم من الإقليم العربي الأحوازي في غربي البلاد، ومنهم آية الله مهدي طائب[4]؛ ما فهم منه أن الدور الإيراني في سوريا يشكل الركيزة الرئيسة للنظام، وأن الحفاظ على هذه البلاد وعلى رئيسها “بشار الأسد” ووجوده كجزء من مستقبل البلاد بعد اندلاع الثورة في مارس 2011م، كان متغيرا شرطيا أساسيا للحفاظ على نظام الجمهورية الإسلامية نفسها.
عاشرا: تبعا لما تقدم وبناء على أن إيران تجد نفسها بعد سقوط نظام عائلة الأسد في 8 ديسمبر 2024 في لحظة ضعف هيكلية على المستويين الإستراتيجي والاقتصادي؛ فإن ذلك يستتبعه لزوما تغييرا جبريا في العقيدة النووية والسياسية الخارجية، لذلك تناور إيران في الظرف الراهن بطاقتها السياسية القصوى بمسألة تطوير برنامجها النووي في إطار إمكانية اتخاذها القرار السياسي المتعلق بالإعلان عن أو امتلاك السلاح النووي بعد تجربة نووية معلنة محتملة من باب ردع أي عملية خارجية تخيلية على أراضيها، وهو قرار سياسي ينطوي على مقامرة ومغامرة مثل سلاح حاد ذي نصلين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية ـ أفايب، حاصل على درجتي الماجستير والدكتوراة في الشؤون الإيرانية من جامعة الأزهر الشريف بالقاهرة.
[2] د. آرش رئيسي نژاد، تنهایی استراتژیک تاریخی ایران و سیاست خارجی غیردولتی: از نفرین جغرافیا تا مخمصه ژئوپلیتیکی، فصلنامه ژئوپليتيک، سال نوزدهم، شماره اول، بهار 1402، ص306.
[3] ينظر: د. راي تقية، إيران الخفية، ترجمة أيهم الصباغ، دار العبيكان، الرياض، ط1، 2006، ص281 وما بعدها.
[4] رئیس قرارگاه عمار: سوریه استان سی و پنجم است/ اگر دشمن بخواهد سوریه یا خوزستان را بگیرد اولویت حفظ سوریه است / تحریم ها مثل قبل نیست، عصر ايران، ۲۶ – ۱۱ – ۱۳۹۱ هـ. ش. لینک: https://bit.ly/3ZStJiv
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقلا عن مركز المسبار للدراسات والبحوث: الرابط
لقراءة الدراسة كاملة من هنا