على الرغم من إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن “مشروع الحرية” الذي يستهدف فتح مضيق هرمز بالقوة أمام حركة التجارة والملاحة العالمية، ردًا على الإغلاق الإيراني للمضيق، إلا أن إيران لجأت إلى ضرب إحدى ناقلات النفط التابعة لشركة أدنوك الإماراتية، كما استهدفت أحد المباني السكنية في سلطنة عمان، وهو ما دفع كثير من دول الخليج لأن تبرز الدوافع الكامنة وراء سلوك إيران المعادي لدول الخليج على وجه التحديد.
وقائع التاريخ وتقلباته تؤكد أنه لا يمكن فهم السلوك السياسي الإيراني تجاه العالم العربي بمعزل عن البنية الثقافية والتاريخية التي تشكل وعي الدولة والنخبة معًا، حيث يتناقض في كثير من الأحيان الخطاب السياسي للسلطة التنفيذية خاصة إذا كان من يتولى مقاليد الأمور أحد رموز “الإصلاح”، مع الخطاب السياسي العدائي لبعض أجهزة الدولة الإيرانية التي يسيطر عليها الحرس الثوري، إذ تبرز قضية اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الخليج بعد استهدافها خلال الحرب الأخيرة كواحدة من أبرز الوقائع التي تكشف عن حجم التباين في الرؤية الداخلية الإيرانية تجاه دول الخليج، كما يعكس حالة داخلية تستند على ميراث تاريخي كبير من الصراع الفارسي مع العرب.
وتكشف الكثير من السرديات الأدبية في إيران عن حالة من الاستعلاء الفارسي تجاه العرب أو دول الخليج على وجه التحديد، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار بكائيات أبو القاسم الفردوسي في مؤلفه الأبرز “الشاهنامة” بعد سقوط الإمبراطورية الساسانية إثر الفتح العربي.
السقوط الكبير على يد العرب
تأسست الإمبراطورية الساسانية عام 224م، وظلت لأكثر من أربعة قرون واحدة من أقوى الإمبراطوريات في العالم القديم، إلا أن هذا الكيان الإمبراطوري انهار سريعًا تحت ضربات الجيوش العربية الإسلامية، بدءًا من معركة القادسية (636–637م) التي هُزم فيها الجيش الفارسي بقيادة رستم فرخزاد، وصولًا إلى معركة نهاوند التي أنهت فعليًا الوجود السياسي الساساني.
هذه الهزيمة لم تكن مجرد خسارة عسكرية، خاصة وأنها حفرت في الذاكرة السياسية للشعب الإيراني بشكل عام، وتسببت في صدمة حضارية لدى الفرس، إذ انتقل الفرس من موقع الإمبراطورية إلى موقع الدولة العادية، وهو ما يمكن أن يفسر حساسية الفرس تجاه العرب، والتي تظهر دائمًا إما في خطابهم السياسي تجاه العرب أو حتى إنتاجهم الأدبي والفلسفي الذي يسعى إلى وضع مقارنة بين الطرفين تبرز تفوق الفرس على حساب العرب أو الخليج على وجه التحديد في الإنتاج العلمي والأدبي والفلسفي على حد سواء.
قبول الإسلام ورفض العروبة
عكس الفتح العربي الإسلامي لكثير من الأمصار بروز حالتين في هذا الفتح، فأنتج دولًا قبلت الإسلام والعروبة معًا، فيما قبلت شعوب أخرى الإسلام فقط ورفضت العروبة لغة وعادات، فكان حظ إيران أن رفضت الذوبان في الهوية العربية، لتحافظ على تراثها الحضاري الذي يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، ورفعت شعار “إسلام بلا تعريب”.
وقد حرص الفرس على الحفاظ على الهوية والقومية الخاصة بهم في ظل المد العربي المستجد والطارئ على بيئتهم التي تضم أعراقًا مختلفة وعادات غير متجانسة، وهو ما دعا الفرس لأن ينظروا إلى العرب بصفتهم قوة عسكرية هزمت إمبراطوريتهم لا شريكًا حضاريًا يمكن التفاعل معه.
شاهنامة الفردوسي
يعد أبو القاسم الفردوسي (940 – 1020م) أحد أهم شعراء إيران على الإطلاق، وهو صاحب كتاب الشاهنامة والتي تعني “كتاب الملوك”، وفيه يتغنى الفردوسي بمآثر الفرس وعاداتهم وقدراتهم العسكرية، فيما يصب جام غضبه على الفتح العربي لإيران، ومعارك ذلك الفتح التي تسببت في انهيار كامل للإمبراطورية الساسانية التي استمرت لأكثر من أربعة قرون.
ينسب للفردوسي أبيات في “شاهنامته” على لسان “رستم” قائد الجيوش الفارسية ينتقد فيها العرب، منها:
“من شرب لبن الإبل وأكل الضباب،
بلغ بالعربي الأمر أن يطمح إلى تاج الكيانيين،
تفاً لك أيها الزمن، وسحقاً”.
ولم يكن الفردوسي وحده من ضرب على ذلك الوتر، حيث ظهر أحد شعراء إيران خلال العقد الأخير واسمه مصطفى بادكوبه وأطل بقصيدة بعنوان “إله العرب”، والتي هاجم فيها العرب وقال إنهم “أعراب” وليسوا “عربًا” واستشهد بالآية الكريمة التي تقول: “الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا”.
يزيد على ذلك المناهج التعليمية في المراحل الدراسية الإيرانية التي تصور الجزيرة العربية على أنهم شعوب قبلية عاشت في عبادة الأوثان لفترة طويلة، ولم يكن لديهم حضارة، تمامًا كما تذكر كتب الفلسفة الإيرانية وأهمها كتاب “مسار الفلسفة في إيران والعالم خلال عشرين قرنًا” حيث يذكر مؤلفه محمد الخامنئي أن الجزيرة العربية خلت من الحضارة ولم يظهر فيها إلا الشعر الذي طفا على المنطقة من منبع وجود الإنسان في الطبيعة فقط.
وقد دعت قصيدة الفردوسي بالتحديد أحد شعراء العرب للرد عليها بقوله:
وشاعر قوم بالمآكل أولعوا .. وبشرب حليب النوق عيرنا قدما
ولم يدر أن العار أولى بمعشرٍ .. أضاعوا الحجى والرشد والعزم والحزما
مفاخرهم حسن الطعام ونوعه .. فلست ترى إلا البطون لهم هما
قدمنا لهم دينًا به الناس تستوي .. ما خص بالتفضيل عُربًا ولا عجمًا
فلم يستطع أن يغسل الدين عنهمُ .. طباع جدود تعبد النار والفحما
خاتمة
تكشف المآثر الفارسية وفي القلب منها “شاهنامة” الفردوسي عن نظرة الإيرانيين للعرب منذ قديم الأزل وحتى حاضرنا المعاش، إذ إن ملحمة الشاهنامة لا تكتفي بسرد تاريخ ملوك الفرس وشجاعتهم وإقدامهم في المعارك، بل تعمل على تمجيد الماضي الفارسي ما قبل الإسلام، مقابل تصوير لحظة الفتح باعتبارها انكسارًا تاريخيًا ومعارك حملت في طياتها إذلالًا تاريخيًا للفرس على يد العرب، وهو ما قد يفسر في كثير من الأحيان عداء الإيرانيين للخليفة الراشد، والصحابي الجليل، عمر بن الخطاب، صاحب ضربة النهاية في معركة نهاوند التي أسقطت الإمبراطورية الساسانية في عهده.
هذه اللغة التي بدت في شاهنامة الفردوسي ليست مجرد تعبير أدبي، خاصة إذا ما اعتبرنا أنها تعكس رؤية أدبية وثقافية للفرس ترى في العرب أنهم جماعات قبلية هزمت التاريخ الفارسي في معركتين عسكريتين، وهو بالمناسبة تصور فارسي لا يزال حاضرًا في بعض دوائر التفكير الإيرانية.
ومن ثم وجب التأكيد على أن فهم التوتر الفارسي – العربي أو بالأحرى الإيراني – الخليجي، لا يمكن قراءته بدقة إلا من خلال قراءة عميقة لنصوص تاريخية كـ”شاهنامة” الفردوسي” وغيرها بوصفها عملًا أدبيًا ووثيقة فكرية تشرح الوعي الجمعي الذي يلقي بظلاله على السياسة خلال الفترة الحالية.