في كل مرة تدخل فيها منطقة الشرق الأوسط أزمة جديدة، يعيد مضيق هرمز تذكير العالم بحقيقة قديمة وهي أن الجغرافيا لا تزال قادرة على أن تكون أقوى من كثير من الأسلحة، فبضعة عشرات من الكيلومترات من الممر المائي تكفي لإثارة القلق في أسواق الطاقة ورفع تكاليف التأمين على السفن ودفع حكومات تقع على بُعد آلاف الكيلومترات إلى متابعة التطورات في الخليج العربي بقلق.
غير أن الأزمات الأخيرة طرحت أمام إيران سؤالًا مختلفًا وربما أكثر أهمية هل يؤدي الاستخدام المتكرر لهذه الميزة الجغرافية إلى تعزيز قوتها أم أنه يدفع العالم تدريجيًا إلى الاستثمار في تقليل اعتماده على مضيق هرمز؟
هرمز ليس مجرد مضيق
تنبع أهمية هرمز من أن جزءًا كبيرًا من صادرات النفط والغاز لدول الخليج العربي يمر حتمًا عبره، وقد أنشأت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مسارات لنقل جزء من نفطهما إلى البحر الأحمر أو بحر عُمان غير أن طاقة هذه الخطوط لا تزال بعيدة عن أن تضاهي حجم الطاقة التي تمر عبر هرمز.
أما فيما يتعلق بالغاز الطبيعي المسال فإن القيود أكثر حدة إذ لا تمتلك قطر في الوقت الراهن طريقًا بديلًا عمليًا يماثل مضيق هرمز في قدرته على استيعاب صادراتها.
ومن ثم فإن القول إن العالم يستطيع الاستغناء عن هرمز في المستقبل القريب ليس واقعيًا، فاستبدال مثل هذه العقدة الإستراتيجية لا يقتصر على إنشاء خط أنابيب واحد وإنما يتطلب إعادة تصميم الموانئ ومنشآت التخزين والمصافي وشبكات النقل وأمن الطرق فضلًا عن العقود طويلة الأجل وكل ذلك تحول يستغرق وقتًا طويلًا ويتطلب تكاليف باهظة، ولكن عدم إمكانية الاستغناء عنه على المدى القصير لا تعني ضمان أهميته إلى الأبد.
فقد أظهر تاريخ الاقتصاد العالمي أنه عندما تصبح تكلفة الاعتماد على مسار واحد أعلى من تكلفة إنشاء بديل له تبدأ رؤوس الأموال والتكنولوجيا تدريجيًا في الالتفاف على الجغرافيا ليس بين عشية وضحاها، وليس بصورة كاملة ولكن بالقدر الذي يؤدي إلى تقليص قوة ذلك الممر الإستراتيجي.
وهنا تواجه إيران “مفارقة هرمز” ففي كل مرة يصبح فيها احتمال تعطيل حركة الملاحة عبر المضيق أمرًا ملموسًا تتجلى القوة الإيرانية الفورية بصورة أوضح، لكن في الوقت نفسه تتزايد الحوافز الاقتصادية والأمنية لدى الآخرين لتقليل اعتمادهم عليه.
من أداة للردع إلى أصل قابل للاستهلاك
يمثل هرمز بالنسبة إلى إيران جزءًا من منظومة الردع، فمغزى الرسالة القائلة إن أمن صادرات الطاقة في المنطقة لا يمكن فصله عن أمن إيران هو أن حسابات أي قوة تفكر في الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران تصبح أكثر تعقيدًا، ومن هذا المنظور فإن امتلاك القدرة على تعطيل الملاحة في المضيق حتى من دون استخدامها فعليًا يمثل جزءًا من القوة الوطنية الإيرانية.
غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرافد الإستراتيجي للقوة من عنصر حاضر في خلفية الحسابات إلى أداة تُستهلك بصورة متكررة في كل أزمة، فالإفراط في استخدام ميزة معينة يدفع الآخرين إلى البحث عن بدائل لها.
ولقد دفعت العقوبات المالية الدول إلى إنشاء آليات موازية للمدفوعات، كما أدت القيود التكنولوجية إلى بناء سلاسل إمداد جديدة، وأفضت المخاطر التي تهدد طرق التجارة إلى إنشاء موانئ وخطوط نقل جديدة ومضيق هرمز ليس استثناءً من هذه القاعدة.
فإذا أصبحت حركة المرور عبر المضيق مصدرًا دائمًا لعدم اليقين بالنسبة إلى شركات الشحن ومستوردي الطاقة فإن المشروعات التي كانت تبدو في السابق مكلفة وغير مجدية اقتصاديًا قد تصبح مبررة اقتصاديًا.
وقد يؤدي ذلك إلى إنشاء خطوط أنابيب جديدة وتوسيع قدرات الموانئ الواقعة خارج الخليج العربي وزيادة المخزونات الإستراتيجية وتنويع مصادر إمدادات الطاقة بل وحتى تسريع التحول نحو مصادر بديلة للطاقة.
وفي مثل هذه الظروف قد تتمكن إيران في كل مرحلة من إظهار قدرتها على ممارسة الضغط لكنها على المدى الطويل قد تؤدي إلى استنزاف جزء من قيمة أداة الضغط نفسها، وهنا يكمن الفرق بين استعراض القوة والحفاظ على القوة.
سؤال المستقبل حول مضيق هرمز
قد تنتهي المشاورات الجارية في نهاية المطاف إلى اتفاق محدود بشأن مرور السفن وخفض مستوى التوتر في مضيق هرمز، ومن شأن مثل هذا الاتفاق أن يقلل خطر اندلاع مواجهة فورية ويهدئ أسواق الطاقة ويفتح المجال لاستمرار الحوار السياسي، لكن حتى في هذه الحالة فإن المشكلة الأساسية لن تكون قد حُسمت، وهي: هل سيكون الاتفاق مجرد عودة مؤقتة للسفن إلى مساراتها المعتادة أم أنه سيتحول إلى آلية مستدامة لتحديد دور إيران في أمن الخليج العربي؟!
وثمة احتمال آخر يتمثل في استمرار الوضع الغامض فلا يتم التوصل إلى اتفاق نهائي ولا تتجه الأطراف في الوقت نفسه إلى حرب شاملة، وقد يبدو هذا الوضع ظاهريًا أقل كلفة من الدخول في مواجهة عسكرية إلا أن استمرار حالة عدم اليقين لفترة طويلة يفرض بدوره تكلفة إستراتيجية مضاعفة.
فقد تستطيع الأسواق التعامل مع حادث قصير الأمد لكنها لا تستطيع التخطيط إلى أجل غير محدد على أساس احتمال فتح ممر حيوي أو إغلاقه، فكل شهر إضافي من الغموض يعزز حجج أنصار إنشاء مسارات بديلة، كما أن عودة المواجهات تظل احتمالًا قائمًا، فقد يؤدي هجوم أو خطأ في الحسابات أو فشل المفاوضات إلى إعادة المنطقة إلى حافة المواجهة.
وفي هذه الحالة ستظهر قدرة إيران على تعطيل الملاحة بصورة أكبر من أي وقت مضى، لكن في الوقت نفسه سيتوفر أقوى دليل ممكن للدول التي تقول إن أمن الطاقة العالمي لا ينبغي أن يعتمد على ممر واحد معرض للأزمات، لذلك سواء تم التوصل إلى اتفاق أو استمرت حالة الجمود أو تجددت المواجهات فإن السؤال الأساسي الذي لا يتغير، هو: كيف ينبغي لإيران أن تستخدم هرمز بحيث تتحول هذه الميزة من أداة ضغط مؤقتة إلى مصدر مستدام للنفوذ؟
مضيق هرمز بين الإغلاق والفتح
إن اختزال المسألة في ثنائية “إغلاق هرمز أو إبقاؤه مفتوحًا” يبسط القضية أكثر مما ينبغي، إذ تبلغ القوة الإستراتيجية الإيرانية أعلى مستوياتها عندما لا يخشى العالم إغلاق المضيق فحسب بل يصبح أيضًا بحاجة إلى التعاون مع إيران من أجل إبقائه مفتوحًا وإدارته بصورة آمنة.
فالتهديد بتعطيل الملاحة يولد قوة سلبية أي القدرة على فرض تكلفة على الآخرين، لكن المكانة المستدامة تحتاج إلى قوة إيجابية أي القدرة على إنتاج الأمن والحد من المخاطر وتوفير منفعة مشتركة، ويمكن لإيران أن تحول أمن الملاحة البحرية والإنقاذ البحري والمراقبة البيئية ومكافحة التهريب وإدارة الحوادث إلى مجالات للمبادرة الإقليمية.
كما يمكن إنشاء آلية للأمن البحري بمشاركة الدول الساحلية ومركز مشترك للإنذار بالحوادث وقواعد واضحة لمرور السفن وآلية محددة لتسوية النزاعات، ومن شأن مثل هذه المبادرات أن ترسخ مكانة إيران من دون وضع التجارة العالمية أمام تهديد دائم، ولا يعني هذا بالطبع التخلي عن الردع وإنما تحويل الردع إلى نظام.
كذلك ينبغي لإيران أن تربط مصالحها الاقتصادية بالتدفق المستدام للتجارة، فتطوير سواحل مكران والموانئ المطلة على المحيط والصناعات التكريرية والخدمات البحرية ومنشآت تخزين الطاقة وربط ممرات الشمال – الجنوب والشرق – الغرب كلها خطوات يمكن أن تحول جغرافية إيران من أداة للتهديد إلى شبكة من المصالح المشتركة.
فالدولة التي لا تملك سوى القدرة على إيقاف مسار معين قد تتمكن من إثارة الخوف لفترة من الزمن أما الدولة التي تستطيع أن تحقق تدفق التجارة والطاقة والترانزيت والمنافع مشتركة، فإنها تتحول إلى لاعب يصبح استبعاده مكلفًا للآخرين.
خوف العالم من مضيق هرمز
إن الميزة الجغرافية، شأنها شأن الموارد الطبيعية، يمكن أن تُستهلك أو تتآكل إذا أُديرت بصورة سيئة، ولا يزال هرمز واحدًا من أهم أوراق القوة التي تمتلكها إيران كما أن العالم لا يمتلك في المستقبل القريب بديلًا كاملًا عنه، لكن هذه الحقيقة يجب ألا تتحول إلى شعور زائف بالاطمئنان.
فالتكنولوجيا ورأس المال والضرورات الأمنية قادرة بمرور الوقت على إنشاء مسارات جديدة وتقليل حجم الاعتماد على مسار بعينه، ومن ثم فإن الإستراتيجية الذكية بالنسبة إلى إيران ليست عدم استخدام هرمز وإنما استخدامه بطريقة تحافظ على قوته، بحيث ينبغي أن يتحول هرمز من “أداة لإدارة الأزمات” إلى “أداة للاعتماد المتبادل”، ومن مكان يخشى العالم فقط إغلاقه إلى ممر يرى العالم أن أمنه واستمراره مفتوحًا يتطلبان التعاون مع إيران.
وفي نهاية المطاف لا تكمن المسألة الأساسية في الاتفاق الذي قد سيوقع خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة ولا في الأزمة التي قد تهدأ وإنما في السؤال الأكبر: هل تريد إيران أن تنفق قوة هرمز وتستهلكها، أم أن تحولها إلى نظام يحتاج الآخرون إلى إيران من أجل الحفاظ عليه؟!
فالقوة الحقيقية لهرمز لا تكمن فقط في القدرة على إغلاقه بل تتجلى حقًا في اليوم الذي يصبح فيه إبقاؤه مفتوحًا أمرًا لا يمكن تحقيقه من دون الدور الإيراني.
ـــــــــــــــــــــــــــ
مقالة مترجمة للكاتب رحمتالله دریجاني منشور في شبكة شرق الإصلاحية بعنوان “پارادوکس هرمز.. ایران چگونه میتواند از قدرتمندترین اهرم جغرافیایی خود استفاده کند، بدون آنکه جهان را به دورزدن آن وادارد؟” (بالعربية: مفارقة هرمز.. كيف يمكن لإيران أن تستخدم أقوى أوراقها الجغرافية، من دون أن تدفع العالم إلى تجاوزها؟) يوم ۲۸ مرداد ۱۴۰۵ هـ. ش. الموافق الأربعاء 19 أغسطس 2026م.
