في صباح أحد أيام العمل في طهران، يمسك شاب يبلغ من العمر 25 عامًا هاتفه، وينتظر لبضع ثوانٍ حتى يتصل بشبكة VBN أو أحد تطبيقات تجاوز الحجب والقيود الرقمية، ثم يفتح تطبيق “إنستجرام” وهناك يجد مساحة تمثل في الوقت نفسه مكان عمله، ومساحة للتعبير عن ذوقه واهتماماته، ومكانًا لنقاشاته وتفاعلاته اليومية.
وقد أصبح هذا المشهد متكررًا إلى حد أنه لم يعد يلفت الانتباه، لكنه ربما يختصر، في ثواني الانتظار القليلة تلك، واحدة من أبرز الحقائق الثقافية في إيران اليوم.
تشير استطلاعات الرأي إلى أن 86 بالمئة من مستخدمي الإنترنت في إيران يستخدمون تطبيقات وأدوات لتجاوز حجب المواقع أو ما يُعرف بالقيود الرقمية، وترتفع هذه النسبة بين الشبان الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا إلى أكثر من 93%، في حين أنه قبل خريف عام 2022م، كان أقل من 40 بالمئة من المستخدمين يحتاجون إلى مثل هذه الأدوات.
ويمكن قراءة هذه الأرقام من زاويتين: فمن ناحية تعكس الميل الطبيعي لدى جيل الشباب نحو عالم مفتوح، ومن ناحية أخرى تمثل تحذيرًا بشأن المسافة التي نشأت بين “الثقافة الرسمية” أي تلك التي تُعرف من خلال إطار الإعلام الوطني، وتراخيص العرض، والفعاليات والمراسم الرسمية وبين “ثقافة المعيشة”، أي ما يعيشه الناس فعلًا: الموسيقى التي يستمعون إليها، والمسلسلات التي يتابعونها، واللغة التي يستخدمونها في أحاديثهم اليومية.
وبالتالي ليس من الصعب فهم النوايا الكامنة وراء القيود المفروضة على الإنترنت، فكل مجتمع لديه حساسية تجاه المحتوى الذي ينتشر في المجال العام والفضاء الرقمي، ولا شك أن الفضاء الافتراضي يضم أيضًا محتويات ضارة، وأن حماية جيل الشباب منها تمثل هاجسًا مشروعًا وجديرًا بالاحترام.
غير أن تجربة هذه السنوات أظهرت أن القيود وحدها لا تغير الذوق العام أو الاحتياجات الثقافية، وإنما تنقل الحوار من القنوات الرسمية إلى مسارات أخرى.
وقد أدى ذلك إلى أن جزءًا كبيرًا من الحياة الثقافية اليومية بدءًا من المدونات الصوتية التعليمية والموسيقى الجديدة، وصولًا إلى الموضة والفكاهة والمشروعات التجارية الصغيرة أصبح يحدث في فضاء محظور رسميًا.
ويعتبر أكثر من 60 بالمئة من المستخدمين الذين يحققون دخلًا من شبكات التواصل الاجتماعي أن “إنستجرام” هو المنصة الأساسية لأعمالهم، رغم أن هذه المنصة تخضع للحجب منذ سنوات في إيران.
هنا يمكن القول إن هذا الوضع ليس مرغوبًا فيه بالنسبة إلى أي طرف: لا بالنسبة إلى المؤسسات التي تريد أن تكون صاحبة المرجعية في المجال الثقافي، ولا بالنسبة إلى جيل يجد نفسه مضطرًا إلى إدارة حياته اليومية بين عالمين مختلفين في الوقت نفسه.
إن المسافة الفاصلة بين هذين العالمين تترتب عليها تداعيات لا ينبغي تجاهلها؛ فالمؤسسات الثقافية الرسمية، التي كانت في وقت من الأوقات تمثل صوت الذوق العام والمتحدث باسمه، لم تعد اليوم تتمتع بالقدر نفسه من المرجعية لدى قطاعات واسعة من المجتمع، كما أن الفجوة الرقمية بين الأجيال تتحول تدريجيًا إلى فجوة في الفهم والحوار، فالأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى هذه الفضاءات وهم في الغالب كبار السن وأفراد الطبقات الأقل حظا من حيث الإمكانات يجدون أنفسهم بعيدًا عن العالم الذي يعيش فيه أبناؤهم.
وفوق ذلك، أشارت موائد النقاش المتخصصة إلى أن القيود المفروضة على الإنترنت تُعد أحد العوامل المؤثرة في هجرة بعض المتخصصين والشبان المبدعين، فضلًا عن أن التكاليف الاقتصادية المترتبة على هذا الوضع تُضاف إلى تلك التداعيات، كما أن دراسة هذه النتائج لا تعني تجاهل المخاوف الثقافية، وإنما تعني البحث عن طريقة أفضل للاستجابة لهذه المخاوف ومعالجتها.
ولعل أفضل طريق هو تجنب الإفراط والتفريط معًا؛ فلا ينبغي أن يكون هناك تجاهل مطلق للمحتوى الضار، وفي الوقت نفسه لا ينبغي بناء جدار يحجب كل شيء بصورة متساوية.
وتُظهر التجارب العالمية أن الحل يكمن في مزيج من قواعد واضحة، ومحو الأمية الإعلامية والرقمية، والثقة في قدرة الجمهور على الاختيار.
ومن اللافت أن بعض المدافعين عن القيود الرقمية أنفسهم باتوا يقولون الآن: “لا يمكن حماية الشباب والحدود الأخلاقية والثقافية من خلال الحجب. فالحل ينبغي أن يكون إيجابيًا وتعليميًا، لا أن يقتصر على فرض القيود”.
وإذا تم أُخذ هذا القول على محمل الجد في عملية وضع السياسات، فقد يكون بداية لحوار طال احتياج الإيرانيين إليه منذ سنوات.
فالثقافة لا تُبنى بالإكراه، وإنما تُبنى بالحضور والحوار والثقة، والجيل الذي أصبح قادرًا على الوصول إلى عالم مفتوح لن يعود إلى ذلك الإطار المغلق لمجرد إغلاق هذا العالم في وجهه، لكن إذا تم، في هذا المجال نفسه، إنتاج محتوى أصيل وجذاب، وأُتيحت للفنانين والمبدعين من أبناء هذا الجيل فرصة حقيقية للتعبير والعمل، فإن المسافة بين الثقافة الرسمية وثقافة المعيشة ستصبح أقصر.
يبدأ ملايين الإيرانيين يومهم كل صباح باستخدام تقنيات كسر القيود الرقمية؛ وربما يكون هذا الوعي اليومي البسيط والصادق هو أسهل نقطة انطلاق نحو الوصول إلى سياسة ثقافية قائمة على الحوار، وتستند إلى فهم الواقع بدلًا من محاولة تجاهله.
ـــــــــــــــــ
مقال للكاتب الإيراني مجتبى مشهدى محمد، منشور في صحيفة “آگاه” (بالعربية: الواعي) الأصولية بتاریخ 23 مرداد 1405هـ. ش. الموافق السبت 15 أغسطس 2026م بعنوان “فرهنگ در دو جهان” (بالعربية: الثقافة في عالمين).
