تواجه العقوبات الأمريكية الجديدة ضد إيران، رغم الدعاية الإعلامية الواسعة المصاحبة لها، عقبات كبيرة تحول دون نجاحها، وذلك بسبب تراجع فاعلية أدوات العقوبات، ومعارضة بعض الشركاء التجاريين لطهران.
فقد كشف وزير الخزانة الأمريكي عن حزمة عقوبات جديدة تحت عنوان “عملية الإقصاء الاقتصادي”، واصفًا إياها بأنها “أكبر هجوم مالي منظم ضد عدو في التاريخ”، وأعلن عن هذه الخطوة باستخدام تعبيرات مثل “الخنق الاقتصادي” و”يوم الحسم الاقتصادي”، وذلك بعد مرور نحو ستة أشهر على بداية المواجهة العسكرية الأمريكية ضد إيران، في وقت أخفقت فيه واشنطن في تحقيق أهدافها العسكرية داخل البلاد.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل يمكن للحملة الأمريكية الجديدة، التي لا تعدو في الواقع أن تكون إعادة إنتاج لسياسة “الضغط الأقصى” مع تغليف إعلامي جديد، أن تحقق النجاح؟
تشير الوقائع الميدانية والمواقف الدولية إلى أن هذه العملية لا تفتقر فقط إلى أي ابتكار جديد، بل تواجه أيضًا عقبات هيكلية وسياسية وقانونية كبيرة تجعل فشلها أمرًا مرجحًا.
إعادة إنتاج السياسات الفاشلة
أعلنت الولايات المتحدة أن العقوبات الجديدة تستهدف خمسة قطاعات حيوية هي:
- الأصول الرقمية.
- التكنولوجيا.
- الذهب.
- الطيران.
- الشحن البحري.
كما هددت بمعاقبة أي جهة أو دولة تتعامل اقتصاديًا مع إيران عبر فرض عقوبات ثانوية عليها أو استبعادها من النظام المالي القائم على الدولار، ومع ذلك، يرى كثيرون، حتى داخل الولايات المتحدة، أن هذه الإجراءات ليست سوى تكرار للأدوات السابقة.
فقد صرّح روبرت كاغان، الخبير في السياسة الخارجية الأمريكية، في مقابلة مع شبكة CNN قائلاً: “إن كثيرًا من الإجراءات التي تحدث عنها وزير الخزانة اليوم هي من النوع نفسه من العقوبات الموجودة منذ سنوات”.
وبعبارة أخرى، فإن نظام العقوبات الأمريكي وصل إلى حالة من التشبع، ولم يعد هناك مجال واسع لفرض عقوبات جديدة، كما أن تكرار أسماء الأفراد والشركات في البيانات الرسمية يعكس عجز واشنطن عن إيجاد مجالات جديدة للضغط.
ويرى بول كروجمان، الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، أن: “الحملة الاقتصادية ستفشل بالقدر نفسه الذي فشلت به الحملة العسكرية”.
أما روبرت مالي، العضو السابق في فريق التفاوض النووي الأمريكي، فيقول: “هل يمكن لمزيد من الضغوط أن يجبر إيران على الاستسلام والتراجع عن المواقف التي تعتبرها حيوية وغير قابلة للتفاوض؟ بالتأكيد لا”.
كما وصف كريس مورفي، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، خطاب “يوم الحسم الاقتصادي” بأنه “محاولة يائسة للتغطية على الإخفاقات العسكرية لواشنطن”، مؤكدًا أن “إيران تسيطر الآن على مضيق هرمز، وبعد أن أطلقت الولايات المتحدة كل ما لديها، ما زالت إيران تحتفظ بجميع أوراق الضغط”.
ومن جانبه، صرّح المستثمر والمحلل المالي الأمريكي الشهير بيتر شيف قائلاً: “إن عملية الإقصاء الاقتصادي لن تفشل فحسب، بل إن الحبل الاقتصادي الذي يشتد فعليًا قد يكون في النهاية الحبل الذي يلتف حول عنقنا نحن”.
معارضة صريحة من الصين وروسيا ودول أخرى
تشكل معارضة القوى الكبرى وبعض الشركاء التجاريين لإيران إحدى أبرز العقبات أمام نجاح الحملة الاقتصادية الأمريكية الجديدة.
فقد أعلنت الصين بشكل واضح أنها لن تتعاون مع العقوبات الأحادية الجانب، كما وصفت وزارة الخارجية الصينية هذه الإجراءات بأنها “تفتقر إلى أي أساس في القانون الدولي أو تفويض من مجلس الأمن”، مؤكدة استمرار تعاملاتها الاقتصادية مع إيران.
بل إن بكين أصدرت في مايو 2026 قرارًا يمنع الشركات الصينية من الامتثال للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.
أما روسيا، التي تخضع بدورها لعقوبات غربية واسعة، فلم تكتفِ بعدم الانضمام إلى هذه العملية، بل وسعت تعاونها الاقتصادي والعسكري مع طهران.
وقد وصف أليكسي بوشكوف، عضو مجلس الشيوخ الروسي، الخطوة الأمريكية بأنها “صراع بين الدول المستقلة وهيمنة واشنطن”.
كما أعربت دول مثل قطر وسلطنة عمان، وحتى بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي، عن قلقها من العقوبات الأمريكية الأحادية، مؤكدة أن مثل هذه الإجراءات تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.
إضافة إلى ذلك، تمتلك إيران 15 دولة مجاورة بشكل مباشر، وهو ما يوفر لها مسارات اقتصادية ولوجستية متنوعة يمكن أن تجعل حتى أشد العقوبات تأثيرًا أقل مما هو متوقع.
عملية نفسية لتحقيق مكاسب داخلية
إن تزامن الإعلان عن هذه الحزمة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، ومع محاولات السيطرة على أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، يشير إلى أن هذه الخطوة ليست مبادرة إستراتيجية حقيقية بقدر ما هي تكتيك يهدف إلى إرباك الأجواء الاقتصادية في إيران، وإطلاق عملية نفسية وإعلامية للتغطية على إخفاقات الإدارة الأمريكية.
كما أن الرئيس ترامب كتب مباشرة بعد إطلاق حملته الاقتصادية الجديدة على منصة “تروث سوشال” قائلاً: “إن إيران تنهار بالكامل”، وهو ما يكشف الأبعاد الحقيقية لهذه الحملة التي لا تنسجم مع الوقائع الميدانية.
وبناءً على ذلك، فإن العقوبات الأمريكية الجديدة لا تفتقر فقط إلى الغطاء القانوني، بل يمكن أن تشكل أساسًا لرفع دعاوى ضد واشنطن أمام الهيئات القانونية الدولية.
وقد أكد المسؤولون الإيرانيون مرارًا أن هذه العقوبات تستهدف معيشة المواطنين العاديين وصحتهم.
إن العملية التي تحمل اسم “الإقصاء الاقتصادي” الأمريكية ليست في جوهرها مبادرة إستراتيجية فعالة، بل هي خطوة إعلامية تهدف إلى إدارة الرأي العام الداخلي، وتحقيق قدر من السيطرة على أسواق الطاقة، وتقليل المخاوف الانتخابية لترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
وتواجه هذه الحملة ثلاث عقبات أساسية:
- تشبع أدوات العقوبات الأمريكية واستنفاد فعاليتها.
- معارضة الصين وروسيا وشركاء آخرين لإيران.
- عجز واشنطن أو عدم رغبتها في الدخول في مواجهة اقتصادية مباشرة مع بكين.
ولا تمتلك العقوبات الجديدة القدرة على تغيير السلوك السياسي الإيراني، بل قد تؤدي إلى تعزيز اقتصاد المقاومة، وتوسيع التعاون الإقليمي وغير الغربي، وتسريع عملية التحول نحو نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب.
إضافة إلى ذلك، تواجه العقوبات الأمريكية الأحادية الجانب تحديات تتعلق بشرعيتها من منظور القانون الدولي، وقد تفتح الباب أمام ملاحقات قانونية ضد واشنطن، خاصة وأن آثارها تطال بشكل مباشر معيشة المواطنين العاديين وصحتهم.
وتشير التجارب التاريخية إلى أن الإفراط في استخدام العقوبات الاقتصادية بصورة غير تقليدية يؤدي في نهاية المطاف إلى استنزاف قوة الدولة التي تفرضها، لأن الضغوط الاقتصادية العمياء، بدلًا من أن تؤدي إلى استسلام الدولة المستهدفة، تسهم في تعزيز البدائل الاقتصادية وخلق تحالفات جديدة.
وهذه الحقيقة، باتت واضحة أمام العالم أجمع؛ فالدولة التي تصمد أمام حرب شاملة كان يمكن أن تدمر حتى قوى كبرى خلال أقل من أسبوع، وتنتصر على خصومها، لن تخضع للعقوبات ولن تهزم بسببها.
ـــــــــــــــــــ
مقال بعنوان: “جرا عملیات تروریسم اقتصادی آمریکا علیه ایران محکوم به شکست است؟” (بالعربية: لماذا تعدّ عملية الإرهاب الاقتصادي الأمريكية ضد إيران محكوم عليها بالفشل؟)، الجهة الناشرة بالفارسية: “شورای راهبردی روابط خارجى” بالعربية: “المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية)، تاريخ النشر: 6 شهريور 1405 هـ. ش. (الموافق 28 أغسطس 2026م)، بقلم: حمید خوشآیند.
