أدخلت التطورات الإقليمية الأخيرة، والمواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل والانتصار الإيراني في الحرب التي استمرت 40 يومًا، المعادلات السياسية والأمنية في المنطقة مرحلة جديدة، وهي مرحلة لا تقتصر تداعياتها على ميدان المعركة فحسب، لكن تمتد لتؤثر في العلاقات الدبلوماسية، وموازين القوى، والتحالفات الإستراتيجية، بل وحتى مستقبل التعاون الاقتصادي والثقافي بين الدول.
ويتمثل السؤال الأساسي هنا في: كيف تغير موقع إيران في نظر القوى العالمية بعد الحرب؟ وكيف تُقيّم روسيا والصين القدرات العسكرية الإيرانية وقوة الردع التي تمتلكها؟ والأهم من ذلك، هل يمكن للعلاقات الإستراتيجية بين طهران وموسكو أن تتجاوز مستوى التفاهمات السياسية، لتتحول إلى مصالح اقتصادية مستدامة وملموسة تعود بالنفع على المواطنين؟!
لمناقشة هذه التساؤلات، أجرت وكالة تسنيم الإيرانية، شبه الرسمية، حوارا مع كاظم جلالي، سفير إيران لدى الاتحاد الروسي، داخل المبنى التاريخي لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موسكو، ويُعد جلالي دبلوماسيًا يمتلك خبرة سياسية واسعة، إذ سبق له أن شغل عضوية مجلس الشورى الإسلامي لعدة دورات، كما عمل في موسكو خلال ثلاث حكومات مختلفة، ما أتاح له متابعة العلاقات بين طهران وموسكو عن قرب.
وفي هذا الحوار، يتحدث جلالي عن التغير الذي طرأ على نظرة الرأي العام والمسؤولين الروس إلى إيران بعد الحرب، وتقييم القدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية، والاختلاف بين النهجين الروسي والصيني في التعامل مع الغرب، فضلًا عن ضرورة فهم طبيعة “روسيا الجديدة”.
كما يشير إلى الإمكانات الاقتصادية التي لم تُستغل بعد بين البلدين، ويعتبر استكمال ممر الشمال – الجنوب ونقل الغاز الروسي عبر الأراضي الإيرانية من أهم المشروعات الإستراتيجية الكفيلة بإقامة علاقات ثقة متبادل بين البلدين.
ويتناول جانب آخر من المقابلة العقبات الهيكلية التي تعترض تطوير العلاقات الاقتصادية، ودور النظام البيروقراطي في إبطاء تنفيذ المشروعات، وإمكانات الدبلوماسية الثقافية، إلى جانب روايات عن جهود تطوير العلاقات مع روسيا خلال الحكومات الإيرانية المتعاقبة.
غير أن أحد أبرز محاور هذا الحوار يتمثل في الروايات التي يكشف عنها جلالي، والتي لم تحظَ بتداول واسع، بشأن الزيارات الأخيرة التي قام بها علي لاريجاني إلى موسكو، والمفاوضات المطوّلة التي أجراها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وآخر لقاء جمعهما قبل اندلاع الحرب.
وتقدم هذه الروايات صورة عن الجوانب غير المعلنة للدبلوماسية بين طهران وموسكو، كما تكشف عن نظرة الرئيس الروسي إلى أحد أبرز الشخصيات السياسية الإيرانية.
وفيما يلي ملخص لهذا الحوار، الذي يتناول إيران ما بعد الحرب، والتحولات في النظام العالمي، ومستقبل العلاقات الإستراتيجية بين طهران وموسكو.
تغير نظرة الشعب الروسي إلى إيران بشكل كامل
يرى كاظم جلالي، سفير إيران لدى روسيا، أن الحربين اللتين استمرتا 12 يومًا و40 يومًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد غيرتا نظرة الشعب الروسي والمسؤولين الروس إلى إيران، ووفقًا لما ذكره، فقد كشفت هذه التطورات عن القدرات الإيرانية ودور التماسك الداخلي، وانعكست على نظرة الرأي العام الروسي تجاه إيران.
كما أكد جلالي، تغير نظرة الروس إلى إيران بعد الحرب، وقال إن مقاومة إيران أسهمت في زيادة الاهتمام بقدرات هذا البلد، وأوضح أن تقييم روسيا للقدرات العسكرية الإيرانية قد تغيرت على مراحل، فقبل الحرب الأوكرانية، كانت المعرفة بهذه القدرات محدودة، لكن بعد اندلاع الحرب الأوكرانية حظيت التقنيات العسكرية الإيرانية، ولا سيما الطائرات المسيرة باهتمام أكبر، كما أتاحت المواجهة العسكرية الأخيرة إعادة تقييم القدرات الدفاعية الإيرانية، ويستمر التعاون العسكري بين طهران وموسكو أيضًا في إطار العقود والاتفاقيات المشتركة.
اختلاف نهجي روسيا والصين
اعتبر جلالي أن الاختلاف في نهجي روسيا والصين تجاه إيران يرتبط باختلاف الظروف والحسابات الدولية لدى البلدين.
ووفقًا لرأيه، اتخذت روسيا بعد تصاعد التوترات مع الغرب واندلاع الحرب الأوكرانية، موقفًا أكثر مواجهةً للغرب، في حين تتصرف الصين بمزيد من الحذر، وتضع مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية طويلة الأمد في مقدمة أولوياتها.
ويرى أيضًا أن تقييم روسيا لسلوك الولايات المتحدة والدول الغربية تجاه إيران قد أثر في زيادة صراحة مواقف موسكو في دعم طهران.
التعاون الاقتصادي وممر الشمال – الجنوب
أكد السفير الإيراني أن العلاقات بين طهران وموسكو ينبغي ألا تظل مقتصرة على التعاون السياسي والعسكري، بل يجب أن تؤدي إلى تحقيق مصالح اقتصادية مشتركة ومستدامة.
واعتبر أن ممر الشمال – الجنوب أحد أهم المشروعات الإستراتيجية للبلدين، ويمكن لهذا المسار، من خلال ربط روسيا بإيران ومناطقها الجنوبية، أن يقلل الوقت والتكاليف اللازمة لنقل البضائع، وشدد جلالي على ضرورة تسريع استكمال هذا الممر، ولا سيما خط السكك الحديدية بين رشت وآستارا.
كما عدّ نقل الغاز الروسي عبر إيران من المشروعات المهمة الأخرى لتعزيز الروابط الاقتصادية بين البلدين، ورأى ضرورة تنمية التجارة في مجال مواد البناء ومختلف الصناعات.
وبحسب جلالي، تتمثل العقبات الرئيسية الأربع أمام توسيع التجارة بين إيران وروسيا في:
- ضعف البنية التحتية للنقل والعبور.
- القيود اللوجستية.
- المشكلات الجمركية.
- العقبات النقدية والمصرفية.
واعتبر أن معالجة هذه المشكلات تتطلب التنسيق بين المؤسسات الحكومية والمشاركة الفاعلة للقطاع الخاص.
التعاون الثقافي والتفاهم المتبادل
أضاف جلالي أن نقص المعرفة المتبادلة بين الشعبين الإيراني والروسي أحد المعوقات التي تحول دون تطوير العلاقات بين البلدين.
وأشار إلى اهتمام المجتمع الروسي بالثقافة والفنون الإيرانية، وشدد على ضرورة توسيع التبادلات الثقافية والفنية، والتعريف بالأعمال السينمائية والأدبية الروسية في إيران، وتطوير وسائل الإعلام الناطقة بالروسية للتعريف بإيران.
ويرى أن تنظيم الأسابيع الثقافية وزيادة تبادل الأعمال الفنية يمكن أن يساهما في الحد من الصور النمطية، وتعزيز التواصل بين الشعبين، وتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي والسياسي.
العقبات البيروقراطية ومستقبل العلاقات الثنائية
يذهب السفير الإيراني إلى أن العقبات البيروقراطية في الهيكل الإداري أحد أسباب بطء تنفيذ المشروعات المشتركة.
ووفقًا لما ذكره، فإنه على الرغم من رغبة مسؤولي البلدين في تطوير العلاقات، فإن التعاون الاقتصادي لا يتقدم بالسرعة المتوقعة.
وشدد على أن استمرار العلاقات الإستراتيجية بين إيران وروسيا يتطلب تحويل التفاهمات السياسية إلى مصالح اقتصادية متبادلة، وتنفيذ المشروعات الكبرى، وتطوير البنية التحتية التجارية.
لقاءات علي لاريجاني وفلاديمير بوتين
تناول جلالي، في جزء آخر من المقابلة، لقاءات علي لاريجاني، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الأسبق، مع فلاديمير بوتين، موضحًا أن هذه المباحثات كانت تستغرق عادةً وقتًا طويلا، وتشمل موضوعات متعددة.
ووفقًا لما ذكره، كان بوتين يولي أهمية لقدرة لاريجاني على الحوار والتوصل إلى حلول.
كما أشار إلى رسالة التعزية الشخصية التي بعث بها بوتين عقب الإعلان عن مقتل لاريجاني، وما صدر عن الرئيس الروسي لاحقًا من إشارات إليه، معتبرا ذلك دليلا على مكانة لاريجاني لدى القيادة الروسية.
ـــــــــــــــــــ
حوار أجراه الصحفي الإيراني محمد علي سافلي مع كاظم جلالي، سفير إيران لدى روسيا، نشرته وكالة أنباء تسنيم الإيرانية في 29 مهر 1405 هـ. ش. الموافق 21 أكتوبر 2026م.
