يدرس البيت الأبيض خيارات شن هجوم محدود على أهداف داخل إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل، في خطوة قد تستهدف زيادة الضغط على طهران وإظهار تحقيق تقدم عسكري، غير أن هذه الخطوة تنطوي على مخاطر اقتصادية وعسكرية وسياسية، من بينها ارتفاع أسعار النفط والبنزين، واحتمال رد إيراني، واستنزاف المزيد من المخزونات العسكرية الأمريكية، وإعادة الحرب إلى صدارة المنافسة الانتخابية.
ولقد اهتمت الصحافة الإيرانية بهذه المسألة ونقل موقع فرارو عن مجلة “ذي أتلانتيك” الأمريكية، بقلم نانسي إي. يوسف، مراسلة الأمن القومي ووزارة الدفاع أن البيت الأبيض طلب من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) دراسة الخيارات المحتملة لشن هجمات على أهداف داخل إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر، ويأتي ذلك في وقت تدخل فيه الحرب بين إيران والولايات المتحدة شهرها الثامن، بعد أشهر من المواجهات، وفي ظل عدم تنفيذ الولايات المتحدة هجومًا مباشرًا على إيران خلال الأسابيع القليلة الماضية.
ووفقًا لمسؤولين اثنين في الإدارة الأمريكية نقلت عنهما المجلة، لم يُتخذ حتى الآن قرار نهائي بتنفيذ الهجوم، ولا تزال أبعاده وأهدافه المحتملة قيد الدراسة.
لماذا تدرس واشنطن خيار الهجوم قبل الانتخابات؟
يُطرح هذا القرار في وقت أصبحت فيه الحرب مع إيران أحد التحديات السياسية التي تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد أسهم ارتفاع أسعار الوقود واستمرار الحرب لفترة طويلة في زيادة الضغوط على مرشحي الحزب الجمهوري، هذا وقد أعرب بعضهم بصورة غير معلنة عن قلقهم إزاء التأثير السلبي للحرب على حملاتهم الانتخابية.
ويأمل البيت الأبيض في أن يؤدي التراجع في أسعار النفط والبنزين قبل الانتخابات إلى تقليل جزء من الضغط السياسي الناجم عن الحرب، وفي هذا السياق، يعتقد بعض المؤيدين للتحرك العسكري أن تنفيذ ضربة محدودة قد يتيح لترامب تقديم صورة توحي بامتلاك زمام المبادرة وتحقيق تقدم في الحرب، بما قد يساعد مرشحي الحزب الجمهوري مع اقتراب موعد الانتخابات المرتقبة.
ومع ذلك، يقر حتى مؤيدو هذا الخيار بأن ضربة عسكرية محدودة لن تكون كافية، بمفردها، لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، أو ضمان أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز، أو خفض أسعار البنزين بصورة ملموسة قبل يوم الانتخابات.
خطر ارتفاع أسعار النفط
تكمن إحدى المفارقات الأساسية في هذه الإستراتيجية في أن واشنطن تسعى، من خلال التحرك العسكري، إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب، في حين أن تصعيد المواجهة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية.
ولقد ارتفعت أسعار النفط عقب اندلاع الحرب إلى ما يقرب من 118 دولارًا للبرميل، كما تجاوزت حاجز 100 دولار لفترة خلال الشهر الماضي، ووصل متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة حاليًا إلى 4.37 دولار للجالون، بعدما كان أقل من ثلاثة دولارات قبل بدء العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
وقد ذكر البروفيسور ويل والدورف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ويك فورست، في مقابلة مع مجلة “ذي أتلانتيك”، أن الإجراءات العسكرية لم تتمكن حتى الآن من خفض أسعار النفط، بل أدت في بعض الحالات إلى نتائج عكسية، وفي المقابل، تعتزم الإدارة الأمريكية الإفراج عن جزء من الاحتياطي النفطي الإستراتيجي لزيادة المعروض والحد من ارتفاع أسعار البنزين، غير أن شن هجوم جديد قد يعيد الضغط على أسواق الطاقة، ويقوض الجهود الرامية إلى احتواء التداعيات الاقتصادية للحرب.
هجوم محدود أم بداية مرحلة جديدة من الحرب؟
كان البنتاجون قد درس سابقًا مجموعة من الخيارات لاستئناف العمليات العسكرية بعد الانتخابات، وهي خيارات تتراوح بين الهجمات المحدودة والعمليات الأوسع نطاقًا ضد البنية التحتية للطاقة في إيران، وحاليًا تدرس القيادة المركزية الأمريكية خيارات لشن هجوم حتى لو كان محدودا قبل الانتخابات أيضًا.
ويرى بعض المسؤولين الأمريكيين أن عملية عسكرية محدودة قد تتيح للإدارة الأمريكية الادعاء بأنها استعادت زمام المبادرة، لكن هذا الخيار يحمل في طياته خطرًا يتمثل في أن يؤدي التحرك، بدلًا من احتواء الأزمة، إلى فتح جولة جديدة من المواجهة.
كما أن أي هجوم جديد سيعرض نحو 50 ألف جندي أمريكي متمركزين في المنطقة، إلى جانب حلفاء واشنطن في الخليج العربي، لاحتمال التعرض لرد فعل إيراني، وإضافة إلى ذلك، فإن استمرار العمليات قد يؤدي إلى مزيد من استنزاف مخزونات الذخائر الأمريكية، ولا سيما الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في التصدي للهجمات الصاروخية.
مضيق هرمز وبؤرة الأزمة الرئيسية
لا يزال مضيق هرمز أحد أبرز الملفات الخلافية بين طهران وواشنطن، فقبل الحرب، كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، لكن إيران أغلقته في بداية الحرب، ولم تنجح الجهود الأمريكية الرامية إلى استعادة أمن الملاحة البحرية فيه بصورة كاملة حتى الآن.
وفي الأيام الأخيرة، هاجمت إيران أيضًا عددًا من السفن التي كانت تعتزم عبور المضيق، وهو ما دفع بعض مالكي السفن إلى إعادة النظر في استخدام هذا الممر البحري.
وفي الوقت نفسه، تستمر المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، لكن الخلافات لا تزال قائمة بشأن شروط وقف إطلاق النار وترتيبات تنفيذه، وإنهاء الحصار المفروض على مضيق هرمز، وإعادة فتحه أمام حركة الملاحة.
طهران تستعد بدورها للمرحلة المقبلة
يسود في واشنطن اعتقاد بأن إيران تدرك اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، وقد تحاول تكييف سلوكها وفقًا للحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، وفي المقابل، قد تكون طهران قد وضعت احتمال شن هجوم أمريكي جديد ضمن حساباتها واستعداداتها للمرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، اكتسبت مغادرة قاذفات القنابل الأمريكية من طراز “بي-1” قاعدة فيرفورد الجوية ببريطانيا خلال الأيام الأخيرة أهمية خاصة، وأشارت معلومات استخباراتية أمريكية إلى احتمال وقوع هجوم مرتبط بإيران يستهدف القاعدة، رغم أن طهران نفت أي صلة لها بالتهديد المزعوم.
وقد تنظر إدارة ترامب إلى شن هجوم قبل الانتخابات باعتباره وسيلة لزيادة الضغط على إيران ودفعها إلى قبول اتفاق، غير أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة، إذ يمكن أن تعيد الحرب، التي تحاول الإدارة الأمريكية إبعادها عن صدارة اهتمام الرأي العام، إلى قلب المشهد السياسي الأمريكي في أكثر مراحله حساسية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الجمهوريين، إذ تضرر مرشحو الحزب من ارتفاع أسعار الطاقة والتكاليف الاقتصادية للحرب، وقد تؤدي عودة الهجمات إلى إعادة الصراع إلى صدارة التغطية الإخبارية والنقاش الانتخابي.
ومن ناحية أخرى، طرح ترامب في مناسبات عدة خلال الأسابيع الأخيرة احتمال استئناف الهجمات بعد الانتخابات، كما هدد إيران بالتدمير في خطابه أمام الأمم المتحدة، وذكر في مقابلة مع مجلة “تايم” أن الولايات المتحدة أمضت الأشهر الستة الماضية في الاستعداد لمواصلة العمليات العسكرية، ومع ذلك، لم يُعلن حتى الآن عن قرار نهائي بشأن التوقيت المحدد لأي تحرك عسكري جديد.
واشنطن بين مواصلة الضغط الاقتصادي والعودة إلى الخيار العسكري
في نهاية المطاف، تجد واشنطن نفسها أمام مسارين وهما إما مواصلة الضغط الاقتصادي والمفاوضات غير المباشرة، أو العودة إلى العمليات العسكرية بهدف تغيير حسابات طهران، وقد تبدو الضربة المحدودة، من وجهة نظر واضعي هذه الإستراتيجية، وسيلة لإظهار القوة واستعادة زمام المبادرة، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة، ورد الفعل الإيراني، والمزيد من استنزاف المخزونات العسكرية الأمريكية، فضلًا عن إعادة الحرب إلى صدارة المنافسة الانتخابية.
لذلك، لا يتمثل السؤال الأساسي أمام البيت الأبيض في مجرد قدرته على توجيه ضربة أخرى إلى إيران، بل في مدى قدرة هذه الضربة على تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية التي تسعى واشنطن إلى بلوغها، أم أنها ستؤدي، بدلًا من ذلك، إلى تفاقم الأزمة في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في المشهد الانتخابي الأمريكي.
ــــــــــــــــــــــ
مقال نُشر في موقع “فرارو” الإيراني بـعنوان: “آیا ترامپ پیش از انتخابات دستور حمله به ایران را میدهد؟” (بالعربية: هل يأمر ترامب بمهاجمة إيران قبل انتخابات التجديد النصفي؟) للكاتبة: نانسى اى. يوسف، بتاريخ 16 مهر 1405هـ. ش. الموافق 8 أكتوبر 2026م.
