في العديد من الأنظمة السياسية، تؤدي الحروب والأزمات الكبرى عادةً إلى إعادة النظر في أولويات الحوكمة. فتلجأ الحكومات، من أجل تعزيز التماسك الوطني وكسب دعم الرأي العام، إلى تخفيف جانب من القيود الاجتماعية والثقافية، بما يتيح للمجتمع الشعور بقدر أكبر من المشاركة إلى جانب السلطة.
إلا أن تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تُظهر أنه حتى في المراحل الأمنية والاقتصادية والعسكرية الحساسة، استمرت السياسات المقيِّدة في مجال الحريات الاجتماعية، بل ازدادت تشددًا في بعض الحالات؛ بدءًا من إغلاق المقاهي والمراكز الثقافية، وصولًا إلى تشديد الرقابة على أنماط الحياة والأنشطة الاجتماعية. ويثير هذا الواقع تساؤلًا جوهريًا: لماذا لا تتخلى الحكومة عن فرض الضبط الاجتماعي في وقت تحتاج فيه، أكثر من أي وقت مضى، إلى تعزيز التماسك الداخلي؟
الهوية الأيديولوجية للنظام
يُعدّ الطابع الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية أحد أهم الأسباب الكامنة وراء ذلك. فالنظام لا ينظر إلى نفسه بوصفه مجرد دولة مسؤولة عن إدارة شؤون البلاد، بل يعتبر نفسه أيضًا مكلفًا بحماية وصون منظومة من القيم الدينية والثورية. ومن هذا المنطلق، لا تُعدّ السياسات الثقافية والاجتماعية مجرد أدوات تنفيذية، وإنما تمثل جزءًا من هوية النظام وفلسفة وجوده.
وفي هذا الإطار، قد يُفسَّر التراجع عن السياسات المرتبطة بالهوية الأيديولوجية، في نظر صانعي القرار، على أنه تراجع عن المبادئ الأساسية للنظام. ولذلك، حتى في الظروف التي تستدعي فيها الأزمات الخارجية تعزيز التماسك الاجتماعي، قد تحظى المحافظة على هذه المبادئ بالأولوية على الاعتبارات السياسية أو الأمنية قصيرة المدى.
الخشية من سلسلة المطالب
يتمثل عامل مهم آخر في تصوّر جزء من بنية السلطة للعلاقة بين التراجع عن بعض السياسات وتصاعد المطالب الاجتماعية. ووفقًا لهذا التصور، فإن أي قدر من المرونة في مجال الحريات الاجتماعية قد يُفهم على أنه دليل على نجاح ضغوط الرأي العام أو الاحتجاجات في تغيير سياسات الحكومة. ومن ثمّ، يسود القلق من أن يؤدي التراجع في مجال واحد إلى فتح الباب أمام طرح مطالب أوسع في المجالات السياسية أو الثقافية أو المدنية.
وتُعد قضية الحجاب الإلزامي مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ إن السلطة، رغم مواجهتها أكبر أزمة عسكرية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، ما زالت متمسكة بفرض الحجاب الإلزامي، ولم تتخلَّ عنه باعتباره أداة للضغط والضبط الاجتماعي.
ومن هذا المنظور، فإن استمرار القيود حتى في أوقات الأزمات لا يرتبط، في جوهره، بموضوعات مثل نشاط المقاهي أو البرامج الثقافية، بقدر ما يُعد محاولة للحفاظ على صورة السلطة وهيبتها، ومنع ترسخ الانطباع بأن «الحكومة قد تراجعت». وبعبارة أخرى، يُنظر إلى سياسة الضبط الاجتماعي، وفق هذا التحليل، بوصفها جزءًا من استراتيجية الردع السياسي.
كما لا يمكن إرجاع استمرار هذه السياسات إلى إرادة حكومة بعينها أو إلى توجه تيار سياسي واحد فحسب. فبنية صنع القرار في الجمهورية الإسلامية تتكون من مؤسسات متعددة، يضطلع كل منها بدور في مجالات الثقافة والأمن والسياسة الداخلية. وهذه السمة تجعل تغيير التوجهات، حتى مع وجود رغبة لدى بعض المسؤولين التنفيذيين، يواجه عوائق مؤسسية تحول دون ذلك.
ومن ناحية أخرى، قد تتبنى المؤسسات المختلفة داخل هذا الهيكل تصورات متباينة لمفهوم الأمن والمصلحة الوطنية. فبينما يرى بعضهم أن الأمن يعني، قبل كل شيء، مواجهة التهديدات الخارجية، يعتبر آخرون أن الحفاظ على النظام الثقافي وضبط التحولات الاجتماعية يُعد أيضًا جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي. ويسهم هذا التباين في الرؤى في استمرار السياسات التقييدية.
الأمن الثقافي والأمن العسكري
في الأدبيات الأمنية للجمهورية الإسلامية، لا يقتصر مفهوم الأمن على المجال العسكري وحده. إذ يرى بعض صناع القرار أن التحولات الثقافية والاجتماعية يمكن أن تؤثر كذلك في الاستقرار السياسي. ومن ثم، فإن ضبط المجال العام، والرقابة على المراكز الثقافية، وفرض القيود على بعض الأنشطة الاجتماعية، لا يُنظر إليها بوصفها إجراءات منفصلة، بل باعتبارها جزءًا من الاستراتيجية الشاملة للحفاظ على الأمن.
وفي المقابل، يجادل منتقدو هذا التوجه بأن الأمن المستدام لا يتحقق من خلال الضبط الاجتماعي بقدر ما يقوم على تعزيز الثقة العامة، وتوسيع مشاركة المواطنين، وتقوية رأس المال الاجتماعي. ومن وجهة نظرهم، كلما اتسعت الفجوة بين المجتمع والحكومة، ازدادت صعوبة إدارة الأزمات الكبرى.
الخاتمة
إن استمرار القيود الاجتماعية في الجمهورية الإسلامية، حتى في خضم الحرب أو الأزمات، لا يعكس بقدر ما يُظن تجاهلًا للظروف الراهنة، بل يجسد منطقًا في الحكم يمنح «السلطة السياسية» و«الحفاظ على الهوية الأيديولوجية» أولوية على الاعتبارات قصيرة الأجل الرامية إلى كسب رضا الرأي العام. وفي هذا الإطار، لا يُعد الضبط الاجتماعي سياسة ظرفية أو مؤقتة، بل يُنظر إليه بوصفه جزءًا من عملية إعادة إنتاج النظام السياسي وترسيخه.
ومع ذلك، تُظهر تجارب العديد من الدول أن رأس المال الاجتماعي والثقة العامة في أوقات الأزمات لا يقلان أهمية عن القدرات العسكرية والاقتصادية. فكلما شعر المواطنون بأنهم حاضرون في عملية صنع القرارات الكبرى، وأن أنماط حياتهم أقل تعرضًا للقيود، ازدادت احتمالات دعمهم للسياسات الوطنية والتفاعل الإيجابي معها.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الجمهورية الإسلامية لا يتمثل فقط في الاختيار بين «الضبط» و«الحرية»، وإنما في إيجاد نقطة توازن بين الحفاظ على الهوية السياسية وتعزيز التماسك الاجتماعي؛ وهو توازن كان من الممكن، لو توافرت العقلانية في مستويات صنع القرار العليا، أن يؤدي دورًا حاسمًا في تحديد قدرة الدولة على الصمود في مواجهة أزمات المستقبل. غير أن المؤشرات الظاهرة توحي بأن الجمهورية الإسلامية لا تزال تُعلي من نهج السلطوية وسياسة الضبط، وتمنحهما الأفضلية.
ـــــــــــ
ترجمة مقال بعنوان تداوم کنترل اجتماعی در میانه بحران؛ منطق سیاستگذاری جمهوری اسلامی چیست؟، بالعربية: ” استمرار الرقابة الاجتماعية في ظل الأزمات: ما هو المنطق الكامن وراء صنع السياسات في الجمهورية الإسلامية؟”. نقلتها من الفارسية إلى العربية د. أسماء أمين.