بعد مرور شهر تقريبًا على توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية التي ترمي إلى إنهاء الحرب، بدأت الولايات المتحدة، بالتزامن مع موجة جديدة من الهجمات على مناطق مختلفة من البلاد، ولا سيما المناطق الجنوبية من إيران، والتي أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن ٣٨ شخصًا وإصابة ٤٠٠ آخرين، إعادة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية يوم الأربعاء ١٥ يوليو ، بهدف زيادة الضغط الاقتصادي على الشعب والبلاد.
الهجمات العسكرية الأمريكية ركزت في بدايتها على الموانئ وقواعد الصواريخ والطائرات المسيرة، والدفاعات الساحلية الإيرانية في الجنوب (بندر عباس، قشم، تشابهار، بوشهر، سيريك، الأهواز، وغيرها) بهدف تعطيل الدفاعات والرادارات وتدمير مواقع الدفاع الجوي. لكن في الأيام الأخيرة، وسّعت واشنطن نطاق هجماتها داخل الأراضي الإيرانية (مثل خنداب وسمنان والبنية التحتية للطاقة، واستهداف المطارات والسكك الحديدية وشبكات النقل) في محاولة لإجبار إيران على الاستسلام.
النصر والهزيمة الاستراتيجية معًا
وفي غضون ذلك كله، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوسيع نطاق الهجمات لتشمل استهداف محطات توليد الطاقة والجسور ما لم تعد طهران إلى طاولة المفاوضات. وفي الليالي الأخيرة، نفّذ الجيش الأمريكي تهديداته، فقصف أجزاءً من البنية التحتية المدنية والطاقة (مثل محطات توليد الطاقة وعدد من الجسور في جنوب البلاد).
ويُعدّ النزاع على مضيق هرمز محوراً أساسياً في تجدد الأعمال العدائية والهجمات الجديدة، إذ لا يزال هذا النزاع في قلب أزمة تجاوزت آثارها حدود المنطقة، وأثرت على أمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد الدولي برمته.
وقد خلق هذا الوضع مأزقاً استراتيجياً. فمن جهة، لا تنوي إيران الاستسلام للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، لا تستطيع الولايات المتحدة قبول نظام إقليمي جديد تمارس فيه إيران سيطرة غير مسبوقة على مضيق هرمز.
بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، فإن قبول هذه النتيجة في حربٍ بدأتها بفكرة تحقيق النصر في غضون أيامٍ معدودة، يعني قبول هزيمة استراتيجية.
وبدورها، صعّدت إيران من تهديداتها ضد الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، محذّرةً من أنها ستستهدف جميع البنى التحتية في المنطقة إذا هاجمت الولايات المتحدة منشآتها. كما حذّرت من مواجهة أوسع نطاقًا وتهديدات للملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.
وعلى الرغم من وقف إطلاق النار وتوقيع التفاهم الأمريكي الإيراني، فإن الهجمات الأمريكية المتقطعة على إيران تُعدّ جزءًا من عملية متنامية استهدفت في البداية المدن الساحلية على طول الساحل الجنوبي لإيران، ثم توسّعت تدريجيًا إلى مناطق أخرى. وردّت إيران بمهاجمة المنشآت العسكرية الأمريكية في أنحاء المنطقة. وفي ظلّ هذا الوضع، تزايدت المخاوف من عودة الحرب الشاملة.
حرب بدون إستراتيجية
يأتي هذا في الوقت الذي يُظهر فيه استطلاع رأي جديد أجرته مؤسسة YouGov بالتعاون مع مجلة الإيكونوميست في الولايات المتحدة أن 57% من الأمريكيين يعتقدون أن قرار بدء الحرب ضد إيران كان خطأً، بينما يرى 27% فقط أن هذا القرار كان صائبًا. ومع ذلك، وبدون استراتيجية واضحة لبدء الحرب وإنهائها، شنّ ترامب جولة جديدة من الهجمات تفتقر إلى الدعم الشعبي وتُلقي بعبء اقتصادي ثقيل على العالم والولايات المتحدة.
ويُعدّ انسحاب ترامب الأخير من خطة فرض تعريفة جمركية بنسبة 20% على السفن في مضيق هرمز مجرد حلقة أخرى في سلسلة فوضى إدارته للسياسات المتعلقة بإيران.
فقد أثارت الجولة الثالثة من الهجمات الأمريكية على إيران تساؤلات لدى الكثيرين حول الغاية من هذه العمليات، وما الهدف الذي يسعى إليه ترامب في هذه الحرب بعد فشله في تحقيق أهدافه في حرب الأربعين يومًا؟ وهو تساؤل طُرح منذ الأسابيع الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، حيث اعتقدت الولايات المتحدة وإسرائيل أنه في غضون أيام قليلة، ومن خلال استراتيجية اغتيال قادة البلاد من العسكريين وكبار الشخصيات السياسية، سيسقط النظام وينتصر ترامب، مُحوّلاً النظام السياسي القائم إلى نظام يخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، ومُضعفاً القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير. بل على العكس، خرجت الجمهورية الإسلامية من الحرب أقوى من ذي قبل، موسعةً نفوذها الإقليمي ومُظهرةً قدرتها على إلحاق خسائر فادحة بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائها في المنطقة، ولم يعتبر أي محلل محايد الولايات المتحدة وإسرائيل منتصرتين في حرب الأربعين يومًا.
وعلى هذا فإن دوافع الهجمات في هذه الجولة الجديدة، لا سيما بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الجانبين في 17 يونيو، تختلف عن دوافع الجولة الأولى (حرب الاثني عشر يومًا) والجولة الثانية (حرب الأربعين يومًا). وكما صرّح فانس، نائب الرئيس ترامب: “لن نرسل 150 ألف جندي أمريكي على الأرض للإطاحة بالنظام الإيراني. هذا القرار مرتبطٌ بالشعب الإيراني وحده. لا نريد تكرار تجربة القذافي وليبيا…” ففي هذه المرحلة من الحرب، لا يكمن الهدف في الإطاحة بالنظام ووقف البرنامج النووي، بل يتمحور كل شيء حول استئناف المفاوضات وإعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحًا قبل بدء الحرب في 31 مارس.
فهدف الولايات المتحدة في هذه المرحلة هو إضعاف قدرات إيران الصاروخية والمسيّرة والدفاعية على طول الساحل الجنوبي لإجبار طهران على قبول الضمانات الأمنية اللازمة لإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة الدولية والعودة إلى طاولة المفاوضات. لتحقيق هذا الهدف، فليس من المستبعد أن تكون الولايات المتحدة قد راودتها فكرة جديدة لإعادة فتح مضيق هرمز جنوب إيران، وليس من المستبعد أن يسعى ترامب إلى احتلال موانئ جنوب البلاد والاستيلاء عليها، بما في ذلك جزيرة خارك وجزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى، رغم ما سيواجهه من مقاومة شديدة وتحديات جمة في هذه المناطق.
إن أي استيلاء محتمل للولايات المتحدة على أي جزيرة إيرانية سيُشكل توتراً كبيراً سيؤدي حتماً إلى رد من طهران في المضيق في مواجهة السفن والقواعد الأمريكية في المنطقة والبنية التحتية للطاقة في الخليج العربي.
التوغل البري الأمريكي في إيران
ووفقًا للمحللين العسكريين، تمتلك الولايات المتحدة، نظرًا لقوتها الجوية والبحرية والبرمائية، القدرة العسكرية واللوجستية على الاستيلاء على الجزر الإيرانية، لكن السؤال هو: ما ثمن احتلال هذه المناطق بالنسبة للولايات المتحدة والمنطقة والعالم؟ لكي تستولي الولايات المتحدة على أي جزيرة إيرانية، يجب عليها أولًا تدمير الدفاعات الإيرانية، لكن القوة الجوية وحدها لن تدمرها بشكل كامل ودائم ولن تؤدي إلى الاستيلاء عليها، وهذا يتطلب دخول القوات الأمريكية برًا، وأي محاولة للدخول ستكون بمثابة كابوس لجنود الولايات المتحدة.
علاوة على ذلك، فإن الاستيلاء المحتمل على جزيرة يختلف تمامًا عن الحفاظ عليها وصيانتها واكتساب فوائد استراتيجية منها. قد يكون من الممكن الاستيلاء على الجزر الصغيرة، لكن تعريضها لهجمات الطائرات الإيرانية المسيّرة والصواريخ والمدفعية والزوارق السريعة الصغيرة يجعلها أهدافًا سهلة المنال، كما أن تمركز القوات الأمريكية في هذه المواقع يجعلها أهدافًا ثابتة وسهلة المنال، مما سيُلحق خسائر بشرية فادحة يوميًا بالدولة المعتدية. فإن عودة الجنود الأمريكيين من الخليج العربي من شأنها أن تُقوّض شرعية ترامب السياسية في الداخل، وتُعيد إلى الأذهان مرارة هزيمة أمريكا في فيتنام والعراق وأفغانستان.
فمثل هذا العدوان من جانب الولايات المتحدة سيتطلب قوة قتالية ولوجستية كبيرة، وغيرها، ستعمل تحت نيران مباشرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام والمدفعية الإيرانية. وبالنظر إلى التكلفة الباهظة لنشر القوات الأمريكية، وردود الفعل السلبية في الداخل، لا سيما في أوساط قاعدة ترامب الاجتماعية والسياسية، وإلى المخاوف الكبيرة من تكرار سيناريو حروب العراق وأفغانستان وفيتنام، فإن احتمالية هذا العمل تبدو ضئيلة.
إضافةً إلى ذلك، فإن احتلال جزيرة أو عدة جزر ايرانية لن يُسهم في فتح مضيق هرمز، بل سيؤدي إلى إغلاقه بالكامل. كذلك، فإن أي محاولة لاحتلال أراضي إيرانية ستحوّل الصراع من صراع محدود إلى حرب بقاء ووطنية، حيث سيواجه الشعب الإيراني بأكمله هذا المحتل.
وإضافةً إلى ذلك، ستُعرّض هذه المحاولة القواعد الأمريكية في المنطقة وخارجها لهجمات إيرانية متواصلة، وستستهدف محطات النفط ومصافي التكرير في الدول المجاورة (حلفاء الولايات المتحدة)، مما سيؤدي إلى صدمة نفطية غير مسبوقة وأزمة اقتصادية عالمية، وفي الوقت نفسه، سيعزز ذلك مكانة الولايات المتحدة كقوة احتلال في العالم.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة في أعقاب جولة جديدة من الهجمات الأمريكية على إيران، وما يترتب عليه من ارتفاع مجدد في أسعار البنزين والسلع الأخرى في الولايات المتحدة، يُعدّ قضيةً يجب أن تكون محور اهتمام ترامب والحزب الحاكم في الولايات المتحدة خلال الأشهر المقبلة حتى الانتخابات الأمريكية في نوفمبر، وأي إجراء أمريكي غير مدروس سيزيد الوضع تعقيدًا. في السياسة الداخلية الأمريكية، لا يوجد عامل له تأثير فوري على الناخبين العاديين مثل سعر البنزين في محطات الوقود.
وبالتالي، فبينما تمتلك الولايات المتحدة القدرة على شن غزو، إلا أن ذلك غير وارد سياسياً لما له من آثار مزعزعة للاستقرار على أسعار الطاقة والمنطقة وعلاقات واشنطن مع حلفائها في الخليج، الذين يرغبون في فتح مضيق هرمز لكنهم يخشون أن يصبحوا هدفاً للهجمات الإيرانية، وعلى حلفائهم في جميع أنحاء العالم العربي؛ على الرغم من أن التجربة أثبتت أن أي تحرك من جانب أمريكا في عهد ترامب كان متوقعاً. علاوة على ذلك، سيكون ذلك ضاراً سياسياً لترامب وحلفائه الجمهوريين وهم يستعدون لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
خاتمة
بناءً على الاعتبارات المذكورة أعلاه، فإن واشنطن في موقف صعب: فبينما لا ترغب في قبول الواقع الجديد في مضيق هرمز، إلا أنها تعتقد أنها تستطيع فرض إرادتها بالقوة والترهيب وإعادة الوضع في المضيق إلى ما كان عليه قبل 31 مارس.
وانطلاقاً من مبدأ “الضغط الأقصى”، يعتقد ترامب أنه من خلال موجة ثالثة من الضربات الجوية المكثفة واستئناف الحصار البحري، يمكنه فرض إرادته على إيران وإخضاع الوضع في مضيق هرمز لسيطرته. يُظهر الواقع على الأرض أن موازين القوى في الخليج العربي قد تغيرت، وأن إيران على أتم الاستعداد لتحمل التكاليف وإلحاق الضرر بالطرف الآخر وحلفائه، ولن ترضخ لضغوط ترامب. فيجب على ترامب أن يُدرك أن عهد فرض الإرادة الأحادية في الخليج العربي قد ولّى، وأن أي إصرار على الترهيب العسكري لن يؤدي إلا إلى مزيد من انزلاق واشنطن في حرب استنزاف لا نهاية لها.
ــــــــــــــــ
مقال مترجم من صحيفة: إطلاعات، بعنوان: “رویاها و جاهطلبیهای ترامپ در جنوب ایران” بالعربية: “أحلام ترامب وطموحاته في جنوب إيران” للكاتبة: جميلة كديور، والمنشور يوم السبت 18 يوليو 2026.