أجرى مرشد إيران مجتبي خامنئي تغييرات في قيادة الجيش والحرس الثوري، ومنظمة التعبئة “الباسيج”، بعد فترة شهدت خسائر كبيرة في صفوف القيادة العسكرية الإيرانية، حيث لا تكمن أهمية تلك القرارات في مجرد تغيير للأسماء فقط، وإنما في توقيتها وتزامنها مع إعادة ترتيب عدة مستويات من المؤسسة العسكرية والأمنية، حيث وصف خامنئي الوضع الإيراني الحالي بـ “مواجهة استراتيجية ومصيرية”، فدعا إلى تحقيق عدد من الأهداف، بينها الارتقاء المستمر والشامل بالقدرات من أجل “ردع أقصى”، والاستعداد لتنفيذ “عمليات هجومية قوية ضد العدو”، بحسب تعبيره.
التكامل وليس مجرد الاستبدال
إن تلك التعيينات الجديدة في مؤسسات القيادة الإيرانية يكشف عن أن اتساع نطاق تلك التغييرات جعل الأمر مختلفًا عن مجرد قرار بتعيين قائد جديد في منصب واحد، حيث تكشف تلك القرارات الجديدة لخامنئي الابن عن أنها تغلق مرحلة وتفتح الباب أمام مرحلة أخرى في ظل احتدام الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية وتأخر الوصول لاتفاق شامل بين الطرفين.
إذن فإن التزامن بين هذه التعينات والوقت الذي تمت فيه يمكن قراءته بأنه محاوله من طهران لإعادة بناء هرم القيادة العسكرية الذي تعرض للكثير من الضربات الأمريكية والإسرائيلية، خاصة بعد الخسائر الكبيرة الذي تعرضت له خلال الحرب الأخيرة، فنرى أن تلك التغييرات القيادية في ظل الظروف الراهنة تمثل إعادة بناء وترتيب أولويات أكثر من كونه شغل مناصب شاغرة أو تغيير أشخاص واستبدالهم بأشخاص آخرين.
حيث إن إعادة البناء أصبحت أولوية لدى طهران الآن، فاختيار تلك القيادات الجديدة يمس في الوقت نفسه أبعادًا مختلفة من القوة الإيرانية مثل: العمليات العسكرية، القيادة والسيطرة، الأمن البحري، والأمن الداخلي.
جاء التعديل بعد يوم من تعيين محسن رضائي رئيسًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، حيث شغل رضائي منصب القائد العام للحرس الثوري الإيراني من عام 1981 إلى عام 1997، بما يعكس توجه إيران نحو إعادة ضبط منظومة القوة إستعدادًا لمرحلة أمنية أكثر تعقيدًا، وهو ما يجعل اختيار أحمد وحيدي لقيادة الحرس الثوري تحديدًا موضعًا مهمًا.
الخبرة الأمنية تتفوق على أفكار الإصلاح
تمت ترقية العميد أحمد وحيدي إلى رتبة لواء وتم تعيينه قائدًا عامًا للحرس الثوري الإيراني، ليحل محل اللواء محمد باكبور، الذي قتل في الغارات الجوية في 28 فبراير، وشغل العديد من المناصب العسكرية والحكومية العليا، بما في ذلك وزير الدفاع ووزير الداخلية، وتم إختيار اللواء وحيدي لأنه محسوبًا على التيار المتشدد، وكان شخصية رئيسية في ملء فراغ السلطة الناجم عن وفاة كبار القادة والقادة الإيرانيين في الضربات، حيث كان يشغل منصب القائد الفعال للحرس الثوري الإيراني منذ بداية الحرب، وأمره خامنئي بتعزيز قدرات الحرس الثوري الإيراني على الردع وإعداد القوة “لعمليات هجومية قوية ضد العدو”.
كما تم تعيين اللواء علي عبد الله رئيسا لأركان القوات المسلحة الإيرانية، ليحل محل الجنرال عبد الرحيم موسوي، الذي قُتل في ضربات 28 فبراير، حيث يعد من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، وكان يشرف على هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة خلال الحرب.
كما تم تعيين الأدميرال علي عظمايي قائدًا للبحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، ليحل محل علي رضا تانجستيري، الذي قتل في غارة جوية إسرائيلية في مارس، وتعد البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني مسؤولة عن العمليات العسكرية الإيرانية في الخليج وحول مضيق هرمز.
كما جاء تعيين حسين طائب، الرئيس السابق لمنظمة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري الإيراني، رئيسًا للباسيج، القوة شبه العسكرية التطوعية التابعة للحرس الثوري الإيراني المستخدمة لقمع المعارضة الداخلية، الذي شغل سابقًا منصب رئيس استخبارات المنظمة وشغل مناصب عليا داخل الجهاز الأمني الإيراني، بالإضافة إلى تعيين العميد كيومرث حيدري، القائد السابق للقوات البرية للجيش، نائبًا لرئيس الأركان، وهو الذي شغل مناصب عليا في الجيش النظامي الإيراني، المعروف باسم “أرتش”، علاوة على تعيين اللواء مصطفى إزادي نائبا للقائد العام للحرس الثوري الإيراني، القائد المخضرم الذي شغل عددًا من المناصب العليا في المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية.
الجاهزية العسكرية الإيرانية
وفي ضوء توجيهات المرشد الأعلى لأحمد وحيدي بعد تعينه قائدًا للحرس الثوري، التي تضمنت تعزيز قدرات القوة من أجل “أقصى قدر من الردع” والحفاظ على الاستعداد لتنفيذ “عمليات هجومية قوية ضد العدو”، يشير ذلك إلى تبنيه سياسة الجمع بين الردع والاستعداد للعمليات الهجومية والحفاظ على قدرة الحرس علي توجيه رد عسكري إذا تجدد التصعيد.
كما أن اختيار قيادات تمتلك خبرة عسكرية واسعة، يشير إلى أن القوات المسلحة الإيرانية تقوم بإعادة تنظيم واسع النطاق، ويعكس ذلك الدروس التي تعلمها النظام من حروب يونيو 2025 وربيع 2026، وأمر المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة اللواء علي عبد الله علي أبادي في 10 أغسطس “بإكمال عملية” دمج القوات المسلحة والمقر المركزي لخاتم الأنبياء، فمن المرجح أن النظام يريد تبسيط التنسيق بين KOACH و IRGC أو الجيش النظامي والحرس الثوري الإسلامي، والحد من التكرار المؤسسي، وتمكين القادة العسكريين من اتخاذ قرارات في زمن الحرب بسرعة وفعالية أكبر.
ويأتي تعيين علي عظمايي قائدًا للقوة البحرية التابعة للحرس الثوري في غاية الأهمية، خاصة في ضوء الدور المحوري الذي تضطلع به هذه القوة في منطقة الخليج ومضيق هرمز؛ فقد سبق لعظمايي أن تولى قيادة المنطقة البحرية الخامسة التابعة للحرس الثوري، قبل انتقاله إلى قيادة القوة البحرية، بما منحه خبرة مباشرة في المجال البحري.
ويأتي تثبيته في هذا الوقت الذي تتصاعد فيه حدة التوتر حول مضيق هرمز، دليل علي الإبقاء على قيادة ذات خبرة بحرية في هذا الموقع باعتباره جزءًا من توجه أوسع للحفاظ على الجاهزية الإيرانية في أحد أهم محاور التنافس العسكري والاستراتيجي في المنطقة.
الخاتمة
تلك التعينات التي وضعتها إيران لا تعني بالضرورة أن إيران تتجه إلى شن مواجهة عسكرية جديدة، ولكن يمكن النظر لتلك التغييرات باعتبارها محاولة لرفع تكلفة أي هجوم مستقبلي عبر تحسين الجاهزية والقدرة على الاستمرار في القتال.
وبالتالي فإن الهدف الأساسي قد يتمثل في ملئ الفجوات التي نتجت عن الحرب، وبناء منظومة ردع أكثر قدرة على الصمود، بحيث يصبح امتلاك القدرة على الرد جزءًا من استراتيجية منع الخصوم من تكرار الهجوم.