في الحرب التي استمرت أربعة عشر شهرًا، تحوّل مضيق هرمز أكثر من أي موضع آخر إلى بؤرة الحسابات الإستراتيجية، والسبب في ذلك واضح؛ فهرمز ليس مجرد ممرّ مائي، بل نقطة اختناق إستراتيجية تعبر من خلالها الطاقة والتجارة وأمن الخليج العربي وجزء من الاقتصاد العالمي.
ففي النصف الأول من عام ٢٠٢٥، عبر هذا المسار نحو ٢٠.٩ مليون برميل نفط يوميًا، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية تقريبًا، فضلًا عن أن أكثر من خُمس التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال يمرّ عبر مضيق هرمز أيضًا.
غير أن أهمية هرمز بالنسبة لإيران لا تقتصر علي الموقع الجغرافي وحجم الطاقة العابرة منه، بل تكمن أهميته الحقيقية في حقيقة إستراتيجية، وهي: مقدرة إيران، في هذه النقطة تحديدًا، علي تحويل قوتها الجغرافية إلي قوة عسكرية واقتصادية وسياسية.
وهنا تحديدًا تكتسب القرارات الأخيرة للقائد الأعلى للقوات المسلحة معنًي أعمق، فإلي جانب التأكيد علي رفع مستوي الجاهزية الشاملة، ووحدة القيادة، والقدرة علي الرد الفعّال على التهديدات، يؤكد الأمر الصادر بتعيين القائد الجديد للقوات البحرية في الحرس الثوري بشكل خاص على تحسين التدريب والمهارات، والمعدات والإمكانات البحرية، والتفوق الاستخباراتي، وتعزيز الجاهزية والقدرة القتالية.
ولا تُعدّ هذه مجرد مهام روتينية لقوة عسكرية، بل مؤشر على الأهمية المتزايدة للقوة البحرية في الهندسة الجديدة للردع الإيراني.
ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر لمضيق هرمز باعتباره أحد الساحات الملموسة لإعادة تشكيل القوة نفسها التي رسمتها القرارات الصادرة مؤخرًا، فإذا كانت العقيدة الجديدة تستند إلى المبادرة، والرد الفعال، والردع الاستباقي، فإن القوة البحرية الإيرانية ستكون واحدة من أهم أدوات تحقيقها في الجوار الإقليمي.
كما أن القوة الحقيقية لهرمز لا تُختزل مطلقًا في إغلاق المضيق، فحتي بدون التطرق إلى سيناريو الإغلاق، قد يُغيّر ارتفاع معدل مخاطر الملاحة، واضطراب سوق الطاقة، وكلفة التأمين، وتخوف الدول المصدّرة للنفط والغاز، حسابات الطرف الآخر؛ ما يعني أنه ينبغي الحديث عن عملية “الردع الهرمزى”: وهي قدرة كفيلة برفع كلفة قرار العدو قبل بدء المواجهة.
بيد أن ممارسة القوة في هرمز لا ينبغي أن تُخلط بعدم الاكتراث بالقانون الدولي أو بتحويل هذا الممر المائي إلى ساحة أزمة دائمة، إذ يقر النظام القانوني للمضائق المستخدمة في الملاحة الدولية بأحقية العبور من جهة، وحقوق ومسؤوليات الدول الساحلية من جهة أخرى، وهنا يكمن فن السياسة الوطنية في التمييز بين استعراض القوة والإدارة الحكيمة لها.
ومن هنا، لا ينبغي اعتبار هرمز مجرد أداة لأيام الحرب، بل عليه أن يتحول إلى رافعة مستدامة للقوة الوطنية، ولهذا التحول ثلاثة أركان هى: القدرة البحرية والاستخباراتية المتفوقة، والدبلوماسية الإقليمية النشطة، والاقتصاد الصامد الذي لا يجعل إيران عُرضة للضغوط الناجمة عن اضطراب التجارة البحرية.
عليه تكتسب مسؤولية الحكومة أهمية أيضًا، فقوة هرمز لا تقتصر علي البعد المائي، بل تمتد لتشمل الموانئ، والأسطول التجاري، والبنية التحتية للطاقة، وخطوط النقل، والتأمين، والمخزون الإستراتيجي، والعلاقات الاقتصادية مع دول الجوار، ذلك أنه كلما ازداد اقتصاد إيران صمودًا، ازدادت قوة إيران التفاوضية في مضيق هرمز.
ومن منظور آخر، لا ينبغي النظر إلي دول جنوب الخليج العربي في إطار الاصطفافات الأمنية فحسب، فهي أكثر المتضررين من انعدام الأمن في هرمز واضطراب الطاقة، وقد يمثل هذا الواقع فرصة لبلورة هندسة أمنية جديدة، فهرمز يمكن أن يكون نقطة انطلاق لهندسة أمنية جديدة في الخليج العربي، وهي هندسة تحدد أمن المنطقة على أساس تعاون الدول الساحلية ووحدة المصير، من دون الاعتماد على تواجد قوى من خارج المنطقة.
واليوم لا يزال هرمز أحد المحاور الرئيسة للنزاع بين طهران وواشنطن، وتُبدي هذه الحقيقة أن هذا الممر تجاوز كونه مسألة جغرافية ليصبح متغيرا حاسما في معادلة القوة.
إذن فالقضية ليست أن تفتح إيران هرمز أو تغلقه، بل المشكلة الأعمق هي كيف يمكن أن يتحوّل هرمز إلى رافعة تجعل العدو يضع في اعتباراته كلفة سوء التقدير ضد إيران، حتى في أوقات السلم.
إن المعنى الحقيقي لهرمز ليس في كونه ورقة ربح عابرة، بل يكمن في كونه أحد أسس الردع المستدام لإيران، ويمكن قراءة القرار الصادر لقيادة القوة البحرية التابعة للحرس الثوري من هذا المنطلق، وعلى القوة البحرية الإيرانية أن تكون من الذكاء والجاهزية والقدرة بحيث يتحول هرمز، قبل أن يصبح ميدان حرب، إلى ميدان للردع.
ـــــــــــــــــــــــــــ
مقالة مترجمة من صحيفة “جوان” الأصولية (بالعربية: الشبان) بعنوان “هرمز.. اهرم طلایی قدرت ایران” (بالعربية: هرمز.. الهرم الذهبي لقوة إيران)، نشرها الكاتب سید عبد الله متولیان، بتاريخ ۲۶ مرداد ۱۴۰۵ هـ. ش. الموافق الإثنين 17 أغسطس 2026م.
