ظلّت حالة «اللاحرب واللاسلم» الهشة قائمة منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في الشهر الماضي، إلا أنها تبدو اليوم وكأنها تنزلق تدريجيًا نحو مواجهة عسكرية جديدة على نطاق أوسع بين البلدين، في ظل تعقد المشهد التفاوضي بين واشنطن وطهران.
فالهدنة الهشة بين الطرفين، التي ما انفكت تُحترم تارةً وتُنتهك تارةً أخرى، قد تُبعث من جديد بفضل جهود الوسطاء العرب والباكستانيين الذين أرهقهم استمرار هذا الوضع أكثر من أي وقت مضى، ولا سيما أن كلا الطرفين يفضل تجنب العودة إلى حرب طويلة وشاملة.
أبرز نقطة ضعف
غير أن أبرز مواطن الضعف في هذا التفاهم يتمثل في وضع مضيق هرمز الاستراتيجي؛ إذ أكدت إيران مرة أخرى أن سيطرتها على هذا الممر المائي الحيوي تمثل خطًا أحمر واضحًا وغير قابل للتفاوض، وأنه لا الضغوط العسكرية، ولا الاقتصادية، ولا الدبلوماسية قادرة على انتزاع هذا الموقف منها.
وقد كتب محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي وكبير المفاوضين الإيرانيين، مؤخرًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى نص مذكرة التفاهم: «لقد حذرناكم من قبل بضرورة الالتزام بتعهداتكم، وإلا فإنكم ستتحملون كلفة ذلك.»
وتستند طهران في موقفها هذا إلى التفاصيل شديدة الغموض الواردة في مذكرة التفاهم المؤلفة من أربعة عشر بندًا، والتي صيغت على عجل خلال شهر يونيو الماضي. ومنذ اللحظة الأولى، تبنّى الطرفان تفسيرين مختلفين لهذه المذكرة. فإيران ترى أن البند الخامس من الوثيقة يمثل ضوءًا أخضر يمنحها صلاحية الاضطلاع بدور حاسم في إدارة هذا الممر البحري الحيوي، إذ ينص البند على ما: «تبذل جمهورية إيران الإسلامية أقصى جهودها لاتخاذ التدابير اللازمة لضمان العبور الآمن للسفن التجارية.»
أما الولايات المتحدة، فترى أن هذا البند يعني التزام طهران بالإبقاء على هذا الممر الاستراتيجي مفتوحًا أمام التدفق الحر للنفط والغاز العالميين، فضلًا عن سائر السلع الحيوية، بما في ذلك المواد الأولية اللازمة لإنتاج الأسمدة الكيماوية.
وفي هذا السياق، قال أحد كبار المسؤولين في قطاع النفط العربي بالمنطقة، في إشارة إلى الصياغة الغامضة لبنود مذكرة التفاهم: «إن هذه البنود من فرط غموضها يمكن أن تمر من بينها شاحنة بأكملها.»
وعلى الرغم من أن القيادة الجديدة في طهران، التي تولت السلطة عقب أسابيع من الحرب الشاملة وسلسلة الاغتيالات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو متفقة على الرؤية الاستراتيجية العامة للمرحلة الجديدة من عمر الجمهورية الإسلامية، فإن المؤشرات المتزايدة تكشف عن وجود تباينات واضحة فيما بينها بشأن الكيفية التي ينبغي بها إدارة هذه المرحلة.
ضربة مؤثرة للولايات المتحدة
وتبدو رؤية نظر روبرت مالي، العضو في مجموعة الأزمات الدولية وأحد أعضاء الوفد الأمريكي المفاوض في الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى وجيهة حين يقول:«هناك من يرى ضرورة استثمار المكاسب التي تحققت في ساحة المعركة لخدمة المسار الدبلوماسي، في حين يعتقد آخرون أن وقف إطلاق النار جاء مبكرًا جدًا، قبل أن تتمكن إيران من توجيه ضربة مؤثرة بما يكفي إلى الولايات المتحدة.»
ووفقًا لما أفاد به مصدر دبلوماسي في المنطقة، فإن الهجمات الإيرانية الأخيرة التي استهدفت ثلاث سفن، من بينها سفينة تحمل الغاز الطبيعي المسال وترفع العلم القطري، وكانت تبحر في ممر الملاحة القريب من السواحل العُمانية، نفذتها «وحدة مارقة» تابعة للحرس الثوري الإيراني. وفي ظل البنية الحالية التي بات فيها الحرس الثوري القوة المهيمنة، فإن الخط الأحمر غير القابل للتفاوض بالنسبة لإيران يتمثل في أن تعبر السفن عبر المسارات التي تحددها طهران.
وفي الليلة الماضية، وبعيدًا عن صخب المواجهات العسكرية، طرح البرلمان الإيراني مشروعًا جديدًا لإدارة مضيق هرمز تحت عنوان:«الإجراء الاستراتيجي لتأمين الأمن والتنمية المستدامة لمضيق هرمز والخليج.»
وقد أعلن إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإسلامي، هذا الخبر عبر منصة «إكس». وكان قد صرح في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) خلال شهر أبريل الماضي بأن السيطرة على هذا الممر المائي تمثل «حقًا غير قابل للسلب» لإيران. وعندما سُأل: “متى ستكون إيران مستعدة للتخلي عن هذه السيطرة؟ جاء جوابه مقتضبًا وحاسمًا: «أبدًا.» ووصف هذا الممر المائي بأنه «رصيد استراتيجي لمواجهة العدو.»
إن انعدام الثقة الكامل لدى إيران بالوعود الأمريكية، والذي تعمق بفعل تكرار الحروب والتهديدات خلال مسار المفاوضات، جعل طهران أكثر تمسكًا بموقفها.
ومن منظور إيران، فإن السيطرة على مضيق هرمز لا تُعد مجرد ورقة للمساومة في هذا المأزق، بل أصبحت أداة جديدة لفرض النفوذ، ووسيلة مستحدثة للردع، فضلًا عن كونها شريانًا اقتصاديًا حيويًا، ولا سيما إذا لم تُرفع العقوبات مطلقًا، واستمرت الأصول الإيرانية المجمدة في مختلف أنحاء العالم على حالها.
غير أن سعي طهران إلى إعادة رسم قواعد اللعبة في المنطقة أدى إلى تصاعد التوتر مع جيرانها أيضًا، وفي مقدمتهم قطر، التي تُعد أحد أبرز الوسطاء في هذه الأزمة، وكذلك سلطنة عُمان التي أدت، طوال عقود، دور الوسيط الهادئ بعيدًا عن الأضواء بين مختلف الأطراف.
موقف عربي من مضيق هرمز
كما أعلنت دول، من بينها الإمارات العربية المتحدة، بصورة صريحة أن الخطة الإيرانية الرامية إلى الاضطلاع بدور إشرافي على هذا الممر البحري، بما في ذلك فرض نوع من «رسوم الخدمات» على السفن العابرة، أمر غير مقبول، وقد يخلق سابقة خطيرة.
ويكشف مصدر مطلع على سير المفاوضات أن سلطنة عُمان أبدت اعتراضها على جزء من البند الخامس ذاته، وهو الجزء الذي ينص على أن إيران «ستجري مشاورات مع سلطنة عُمان بشأن وضع الآلية المستقبلية لإدارة المضيق والخدمات البحرية.». وباتت مسقط تجد نفسها اليوم عالقة بين مطالب واشنطن وطهران، في وقت تحرص فيه، قبل كل شيء، على الحفاظ على سمعتها التاريخية بوصفها وسيطًا هادئًا ومتزنًا في المنطقة.
إذ تكشف الكثير من التقارير الإعلامية التي تصدر في هذا الشأن أن سلطنة عمان أبدت قدرًا كبيرًا من الصبر تجاه إيران، انطلاقًا من حرصها على حسن الجوار، وأن هذه التطورات دفعت عُمان إلى اتخاذ موقف أكثر جدية نسبيًا، فيما لا يزال بعض المراقبين يرون أن ثمة احتمالًا، وإن كان ضئيلًا، للتوصل إلى تسوية نهائية”.
غير أن موقف بريطاني للدبلوماسي سايمون غاس، الذي سبق أن شارك في مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015 يكشف عن رغبة بريطانيا في التأكيد على أن نقطة التوازن قد تكمن في التوصل إلى اتفاق لا تُفرض بموجبه رسوم عبور على السفن عند مرورها عبر المضيق، مع استحداث نوع من رسوم الخدمات البحرية، بما يتيح لإيران إظهار أنها ما زالت تحتفظ بقدر من سلطتها ونفوذها.
خاتمة
وبعيدًا عن هذا الخلاف، تكمن المشكلة الأعمق في سوء الفهم المتبادل الذي يحكم نظرة كل من الطرفين إلى الآخر. فكل طرف يعتقد أنه خرج من هذه الحرب وهو صاحب اليد العليا، كما يعتقد كل منهما أن الطرف المقابل سيضطر في نهاية المطاف إلى التراجع بسبب نقاط ضعفه الداخلية.
وفيما يتعلق بإيران، يتكرر دائمًا التأكيد على امتلاكها قدرة كبيرة على تحمل الضغوط. حيث تمكنت طهران من استغلال الفرصة التي أتاحتها مذكرة التفاهم، إذ جرى، بموجبها، تعليق بعض القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية لفترة وجيزة، غير أن الولايات المتحدة أعادت لاحقًا فرض تلك العقوبات.
وقد كان لتلك العقوبات تأثيرًا بالغًا على الاقتصاد الداخلي الإيراني، فقد بلغ معدل التضخم نحو 80 في المائة، كما فقد ملايين الأشخاص وظائفهم، ليس بسبب الحرب وحدها، وإنما أيضًا نتيجة واحدة من أطول فترات انقطاع الإنترنت في تاريخ البلاد.
يضاف إلى ذلك خوض إيران حربين في أقل من عام، فضلًا عن القمع الدموي للاحتجاجات الشعبية الواسعة المناهضة للحكومة، والتي أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص، الأمر الذي جعل المشهد الداخلي بالغ التعقيد.
وفي المقابل، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الآخر ضغوطًا سياسية واقتصادية متزايدة، وهي ضغوط قد تدفع فريقه، ولو بصورة محدودة، إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. إذ أدى التصعيد الناجم عن إغلاق هذا الممر المائي الحيوي، والذي يُعد إحدى نتائج هذه الحرب، إلى تعطيل أي نقاش جاد بشأن القضية الأساسية، والمتمثلة في مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
كما أن المهلة المحددة بستين يومًا، التي نصت عليها مذكرة التفاهم لإجراء مفاوضات مكثفة، والتي لم تكن تبدو واقعية منذ البداية، تحولت الآن إلى نقطة ضعف إضافية في هذا الاتفاق.
========================-
ترجمة مقالة بعنوان: “اختلاف برسر تنگه هرمز ضعف توافق امریکا و ایران را آشکار کرد”، بالعربية:”الخلاف حول مضيق هرمز يكشف هشاشة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران” والمنشور بموقع بي بي سي فارسي للكاتبة: ليز دوست كبيرة المراسلين الدوليين في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، بتاريخ: 15 يوليو/ 2026