بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في صباح السبت 28 فبراير 2026م، بموجة واسعة من الهجمات، أسفرت عن مقتل عدد من كبار الشخصيات، من بينهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وقد أدت أسابيع من القصف، وسقوط آلاف القتلى، وانقطاع الإنترنت، وانهيار أجزاء من الاقتصاد، إلى قلب حياة ملايين الإيرانيين رأسًا على عقب، ثم أُعلن وقف إطلاق النار، فالتقط الناس أنفاسهم، لكن هذا التنفس لم يكتمل قط.
بعد ثمانية أشهر، حلّ صمت نسبي محل أصوات الانفجارات، لكن لا أحد ينظر إلى هذا الوضع باعتباره سلامًا حقيقيًا، فالمفاوضات لم تفضِ إلى نتيجة واضحة، والتهديدات مستمرة من الجانبين، وفي إيران تستيقظ الأسر كل يوم وهي تتساءل: هل سيكون هذا اليوم هادئًا أم لا؟ وفي خضم هذه الأجواء، أضافت الانتخابات الإسرائيلية والتنافس حول ملف إيران طبقة جديدة من القلق. ويبقى السؤال الأساسي كما هو: هل ستعود الحرب؟
الحياة في ظل وقف إطلاق نار هش
يشعر معظم الإيرانيين بالارتياح إزاء توقف القصف، لكن خلف هذا الهدوء الظاهري تكمن مشاعر الغضب وخيبة الأمل أيضًا، فجزء من المواطنين الذين عوّلوا على وعود تقديم الدعم للشعب الإيراني، شعروا بالتخلي عنهم مع العودة إلى طاولة المفاوضات، وتستمر الحياة اليومية، لكن كثيرين يشعرون في أعماقهم بالهزيمة.
في إيران يبدو العبء الاقتصادي ثقيلا، فقد أدى الانقطاع الحاد للإنترنت، والأضرار التي لحقت بالصناعات والأسواق، وارتفاع الأسعار، إلى جانب القلق من القصف، إلى إضافة مخاوف تتعلق بتأمين الخبز ودفع الإيجار.
وثمة قلق آخر يتمثل في أن انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء الضغوط، إذ يخشى البعض أنه إذا توصلت الحكومة إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، فقد تشتد حدة القمع الداخلي، لا سيما بعد القمع الدموي للمتظاهرين في يناير 2026م.
ويجد الناس أنفسهم عالقين بين خوفين، الخوف من القنابل والخوف من مرحلة ما بعد الحرب. ومع ذلك، لا يزال هناك قدر من الأمل، وإن كان واهنًا، وهو أمل في التوصل إلى اتفاق يخفف العقوبات والضغوط، ويعيد خدمة الإنترنت، ويفتح الطريق أمام مستقبل يمكن التخطيط له.
شبح هجوم جديد
في إيران تبدو المؤشرات مثيرة للقلق، فقد نُشرت تقارير تفيد بأن إسرائيل تمارس ضغوطًا لاستئناف العمليات العسكرية ضد إيران، حتى قبل الانتخابات، وبالرغم من أن وزير الدفاع الإسرائيلي نفى ذلك، فإن وزير الدفاع الأمريكي التقى، في زيارة غير معلنة إلى حد كبير، برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وبعد التصويت، ازدادت حدة لهجة نتنياهو، إذ قال إن إسرائيل، بالتعاون مع ترامب، تمتلك فرصة تاريخية للقضاء على التهديد الإيراني مرة واحدة وإلى الأبد.
في المقابل، هناك عوامل تجعل شن هجوم جديد مكلفًا، فقد خلّفت الحرب السابقة تكلفة باهظة، وارتفعت أسعار النفط، وهو ما عزز بدوره حجج المتشددين في إيران الرافضة للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، وفي طهران، ينظر المسؤولون إلى التهديدات الإسرائيلية باعتبارها جزءًا من السلوك العدائي الإسرائيلي.
ولا يستطيع أحد أن يجزم ما إذا كان الهجوم سيقع أم لا؟! لكن إذا جمعت التهديدات والتحركات العسكرية والتصريحات الرسمية، فإن احتمالات استئناف المواجهات تبدو مرتفعة، وإن لم تكن مؤكدة، ويظل القرار النهائي مرتبطًا بمسار المفاوضات الأمريكية ــ الإيرانية، وكذلك بالحسابات والتقديرات الإستراتيجية في واشنطن.
صناديق الاقتراع الإسرائيلية ومصير الإيرانيين
لم تسفر الانتخابات الإسرائيلية التي جرت يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026م، عن نتيجة حاسمة، وتشير النتائج الأولية إلى أن أيًا من الكتلتين الرئيسيتين لن يتمكن من الحصول على الأغلبية، ومن المرجح أن يظل نتنياهو رئيسًا مؤقتًا للحكومة حتى انتهاء مفاوضات تشكيل الائتلاف أو إجراء انتخابات جديدة، ولم تُعلن النتائج النهائية بعد، وقد تتغير الصورة.
تتخذ تداعيات هذا الانسداد السياسي على إيران اتجاهين متباينين، فمن ناحية، يتبنى نتنياهو ومنافسوه الرئيسيون توجهات متشابهة فيما يتعلق بالسياسة الأمنية تجاه إيران، ولذلك فإن فوز منافسه لا يعني بالضرورة التراجع عن ممارسة الضغوط على طهران، ومع ذلك، قد تختلف أساليب اتخاذ القرار وسرعته.
وكان ترامب قد حذر سابقًا من أنه إذا اختارت إسرائيل زعيمًا آخر، فقد لا يكون متحمسًا لمواصلة الجهود المشتركة. وإذا كانت الحكومة المقبلة أكثر هشاشة واعتمادًا على ائتلافات متوترة، فقد تتراجع الضغوط الرامية إلى شن هجوم سريع، لكن نتنياهو، حتى بصفته رئيسًا مؤقتًا للحكومة، قد يُغرى باستخدام الحرب أداةً للبقاء السياسي، وهي تهمة ثبتت صحتها وقد سبق أن وجهها إليه منتقدوه.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لا تمثل أي فارق بالنسبة إلى طهران، وربما يكون هذا الموقف سياسيًا أكثر منه تحليليًا، لأن القرارات الإسرائيلية ليست بلا تأثير في حياة الشعب الإيراني.
خاتمة
يقف الشعب الإيراني في موقع تُتخذ فيه القرارات من جانب أطراف أخرى في تل أبيب وواشنطن وطهران، بينما يتحمل الإيرانيون أنفسهم تكلفتها، فالانسداد الانتخابي في إسرائيل لا يزيل التهديد ولا يضمن الهدوء، وإنما يؤدي فقط إلى إطالة أمد الانتظار.
ولا يكمن الأمل الحقيقي للإيرانيين في نتيجة انتخابات خارجية، بل في مسار دبلوماسي يفضي إلى اتفاق مستدام، ويعيد إلى الناس حياتهم الطبيعية وخدمة الإنترنت ومقومات المعيشة. وحتى يحين ذلك اليوم، سيظل الخوف والأمل متلازمين.