تدخل حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مرحلة بالغة الحساسية، تتقاطع فيها ضغوط داخلية متراكمة مع استحقاقات خارجية معقدة، في ظل تداعيات الحرب الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة وما تعقُبها من مؤشرات لردود فعل عسكرية وأمنية غربية وإسرائيلية مرتقبة وملموسة تضاعف من حدة التوتر، وقد تحول ملف مضيق هرمز إلى نقطة التقاء الجبهتين معًا، وأصبح بمثابة مرآة تعكس خلافًا أعمق داخل مؤسسات الدولة حول من يملك القرار الفعلي في هذا الملف الاستراتيجي بالغ الحساسية.
الضغوط الخارجية وملف هرمز
دارت خلال الفترة الممتدة من مايو إلى يوليو2026م مفاوضات بين طهران ومسقط لإعادة ترتيب الملاحة في مضيق هرمز، عبر مسارات جديدة تُغلق بموجبها الممرات القريبة من جزيرة لارك، ليحل محلها مسار يمر جزء منه بالمياه الإيرانية وآخر بالمياة العُمانية، وقد أنجز الجانبان معظم الجوانب الفنية لهذا الترتيب، غير أن الإعلان النهائي عنه ما زال معلقًا بانتظار تسويات أوسع تتجاوز الجانب الملاحي البحت.
فالتفاهم مع عُمان، مهما بلغ من دقة فنية، لا يعني تلقائيًا إعادة فتح المضيق أمام الملاحة الدولية، إذ تربط طهران أي انفتاح فعلي بتراجع واشنطن عن إجراءات تعتبرها خرقًا لالتزامات سابقة، وباستئناف تجارة النفط والمنتجات البتروكيماوية، ورفع الحصار الاقتصادي فعليًا، بل إن طهران لا تلتزم عمليًا حتى الآن ببند تأمين المرور الآمن الكامل للسفن، وهو ما يجعل من “الاتفاق الفني” ورقة تفاوض أوسع لا نهاية مقصودة في ذاتها.
وتفرض مبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات قانون البحار، سقفًا صعبًا أمام أي ترتيب يمنح دولة واحدة سيطرة أحادية على ممر بحجم هرمز أو يبيح فرض رسوم على العابرين منه، وتبقى واقعة استهداف ناقلة نفط إماراتية في وقت سابق تذكيرًا بأن أي تصعيد في هذا الممر لا يقتصر أثره على إيران وواشنطن، بل يطال دول الخليج المطلة كافة ومصالحها التجارية المباشرة.
صراع الصلاحيات الداخلي
تباينت في الأسابيع الأخيرة مواقف مؤسسات الدولة الإيرانية حول إدارة ملف هرمز تباينًا يصعب تفسيره بمجرد اختلاف في الصياغة؛ فبينما أكد الرئيس بزشكيان عدم وجود خلاف بين الحكومة والحرس الثوري والقوات المسلحة، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن هناك اتفاقًا مع سلطنة عُمان تشرف عليه وزارته حصرًا، في خطاب يوحي بأن الجهة المعنية بإدارة الملف لم تُحسم بعد داخليًا.
وفي المقابل، أصر المتحدث باسم الحرس الثوري على أن مضيق هرمز شأن عسكري واستراتيجي بحت لا صلة له بالدبلوماسية أو بأي خلافات سياسية داخلية، مؤكدًا أن استراتيجية إيران الثابتة تقضي بعدم فتح المضيق إلا بعد موافقة الطرف الأمريكي على كامل الشروط الإيرانية، واعتبار هرمز جزءًا من معادلة الصراع الأوسع وليس مجرد ممر مائي عابر يُدار بمنطق دبلوماسي بحت.
ويشي هذا التنازع بأن العقدة الحقيقية في الاتفاق ليست فنية بل سياسية بامتياز، إذ تشترط مسقط، بحسب مصادر مطلعة على مسار المفاوضات، حصول موافقة صريحة من الحرس الثوري لإتمام أي اتفاق نهائي، وهي موافقة لم تصدر رسميًا حتى الآن، وهذا ما يجعل الحرس الثوري فعليًا صاحب الكلمة الفصل في توقيت فتح المضيق، بصرف النظر عمن يوقّع الاتفاق نهائيًا.
الوساطة العُمانية وحساسية الحرس الثوري
لم يكن اختيار عُمان طرفًا وسيطًا في أزمة هرمز محض صدفة، فمسقط تحمل إرثًا طويلًا من الدبلوماسية الهادئة يعود إلى عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، وقد أسهمت في تطبيع العلاقات السعودية الإيرانية أكثر من مرة، كما استضافت جولات سابقة من المفاوضات النووية غير المباشرة بين طهران وواشنطن، ويمنحها موقعها الجغرافي، المطل على ثلاثة بحار وممتد على أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر من سواحل هرمز المشتركة مع إيران، ثقلًا لا تملكه أي دولة أخرى في الوساطة الملاحية تحديدًا.
غير أن هذا الدور الوسيط ذاته يفسر جزءًا من حساسية الحرس الثوري تجاهه؛ فكل مرة تتقدم فيها مسقط بترتيب فني أو ملاحي، يتحول الملف تلقائيًا من معادلة ردع عسكرية بحتة إلى مسار تفاوضي تشرف عليه الدبلوماسية، وهو بالضبط ما يرفضه الحرس الثوري حين يصر على وصف هرمز بأنه شأن عسكري لا علاقة له بالدبلوماسية، كما أن سابقة تعرّض عُمان لانتقادات أمريكية علنية واتهامها بعدم الشفافية خلال جهود تهدئة سابقة، أظهرت هشاشة قناة الوساطة نفسها وقابليتها للتعطل كلما اشتد التصعيد الميداني.
الضغوط الداخلية المتصاعدة
توجّه الرئيس بزشكيان بنداء صريح للتيارات السياسية المتشددة داخل النظام، طالبًا منها الكف عن محاولات تخريب التفاهمات الجارية بشأن هرمز، وهو نداء يكشف بحد ذاته حجم المقاومة الداخلية التي تواجهها حكومته من قوى ترى في أي تقارب مع واشنطن أو مسقط تفريطًا في الثوابت، وتسعى لتوظيف الملف في صراعها الأوسع على النفوذ داخل مؤسسات صنع القرار.
وقد أعلن عن مقتل المنشد الديني حميد رضا رجب زاده بعد اختطافه في طهران قبل أسابيع، دون أن تحسم التحقيقات الرسمية حتى الآن الجهة المسؤولة أو الدوافع الحقيقية وراء الحادثة، وقد غذّت هذه الواقعة، إلى جانب تقارير عن مخططات داخلية لإسقاط الحكومة، مناخًا من الترقب والحذر داخل الأوساط السياسية والأمنية الإيرانية في آن واحد.
ويضاعف من هشاشة موقف الحكومة إقرار بزشكيان علنًا بأن الاقتصاد الإيراني يعاني بشدة، مع خروج معدلات التضخم وسوق الصرف الأجنبي عن السيطرة، وصعوبة متزايدة في تأمين السلع الأساسية، وهذا الواقع الاقتصادي المتردي يحوّل ملف رفع العقوبات وفتح هرمز أمام التجارة من قضية سيادية بحتة إلى مسألة بقاء اقتصادي تمس الاستقرار الداخلي مباشرة.
خاتمة
يكشف المشهد الإيراني الراهن عن حكومة تعمل تحت ضغط مزدوج غير مسبوق؛ خارجيًا عبر ملف هرمز المعقد وظلال الردود العسكرية الخارجية وشروط أمريكية متشددة ووساطة عُمانية هشة قابلة للتعطل، وداخليًا عبر تنازع صلاحيات مع الحرس الثوري وضغط تيارات متشددة وأزمة اقتصادية متفاقمة، ويبقى مسار التفاوض مع عُمان اختبارًا حقيقيًا لقدرة حكومة بزشكيان على تحويل تفاهم فني محدود إلى مدخل فعلي لكسر العزلة، في مواجهة قوى داخلية تراهن على إبقاء طهران في مواجهة دائمة مع الخارج.