يُعدّ الاتفاق الدفاعي المبرم في مكة المكرمة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان أحد أهم مؤشرات التغيّر في البنية الأمنية للشرق الأوسط في خضم الأزمة الإيرانية–الأمريكية. ويستند هذا الاتفاق، الذي وقّعه قادة الدول الثلاث في مكة المكرمة، إلى مبدأ مفاده أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الأعضاء يُعد هجومًا على جميع الأعضاء؛ وهو بند وصفه وزير الخارجية التركي بأنه قابل للمقارنة من الناحية الفنية بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو). ومع ذلك، أكدت السلطات التركية أن الاتفاق لم يُصمَّم ضد إيران أو أي دولة بعينها.
وتتضح أهمية ميثاق مكة بصورة أكبر عند النظر إليه في سياق الحرب بين إيران والولايات المتحدة والأزمة الأمنية الأوسع في المنطقة. ففي الأشهر الأخيرة، أدت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية على أهداف في دول المنطقة، وفي المقابل العمليات العسكرية الأمريكية وحلفائها، إلى مواجهة دول الخليج العربي لحقيقة مفادها أن الحرب بين القوى الكبرى يمكن أن تهدد أمنها واقتصاداتها بشكل مباشر. وكانت المملكة العربية السعودية قد رحبت سابقًا بالاتفاق بين طهران وواشنطن لوقف العمليات العسكرية، وأكدت ضرورة استعادة أمن الملاحة في مضيق هرمز.
رسالة الاستقلال الأمني للرياض
تتمثل أهم رسالة سياسية لاتفاق مكة في أن المملكة العربية السعودية لم تعد ترغب في الاعتماد على ضمانات قوة خارجية واحدة فقط، ولا سيما الولايات المتحدة، لتأمين أمنها. ولا يعني هذا التحول التخلي عن واشنطن، بل يعكس توجه الرياض نحو سياسة «تنويع الشراكات الأمنية». فالمملكة تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات دفاعية واسعة مع الولايات المتحدة، وتسعى كذلك إلى تعزيز علاقاتها مع تركيا وباكستان وقوى إقليمية أخرى.
وقد اكتسب هذا التوجه أهمية أكبر بعد تجربة الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة. فمن جهة، تعتمد الدول العربية في الخليج على القوة العسكرية الأمريكية لردع إيران، ومن جهة أخرى لا ترغب في أن تتحول أراضيها وبناها التحتية إلى ساحة رئيسية للصراع في حال اندلاع حرب جديدة. ويمكن النظر إلى ميثاق مكة باعتباره جزءًا من الاستجابة لهذه المخاوف.
كما أن انضمام تركيا وباكستان إلى هذا الاتفاق يحمل أهمية خاصة. فتركيا قوة عسكرية بارزة وعضو في حلف الناتو، بينما تمتلك باكستان جيشًا قويًا وقدرات نووية. ويتيح وجود هاتين الدولتين إلى جانب المملكة العربية السعودية للرياض بناء شبكة متعددة المستويات من العلاقات الأمنية؛ شبكة قد لا تكون بديلًا للولايات المتحدة، لكنها تزيد من قدرة المملكة على المناورة والتفاوض.
التأثير المحتمل على الحرب بين إيران والولايات المتحدة
إن التأثير المباشر لميثاق مكة على ساحة الحرب يظل محدودًا، لأن الاتفاق لم يُعرَّف بوصفه موجهًا ضد إيران، ولا يفرض أي التزام بالدخول التلقائي في حرب بين إيران والولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن أثره الردعي قد يكون ملحوظًا.
فإذا أدركت طهران أن أي هجوم على الأراضي السعودية قد يستتبع ردًا منسقًا من الرياض وأنقرة وإسلام آباد، فإن تكلفة توسيع نطاق الحرب إلى دول المنطقة سترتفع. وهذا قد يدفع إيران إلى الحد من الهجمات المباشرة ضد الدول العربية. ومن جهة أخرى، يتعين على الولايات المتحدة أيضًا أن تأخذ في حساباتها العسكرية احتمال ردود فعل دول المنطقة تجاه عملياتها وهجماتها.
غير أن هناك خطرًا مهمًا يتمثل في أن التحالفات الدفاعية الجديدة قد تزيد من احتمالات سوء التقدير بدلًا من خفض التوتر في أوقات الأزمات. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي هجوم تشنه جماعة متحالفة مع إيران على منشآت سعودية إلى وضع الرياض في موقف يدفعها، وفق تفسيرها للاتفاق، إلى المطالبة برد عسكري.
وقد أظهر الهجوم الأخير الذي نفذه الحوثيون على منشآت أرامكو في جيزان، بعد يومين فقط من توقيع الميثاق، أن هذا القلق ليس مجرد افتراض نظري. ومن ثم، قد يُحدث ميثاق مكة تأثيرين متناقضين في الوقت ذاته: فمن ناحية، قد يعزز الردع على المدى القصير ويمنع الهجمات المباشرة على الدول الأعضاء؛ ومن ناحية أخرى، فإن استمرار الغموض في آليات اتخاذ القرار والاستجابة المشتركة خلال أزمة حادة قد يهيئ الظروف لتوسيع نطاق الصراع.
مضيق هرمز وأزمة الطاقة ومستقبل المنطقة
يُعد ارتباط ميثاق مكة بأمن الطاقة ومضيق هرمز أحد أهم آثاره غير المباشرة. فأي حرب طويلة بين إيران والولايات المتحدة، ولا سيما إذا أضرت بحركة الملاحة البحرية في الخليج العربي، ستضع المملكة العربية السعودية وغيرها من اقتصادات المنطقة تحت ضغط مباشر. وكانت الرياض قد أكدت في بيانها الرسمي عقب الاتفاق الإيراني–الأمريكي على أهمية استعادة الأمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز.
ومن هذا المنطلق، تجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام معادلة مزدوجة: فمن جهة لا تستطيع تجاهل التهديدات الإيرانية، ومن جهة أخرى لا ترغب في حرب تهدد صادرات النفط والاستثمارات الأجنبية والمشروعات الاقتصادية طويلة الأمد. ويمكن أن يشكل ميثاق مكة أداة جديدة لإدارة هذا التناقض.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن ظهور مثل هذه الهياكل الأمنية يحمل رسالة واضحة. فواشنطن لا تزال القوة العسكرية الخارجية الأهم في الشرق الأوسط، غير أن دول المنطقة باتت تبحث عن خيارات إضافية لضمان أمنها. وقد يؤدي هذا المسار على المدى الطويل إلى تحويل الدور الحصري للولايات المتحدة بوصفها «ضامن أمن المنطقة» إلى مجرد «أحد عدة أعمدة» في البنية الأمنية للشرق الأوسط.
وفي النهاية، فإن احتمال توسيع ميثاق مكة ليشمل دولًا أخرى قد يجعل المعادلات أكثر تعقيدًا. فقد تحدث مسؤولون أتراك عن إمكانية انضمام دول أخرى، من بينها مصر. وإذا استمر هذا التوجه، فقد يشهد الشرق الأوسط نشوء شبكة أمنية إقليمية تُبنى فيها العلاقات بين الدول بعيدًا عن حصرها في محور واشنطن أو محور طهران.
الخاتمة
في الوقت الراهن، لا يمكن الجزم بأن الاتفاق الدفاعي في مكة يمثل تشكيل جبهة عسكرية مباشرة ضد إيران. فتكمن أهميته الحقيقية حاليًا في تغيير سلوك الدول الإقليمية وحساباتها الاستراتيجية. فقد سعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان من خلال هذا الاتفاق إلى تعزيز قدراتها الردعية واستقلالها الاستراتيجي؛ وهو توجه نابع من القلق تجاه احتمال امتداد الحرب بين إيران والولايات المتحدة إلى المنطقة.
وعلى المدى القصير، قد يسهم ميثاق مكة في رفع تكلفة أي هجوم مباشر على المملكة العربية السعودية، وفي الحد من اتساع الرقعة الجغرافية للحرب. إلا أنه في حال وقوع هجوم تعتبره إحدى الدول الأعضاء تهديدًا مباشرًا، فقد تتحول الآلية ذاتها إلى عامل يؤدي إلى توسيع نطاق الأزمة. ومن ثم فإن الأثر النهائي لهذا الاتفاق على الحرب بين إيران والولايات المتحدة يكمن في تأثيره على الحسابات الأمنية لدول المنطقة.
فإذا اتجهت الحرب بين إيران والولايات المتحدة نحو التفاوض والتوصل إلى وقف إطلاق نار دائم، فقد يتحول ميثاق مكة إلى ركيزة جديدة للأمن الإقليمي. أما إذا اشتعلت المواجهة من جديد، فإن الاتفاق سيواجه اختباره الحقيقي: «هل سيتمكن من منع اتساع نطاق الحرب، أم أنه سيتحول هو نفسه إلى إحدى حلقات السلسلة التي قد تجعل أزمة ثنائية تتحول إلى حرب متعددة الأطراف في الشرق الأوسط؟».
——
ترجمة مقالة بعنوان : پیمان مکه خاورمیانه در حال باز تعريف قواعد جنگ ایران و آمریکا ؟، بالعربية: “ميثاق مكة؛ هل يعيد الشرق الأوسط تعريف قواعد الحرب بين إيران والولايات المتحدة؟”، نقلها عن الفارسية: د. أسماء أمين