من يتابع الصحافة الإيرانية والنقاشات الاقتصادية قد يتساءل كيف تستمر هذه الأزمات في بلد يشرحه أبناؤه بهذا القدر من الدقة؟ فالمقترحات تتناول إصلاح البنوك، وتوحيد سعر الصرف، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه، وتقليل الاحتكارات، وتحسين العلاقات مع الجيران، ويشارك في طرح هذه المقترحات أساتذة جامعات ومسؤولون سابقون يعرفون مؤسسات الدولة من الداخل، ومع ذلك نرى أن النتيجة النهائية أنهم يعرفون الحلول ولا يطبقونها، على الرغم من أن إيران فقد طبقت بعض الإصلاحات بالفعل، لكن التنفيذ جاء أحيانًا جزئيًا أو افتقد شروط النجاح أو أنتج مشكلات دفعت إلى التراجع عنه، فلماذا إذن لا يتحول تشخيص المشكلة ومعرفة حلها في إيران إلى قرار قابل للاستمرار؟
خبرات كثيرة وقرارات متفرقة
تكاد الصحف الإيرانية تطرح يوميًا مقترحات لمعالجة الأزمات الاقتصادية، من إصلاح البنوك والضرائب إلى توحيد سعر الصرف وإعادة توزيع الدعم والحد من الاحتكار ويكشف تكرار هذه المناقشات عن وفرة الخبرات ووضوح كثير من المشكلات لدى المتخصصين، لكنه يثير أيضًا سؤالًا عن أسباب بقاء توصياتهم دون تنفيذ.
تناول مركز “تمكين الحكم والمجتمع” في إيران هذه الفكرة في مقال بتاريخ ١٥ سبتمبر 2026م، بعنوان “انتشار الفساد في ظل تضارب المصالح” وأوضح المقال أن كثيرًا من الاقتصاديين يعدون تضارب المصالح سببًا رئيسيًا لتعطل الإصلاح الاقتصادي في إيران، إذ قد تتعارض مصالح أصحاب النفوذ قصيرة الأجل مع مصلحة المجتمع على المدى الطويل.
وفي صحيفة “شرق” طُرح بعد آخر يتعلق بثقة المواطنين وعدالة توزيع الأعباء إذ يصعب إقناع الناس بتحمل تكلفة الإصلاح إذا لم يطمئنوا إلى أن منافعه ستصل إليهم، وهكذا تمتد المناقشات داخل إيران من اقتراح الحلول إلى تفسير المصالح والمخاوف التي تعوق تطبيقها.
وأوضح مثال هو “رسالة الأربعين” التي نشرتها وكالة تسنيم في نوفمبر ٢٠٢٥م، التي جاءت بتوقيع اقتصاديين وباحثين ومسؤولين سابقين بينهم وزير الاقتصاد السابق إحسان خاندوزي، ومحافظ البنك المركزي الأسبق محمود بهمني، ونائبته السابقة للشؤون النقدية الأجنبية مينو كياني راد.
وتناولت الرسالة صراحة لماذا تستمر الأزمات رغم كثرة القوانين والخطط وأرجعت جانبًا من المشكلة إلى تداخل الصلاحيات وتعدد جهات الرقابة وتعارض المصالح، وتكمن أهمية الأسماء في أن أصحابها يعرفون صعوبات التنفيذ من مواقع المسؤولية لكنها تفتح أيضًا سؤالًا ضروريًا: ما الذي منع هذه الخبرات من تحقيق التغيير عندما كانت تملك جزءًا من السلطة؟!
يبدأ الجواب من أن امتلاك جزء من السلطة لا يعني امتلاك القرار كاملًا، فتوحيد الصرف يحتاج إلى تنسيق البنك المركزي مع الحكومة والجهات المسؤولة عن الاستيراد والدعم، وقد تؤيد مؤسسة الإصلاح ثم تعترض حين يتطلب خفض ميزانيتها أو التخلي عن صلاحية تملكها، والمفارقة أن رسالة الأربعين اقترحت تنسيقًا مركزيًا أقوى مع انتقادها قصور ترتيبات التنسيق القائمة، لذلك فإن إضافة مجلس جديد لا تكفي ما لم يتحدد من يحسم الخلاف ومن ينفذ ومن يُحاسب على التأخير وإلا أصبح تعدد المشاركين وسيلة لتوزيع المسؤولية حتى يصعب تحديد صاحبها.
الحل الجيد يفرض خسائر لا يقبلها الجميع
تكشف قضية سعر الصرف لماذا يبدو الحل واضحًا ثم يتعقد تنفيذه، ففي مناقشة بثتها وسائل الإعلام الإيرانية عام ٢٠٢١م، دافع نائب وزير الاقتصاد “هادي قوامي” عن تحويل نفع الدولار المدعوم إلى المستهلك كانت الفكرة أن تمنح الدولة المستورد دولارًا رخيصًا، فيستورد الغذاء أو الدواء بتكلفة أقل، لكن الفارق بين السعر المدعوم وسعر السوق يفتح بابًا لتحقيق أرباح خاصة إذا لم تصل المنفعة إلى المشتري، والحل المقترح هو دعم المواطن مباشرة غير أن تنفيذه يحتاج إلى معرفة المستحقين وضمان وصول التعويض ومراقبة الأسعار وتوفير تمويل مستمر.
ففي عام ٢٠٢٢م، قررت الحكومة إلغاء الدولار المدعوم بسعر ٤٢٠٠ تومان لاستيراد عدد من السلع الأساسية، وكانت الفكرة أن تتوقف عن منح المستوردين دولارًا رخيصًا وأن توجه الدعم إلى المواطنين لتعويضهم عن ارتفاع الأسعار، لكن شراء المستوردين الدولار بسعر أعلى زاد تكلفة السلع، وبلغ ارتفاع الأسعار في شهر مايو نحو ١٢٫٢٪ مقارنة بالشهر السابق، وهذا يوضح صعوبة الظروف التي صاحبت تنفيذ القرار، وبحلول إبريل ٢٠٢٣م كان البنك المركزي يدافع عن توفير الدولار بسعر مدعوم آخر قدره ٢٨٥٠٠م تومان لاستيراد سلع ضرورية.
تكشف التجربة المأزق الذي واجهته الدولة وهي أن الدولار الرخيص يساعد على خفض تكلفة الاستيراد لكنه لا يضمن وصول الدعم إلى المواطن وإلغاؤه يرفع الأسعار، لذلك لا يكفي اتخاذ قرار بإلغاء الدعم بل يجب ضمان وصول المساعدة إلى الناس وحمايتها من الغلاء.
وينطبق ذلك على الطاقة، ففي نوفمبر ٢٠١٩م حُدد سعر البنزين عند ١٥٠٠م تومان للحصة المدعومة وقدرها 60 لترا في الشهر و٣٠٠٠ تومان لما يتجاوزها، لكن زيادة السعر لا تعني أن المواطن يستطيع الاستغناء عن البنزين أو تقليل استخدامه، فمن يعتمد على سيارته للوصول إلى عمله سيضطر إلى دفع المزيد إذا لم تتوافر مواصلات عامة مناسبة، لذلك لا يصح اعتبار كل اعتراض على رفع الدعم دفاعًا عن امتيازات فهناك مواطنون يخشون العجز عن تحمل نفقاتهم الضرورية، ويحتاج نجاح الإصلاح إلى التمييز بين الحالتين وتوفير بدائل وتعويضات لمن يتضررون.
عندما يصطدم الحل الاقتصادي بالحسابات الأمنية
يكشف الجدل الإيراني حول التعاملات المصرفية الدولية أن الدعوة إلى توسيع التجارة مع الجيران تصطدم أحيانًا بشروط تختلف مؤسسات الدولة على قبولها، ففي مايو ٢٠٢٥م، طالب رئيس غرفة التجارة الإيرانية “صمد حسنزاده” بإقرار اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب المعروفة اختصارًا بـCFT، للمساعدة في معالجة وضع إيران لدى مجموعة العمل المالي FATF، الجهة التي تضع معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والمشكلة بالنسبة للتاجر بسيطة الاتفاق على بيع البضائع لا يكفي إذا تعذر تحويل ثمنها عبر البنوك، أو احتاج التحويل إلى وسطاء يرفعون التكلفة، لذلك ينظر المطالبون بتسوية الملف إلى القواعد المالية باعتبارها جزءًا من البنية اللازمة للتجارة حتى مع الدول الصديقة.
لكن الملف يتصل أيضًا بحسابات الأمن والسياسة الخارجية، ويكشف مقال نشره مركز المعلومات المالية الإيراني في يناير ٢٠٢٥م، أن التحفظات المقترحة على الاتفاقيات شملت حماية معلومات المعاملات التي قد تستخدم لفرض عقوبات، والاحتكام إلى المجلس الأعلى للأمن القومي في تحديد الجماعات الإرهابية، هنا يتضح جوهر الخلاف الاقتصادي الذي يريد معاملات شفافة تقبلها البنوك بينما يخشى المعترض أن تكشف الشفافية قنوات تستخدمها الدولة لتجاوز العقوبات أو تقيد علاقاتها بحلفائها.
لا يعني قبول المعايير المالية رفع العقوبات الأمريكية ولذلك يدور النزاع أيضًا حول مقدار المكاسب الممكنة مقابل الالتزامات المطلوبة فالأطراف تعرف المشكلة لكنها تختلف في تحديد الخطر الذي ينبغي تحمله.
وقد وافق مجمع تشخيص مصلحة النظام على الانضمام المشروط إلى اتفاقية CFT في أكتوبر ٢٠٢٥م، ومع ذلك سعى نواب بعد الموافقة إلى إلزام الحكومة بالامتناع عن تسليم وثائق قبول الاتفاقية، ولم يحصل طلبهم للنظر العاجل على الأغلبية اللازمة، وتكشف الواقعة أن صدور الموافقة لا ينهي الخلاف، فقد ينتقل الاعتراض إلى إجراءات التنفيذ. وهذا مثال مباشر على الفجوة التي تعانيها إيران فقد تستطيع جهة اعتماد حل تراه مفيدًا اقتصاديًا، بينما تحاول جهة أخرى تعطيله لحسابات مختلفة.
خاتمة
لا تعاني إيران غياب الخبراء بقدر ما تواجه صعوبة تحويل المعرفة إلى التزام مشترك بين مؤسساتها وقواها المؤثرة. وتكشف الأمثلة ثلاثة أنواع من التعثر وهي:
1ــ قرار تتنازع عليه الجهات.
2ــ إصلاح تنقل تكلفته إلى المجتمع قبل توفير الحماية.
3ــ توجه خارجي يحتاج إلى استجابة لا تملكها طهران وحدها.
ولهذا تقاس جدية أي مقترح بقدرته على تحديد من سينفذه، ومن سيخسر منه، وكيف ستوزع الأعباء وتراقب النتائج، فالتشخيص الدقيق بداية ضرورية، لكن تطبيقه يتطلب قبول أصحاب السلطة والمصلحة بتغيير قد يحد من امتيازاتهم، ويحملهم مسؤولية واضحة عن النجاح والفشل.