تعد الصراعات السياسية العربية والدولية سمة من سمات كل العصور؛ فلم تعرف الحياة السياسية حقبة خلت من النزاعات والتنافس على النفوذ والأطماع الاقتصادية. وقد تبدو الإجابة في غاية البساطة إذا ما طرح السؤال على أي فرد لا يجهد نفسه في التفكير، فيرجع الأمر إلى طبيعة الحياة ذاتها وانعكاسها على السياسة الدولية، وإلى أن القادة السياسيين ليسوا في النهاية سوى بشر وضعهم القدر في مواقع تمكنهم من التحكم في مقدرات الشعوب.
ومع أن هذه الإجابة صحيحة في جانب منها، فإن الأمر جدير بالتأمل للوصول إلى معان ومسببات أكثر اتصالا بواقعنا السياسي المعاصر، خاصة في المنطقة العربية التي تحولت، منذ فترة طويلة، من مرحلة تصدير الأحلام إلى مرحلة تصدير المشكلات واستيرادها أيضا، في ظل اختلال موازين القوى على المستوى الدولي.
ويحضرني في هذا السياق ما كتبه الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه الشهير “المعقول واللامعقول في تراثنا العربي”، حين قام برحلة ذهنية عبر العصور العربية في محاولة للوصول إلى ما ينبغي أن نأخذه وما ينبغي أن نتركه من تراثنا، وكان يبحث، بطبيعة الحال، عن مواطن المعقول الصالحة في مختلف الأزمنة.
ومع أن مضمون الكتاب يبدو، للوهلة الأولى، بعيدا عن السياسة وأكثر اتصالا بالثقافة العربية والتراث، فإن مسايرة الفكر العام الذي طرحه الكتاب ومحاولة تطبيقه على الساحة السياسية الدولية، وعلى توازنات القوى بين الشرق والغرب، وعلى جذور الصراع بين العرب والفرس، يمكن أن تقودنا إلى صورة جديرة بالتأمل، وإن كانت، بالطبع، قابلة للنقاش والرفض، شأنها شأن أي فكرة عامة تطرح أو يعبر عنها.
وفي البداية، يمكن القول إن السياسة بوجه عام، والسياسة العربية البينية والعربية الدولية بوجه خاص، كثيرا ما قامت على منطق “اللامعقول من البداية”، إذا ما رسمنا خطا زمنيا يبدأ، افتراضا، مع الصراع السياسي بين الصاحبيين الجليلين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وما ارتبط به من تداعيات سياسية في واقعة التحكيم، وما يروى عن الدور الذي لعبه الصحابي الجليل عمرو بن العاص في إدارة ذلك الصراع.
ويمكن القول إن تلك الواقعة، إذا ما استخلصنا منها فكرتها العامة ودلالتها السياسية، تكشف عن حضور قوي للمنطق المادي والبراجماتي في السياسة العربية منذ القدم. جزء من ذلك يتصل بالفعل بالطبيعة البشرية وبالفطرة، وبصعوبة تطبيق النهج الأخلاقي الصرف في إدارة العلاقات السياسية، لكنها، في معناها العام، قد تعطي انطباعا بأن الأصل في السياسة هو التحايل والمناورة، بينما تأتي الدبلوماسية والتشدق بالمبادئ العامة والحريات والديمقراطية في كثير من الأحيان باعتبارها أدوات أو واجهات لهذا الصراع.
ومن ثم يمكن القول إن الوجوه تغيرت، ولم يعرف التاريخ علي بن أبي طالب آخر، لكنه عرف عشرات الوجوه التي حملت ألقاب الدهاء السياسي، عربيا ودوليا. كما يمكن القول إن الانقسامات العربية، منذ ذلك الحين، سارت على نحو أو آخر في مسارات تاريخية كرست ضعف الرابطة الجامعة، بحيث أصبحت الوحدة في كثير من الأحيان شعارا، بينما ظلت الفرقة والانقسام واقعا متكررا. ومع ذلك، ظل الشعور القبلي حاضرا في العقول والقلوب، تغطيه دواعي الاستمرارية والتعايش الشكلي مع الآخر.
وإذا انتقلنا إلى الصراع العربي ــ الفارسي، نجد أن الفرس عانوا في ظل الدولة الأموية من نظرة تضعهم في مرتبة أدنى، رغم انتشار الإسلام بينهم. ومن المعروف أن قيام الدولة العباسية ارتبط بمساندة عناصر فارسية، وفي مقدمتها أبو مسلم الخراساني، الذي تعرض للقتل لاحقا على يد العباسيين أنفسهم. ومن هنا يمكن القول إن بعض مظاهر التوتر في العلاقة بين العرب والفرس امتدت، بأشكال مختلفة، إلى الأزمنة اللاحقة، وإن كانت قد اتخذت في العصر الحديث صورا أكثر تعقيدا.
فالأمر لا يقتصر على الطبيعة السياسية للصراعات التي تفرق، في أحيان كثيرة، بين أطراف يفترض أن تكون روابطها أكثر قوة، كما هو الحال في العلاقة بين الشعوب العربية والإيرانية، بالنظر إلى الاشتراك في كثير من عناصر التاريخ والجغرافيا والحضارة، مقارنة بدرجة التقارب التي تجمع بعض دول الخليج بالدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. وإنما يمتد الأمر أيضا إلى جذور ثقافية وتاريخية أكثر عمقا.
ومن اللافت، رغم عدم وجود دليل حاسم على الربط المباشر بين هذه الوقائع والأهداف السياسية اللاحقة، أن حركة الترجمة التي ازدهرت في العصر العباسي، ولا سيما في عهد المأمون بن هارون الرشيد، فتحت الباب واسعا أمام انتقال الأفكار والعلوم من الحضارات الأخرى إلى الثقافة العربية. ومع أن هذه الحركة كان لها بلا شك بعدها العلمي والثقافي والحضاري، فإن بعض القراءات الفكرية، ومن بينها ما طرحه الدكتور زكي نجيب محمود، تفتح المجال للتساؤل حول الكيفية التي يمكن أن تتحول بها حركة الانفتاح الثقافي إلى وسيلة لإعادة تقييم الذات الحضارية ومقارنتها بالآخر.
وبصرف النظر عن مدى صحة بعض هذه القراءات، فإنه لا يمكن إنكار الفائدة العلمية والثقافية الكبرى التي حققتها حركة الترجمة، ولا الموجات اللاحقة من الانفتاح على الفكر الغربي. فقد أسهم ذلك في تطوير الحياة الفكرية والعلمية لدى الشعوب العربية والشرقية، وأتاح لها الاطلاع على تجارب ومعارف جديدة. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن امتزاج الأهداف السياسية بالأهداف الثقافية قد يجعل الانفتاح الثقافي جزءا من عملية أوسع لإعادة تشكيل الوعي، خاصة عندما تصبح الثقافة أداة من أدوات القوة والنفوذ.
ولا يعني ذلك أن الانفتاح الثقافي في ذاته أمر سلبي؛ فهو ضرورة لأي مجتمع يريد أن يتطور. لكن الإشكالية تبدأ عندما تختلط المعرفة بالتبعية، أو يتحول الاطلاع على الآخر إلى احتقار للذات، أو تصبح الثقافة جسرا لتمرير تصورات سياسية واقتصادية لا تخدم بالضرورة مصالح المجتمعات التي تستقبلها.
كما أن حركات الترجمة كانت، ولا تزال، تستفيد منها النخب أكثر من استفادة العامة، وهو أمر يثير سؤالا مهما: إلى أي مدى استفادت قطاعات المجتمع المختلفة من حركة الترجمة في العصر العباسي، مقارنة بما استفادت به النخبة العلمية والفكرية؟ وحتى هذه الأخيرة لم تكن استفادتها خالية من الإشكالات، وفي مقدمتها مشكلة الدقة والوضوح في الترجمة عن اللغات الأخرى، وهي مشكلة أشار إليها الجاحظ في عصره، وما زالت لها صور مختلفة في واقعنا الأكاديمي والثقافي المعاصر.
وقد تفاقم هذا الأمر في عصر العولمة، الذي أتاح تدفقا غير مسبوق للمعلومات، لكنه خلط في الوقت نفسه بين المعرفة الحقيقية وثقافة استهلاك المحتوى، وبين الاستفادة الثقافية وإهدار الوقت في متابعة ما هو هامشي وعابر. ومن هنا يمكن القول إن البعد السياسي للانفتاح الثقافي كان حاضرا، بدرجات متفاوتة، في مراحل تاريخية عديدة، دون أن يلغي ذلك الأهمية الحضارية الحقيقية للانفتاح ذاته.
كما أن السياسة الدولية المعاصرة، من خلال توظيف التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، أسهمت في إدخال كثير من جوانب “اللامعقول” إلى دائرة اهتمامات الشعوب، على حساب جوانب أخرى أكثر أهمية وتأثيرا في حياتها ومستقبلها. وهنا يمكن أن نستعيد تساؤلات الدكتور زكي نجيب محمود حول العقلانية في الفكر العربي، وكيف انتقد انشغال الفكر القديم بقضايا تجريدية لا تمس الواقع المباشر، لنجد أنفسنا اليوم أمام صورة مختلفة من الانشغال، تتمثل في ثقافة “التريند”، والاهتمامات السطحية، والقشور الثقافية المتجزأة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ولا يخفى أن هذه البيئة قد تتحول إلى أرضية مناسبة لأي قوة تسعى إلى التأثير في المجتمعات وإعادة تشكيل وعيها. فالعقل المنشغل دائما باللحظة، والمستغرق في التفاصيل العابرة، قد لا يمتلك القدرة على الاهتمام بقضايا أكبر من عمر “التريند”، مثل الكرامة والهوية والانتماء والحقوق والمصالح الوطنية. وقد يتحول الاهتمام بهذه القضايا إلى موجة عاطفية قصيرة، قبل أن يخبو تأثيرها ويعود الوعي الجمعي إلى حالة السكون.
ومن ناحية أخرى، فإن هيمنة النموذج الثقافي الغربي وتراجع الاهتمام النسبي بالثقافات واللغات الأخرى يطرحان سؤالا مهما حول طبيعة المعرفة المتبادلة بين الحضارات. فنحن كعرب نعرف الكثير عن الغرب، بدرجات متفاوتة، ونتابع أدبه وفنه وفكره وتاريخه، لكن ماذا نعرف، في المقابل، عن أعلام الثقافة الفارسية من الأدباء والشعراء والمفكرين؟ وماذا نعرف عن التسلسل التفصيلي للأحداث التاريخية التي ربطت العرب بالفرس؟ في كثير من الحالات، سنجد أن المعرفة محدودة، بينما يظل النمط الثقافي الأكثر شيوعا “غربيا” في الأساس، وهو أمر ينعكس، بصورة أو بأخرى، على طبيعة العلاقات السياسية بين دول المنطقة.
وأتذكر في هذا السياق ما طرحه الدكتور جلال أمين، بمعنى قريب، من أن الإنسان في عصر العولمة قد أصبح يعرف عن كثير من المجتمعات العربية أقل مما كان يعرفه الطالب المصري في خمسينيات القرن العشرين عن دول عربية وآسيوية مختلفة، وفي مقدمتها الهند. فقد كانت حركة الثقافة آنذاك، رغم محدودية وسائل الاتصال، أكثر تنوعا وانفتاحا على تجارب الشعوب الأخرى، بينما أنتجت العولمة، paradoxically، نوعا من الانغلاق داخل فضاء ثقافي واسع ظاهريا، لكنه قد يكون ضيق الأفق من حيث تنوع مصادر المعرفة.
ومن هنا يمكن القول إن الثقافة، مثل الاقتصاد والسياسة، أصبحت جزءا من منظومة القوة الدولية. وكما تحدد المؤسسات الاقتصادية الدولية، بدرجات متفاوتة، كثيرا من الخيارات الاقتصادية للدول النامية، فإن الهيمنة الثقافية يمكن أن تؤثر في الطريقة التي تنظر بها المجتمعات إلى نفسها وإلى الآخرين. وفي الحالتين، تصبح القضية الأساسية هي مدى قدرة المجتمع على امتلاك أدواته المستقلة للتفكير والاختيار.
فالهدف السياسي الدولي يمكن أن يتحقق أحيانا من خلال توظيف الثقافة، كما تم توظيف العلم والتكنولوجيا على مدار العقود الماضية. ويستمر هذا الواقع في إنتاج المفارقة التي عبر عنها توفيق الحكيم في إحدى أعماله المسرحية السياسية، حين تحولت المعرفة العلمية من أداة لخدمة الإنسان إلى وسيلة لتعظيم القوة العسكرية، وكأن رسالة العلم أصبحت: “وجه علمك إلى طريق المجد… نريد قنابل”، في إشارة ساخرة إلى تحويل الكيمياء والعلوم إلى أدوات للحرب والدمار.
وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات السياسة الدولية في عصرنا: القوى الكبرى تتحدث عن حماية العالم من أسلحة الدمار الشامل، وعن منع انتشار الأسلحة النووية، وعن حماية الأمن الدولي، لكنها قد تلجأ في سبيل تحقيق هذه الأهداف إلى القوة العسكرية والحرب والدمار. وفي هذه المفارقة يتجسد التناقض بين الخطاب الأخلاقي والممارسة السياسية، وهو تناقض ليس جديدا في التاريخ، وإن كانت أدواته اليوم أكثر تطورا وتأثيرا.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم هو: ماذا حققت الأمة العربية، بعد كل هذه القرون، على طريق العقلانية والسمو الأخلاقي؟ وكيف تبدو علاقتها الداخلية مقارنة بعلاقاتها بالقوى الدولية الكبرى؟ وهل نجحنا بالفعل في تجاوز أنماط الصراع والانقسام والمناورة التي عرفتها السياسة منذ عصورها القديمة، أم أننا أعدنا إنتاجها في صور جديدة؟
لعل التأمل في واقعنا الراهن يقودنا إلى سؤال أكثر إلحاحا: هل نعيش بالفعل عصرا تضخمت فيه الآلات وتقدمت فيه التكنولوجيا، بينما جرى، في المقابل، إعادة تشكيل وعي الجماعات البشرية عبر أدوات الاتصال الحديثة، حتى أصبح الإنسان أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات، لكنه أقل قدرة على التمييز بين المهم والهامشي، وأكثر تعرضا لتوجيه اهتمامه، وربما لتقزيم قدرته على التفكير النقدي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق فقط بالماضي أو بالغرب أو بالآخر، وإنما تتعلق، قبل كل شيء، بقدرتنا نحن على إعادة اكتشاف المعقول في تراثنا، والانفتاح الواعي على ثقافات الآخرين، وبناء عقل عربي قادر على المعرفة والنقد والاختيار، لا مجرد الاستهلاك والتلقي.