خصص عالم الاجتماع الإيراني الدكتور علي ميرزامحمدي افتتاحية صحيفة “آرمان امروز” الإصلاحية يوم الأحد 18 أكتوبر 2026م، للحديث عن المنجز العلمي والسيرة الأكاديمية للدكتور محمد محسن أبو النور.
إلى نص المقالة:
من قلب القاهرة إلى قلب طهران
ترجمة لمقال علي ميرزامحمدي المنشور في صحيفة “آرمان امروز”
افتتاحية صحيفة “آرمان امروز” 26 مهر 1405 هـ. ش. الموافق 18 أكتوبر 2026
بقلم: علي ميرزامحمدي
“أحيطكم علمًا بأنني درست اللغة الفارسية في جامعة العلامة الطباطبائي، وأبعث إليكم بمودتي وتقديري الدائمين من قلب القاهرة إلى قلب طهران”.
استُوحي عنوان هذه المقالة من الجملة الختامية لرسالة مفعمة بالمودة، بعث بها الدكتور محمد محسن أبو النور، الباحث المصري البارز، إلى كاتب هذه السطور.
تعود تفاصيل هذه الحكاية إلى وقت قريب، حينما صادفت، في أثناء تفحّصي قائمة متابعي قناتي المتخصصة على تطبيق “تلجرام”، التي أعيد نشر مقالاتي فيها والمنشورة في الصحف الإيرانية المرموقة، اسمًا مألوفًا في ميدان الدراسات الإقليمية، وقد شكّل حضوره على هذه المنصة الافتراضية منطلقًا لحوار فكري ومراسلات ودية مباشرة، تجاوزت حدود المجاملات المألوفة، لتفتح نافذة تطل على المنظومة الفكرية للنخب المصرية المعاصرة.
وخلال هذا الحوار، تنبّهت أيضًا إلى حضور زميلة أخرى للدكتور أبو النور، هي الدكتورة خلود يعقوب، الأستاذة المشاركة في اللغة الفارسية بجامعة القاهرة، ووفقًا لما أفادت به، فقد نشرت هذه الأستاذة عددًا من مقالاتي المنشورة في الصحف الإيرانية، مترجمةً إلى العربية، في دوريات مصرية مختلفة.
وانطلاقًا من هذه المقدمة، تتيح هذه المقالة مجالًا لطرح سؤال محوري: كيف تنظر النخب العربية ومراكز التفكير الإقليمية إلى التحولات البنيوية والسلوك الإستراتيجي لإيران، في أعقاب العواصف التي أعقبت المواجهات واسعة النطاق؟ ومن أي منظور تقرأ هذه النخب تلك التحولات؟
لقد أظهرت لي قراءة الدراسات والمقالات التي أرسلها هذا الأستاذ المصري كيف يمكن تجاوز ضباب التصورات الاختزالية التي تروّج لها وسائل الإعلام الغربية، والانتقال إلى فهم ظاهراتي وبنيوي لمعادلات القوة.
وشائج الثقافة واللغة بين مصر وإيران
قبل الولوج إلى الممرات الضيقة للسياسة، يجدر بنا استحضار أواصر القربى العريقة بين الثقافتين واللغتين، فمصر، في الوعي الإيراني ووجدانه اللغوي، لم تكن يومًا أرضًا غريبة أو مجرد كيان سياسي في شمالي إفريقيا، بل تحتل مصر، في اللاوعي الجمعي والأدب الفارسي، مكانة مركزية بوصفها موطنًا للجمال والحكمة ورمزًا للتحرر من الاغتراب، بدءًا من صورة “يوسف المفقود” في غزليات حافظ الشيرازي، مرورًا بالقصة العِبَرية لكنعان، وصولًا إلى حلاوة الشعر الفارسي التي تطرب لها بلابل الهند وأدباء النيل على السواء.
وتشهد رحلة ناصر خسرو قبادياني، في القرن الخامس الهجري، على ما أثارته مدنية القاهرة الزاهرة في العصر الفاطمي من دهشة وإعجاب لدى المفكر الإيراني، وحتى في العصر الحديث، فإن اقتران أشعار حافظ بألحان أم كلثوم السماوية، وصدح صوت عبد الباسط عبد الصمد العذب فوق مآذن العالم الإسلامي، يذكّران بحقيقة راسخة مفادها أن نهرًا من التعاطف والتآلف ظل يجري على الدوام بين الهضبة الإيرانية ووادي النيل.
وحين يكتب باحث مصري، بالقدر ذاته من الأدب والسكينة الحضارية: “أبعث بمودتي من قلب القاهرة إلى قلب طهران”، فإن أصداء هذا الإرث الممتد آلاف السنين تتردد بوضوح في مفرداته.
التعريف العلمي بالدكتور محمد محسن أبو النور ومنتدى “أفايب”
يُعد الدكتور محمد محسن أبو النور مرجعًا بارزًا في دراسات الشرق الأوسط وإيران في العالم العربي، وهو مؤسس ورئيس “المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية”، المعروف اختصارًا باسم “أفايب”، كما أنه عضو في المجلس المصري للشؤون الخارجية، واتحاد المؤرخين العرب، والجمعية المصرية للدراسات التاريخية.
وبعد حصوله على درجتي الماجستير والدكتوراة في الدراسات الإيرانية من جامعة الأزهر، أتقن اللغة الفارسية بصفته طالبًا زائرًا في جامعة العلامة الطباطبائي بالعاصمة طهران، وهو رصيد معرفي أضفى على تحليلاته قدرًا استثنائيًا من الدقة في استقراء المصادر الإيرانية الأصلية.
وتتجلى ذروة جهوده البحثية في كتابه القيّم “الاتحادية والباستور.. العلاقات المصرية الإيرانية من عبد الناصر إلى بزشكيان”، الذي يقدم سردًا تاريخيًا موثقًا للتفاعلات بين قصر الاتحادية، مقر الرئاسة المصرية، ومركز الحكم الإيراني في شارع باستور.
كما أسهم كتابه ذي الطابع السيري والتحليلي “طريق إلى إيران”، إلى جانب أبحاثه المتعددة المنشورة في مجلة “السياسة الدولية”، ومؤسسات بحثية وإعلامية، من بينها “الأهرام” و”المسبار”، في ترسيخ مكانته صوتًا يتسم بالإنصاف والواقعية.
استعراض أحدث تحليلات الدكتور أبو النور
الجغرافيا السياسية لإيران في ميزان القاهرة: بين “العزلة الإستراتيجية” و”الاعتزاز الحضاري”
يتمثل أحد أعمق أبعاد مقاربة أبو النور في قراءته للسلوك الإقليمي لطهران من منظور يجمع بين الجغرافيا والتاريخ وعلم النفس الجمعي، فهو يوضح أن السياسة الخارجية الإيرانية تشكّلت في سياق مفارقة تاريخية تجمع بين “العزلة الإستراتيجية” و”الاعتزاز الحضاري”.
أولًا: العزلة الجغرافية
أسهم موقع الهضبة الإيرانية، على امتداد التاريخ، في ترسيخ شعور بالعزلة الدفاعية وانعدام الثقة التاريخي بالتحالفات الخارجية، في ظل تعرض البلاد لهجمات من محيطها الجغرافي، وافتقارها إلى حواجز طبيعية منيعة تحول دون الاختراق.
ثانيًا: الاعتزاز الحضاري
أفضت الذاكرة التاريخية لأمة عريقة إلى ترسيخ اعتقاد لدى النخب الإيرانية بأن الاضطلاع بدور فاعل في العمق الإقليمي يمثل حقًا طبيعيًا وضمانة أساسية لبقاء الدولة.
وقد أسهم هذان العاملان في إعادة إنتاج ظاهرة يمكن تسميتها “التنشئة الأمنية”، ومفادها أن الإيرانيين سعوا إلى تأمين أمنهم خارج حدودهم الرسمية، سواء في عهد الدولة البهلوية، من خلال أدوات التحديث، أو في عهد الجمهورية الإسلامية، عبر شبكة الحلفاء الإقليميين.
ويوضح أبو النور أن التطورات الإقليمية العاصفة، منذ أكتوبر 2023م، وصولًا إلى التحولات التي شهدتها دمشق وبيروت، لم تؤدِّ، خلافًا للتقديرات الغربية السطحية، إلى انهيار بنية الحكم في إيران، إذ حالت الشبكة المؤسسية والقدرة على الصمود الاجتماعي دون حدوث تصدع في تماسك الدولة، وتمكنت طهران، من خلال إعادة ضبط عقائدها الدفاعية والصاروخية، من الحفاظ على قدرتها الردعية.
الملفات الإقليمية الساخنة
ترسم التحليلات الإستراتيجية للدكتور محمد محسن أبو النور تمييزًا واضحًا بين الخطاب السياسي التصعيدي والبراجماتية العقلانية في السلوك الإيراني.
اتفاق الحدود بين لبنان وإسرائيل
إن قبول الإطار الاتفاقي المؤلف من 14 بندًا بين بيروت وتل أبيب، بوساطة واشنطن، عُدّ من جانب إيران محاولةً للتأثير في ميزان القوى، ومع ذلك، اختارت طهران، مراعاةً للواقع الاقتصادي واستنادًا إلى قنوات الاتصال التي أتاحتها الوساطة الباكستانية والقطرية، انتهاج مقاربة مرنة قائمة على الحسابات الدقيقة، بدلًا من الانخراط في مواجهة مباشرة، بهدف الحفاظ على نفوذها السياسي بأقل تكلفة ممكنة.
مضيق هرمز والنمط الجديد للاحتواء
إن تعليق المشروع الأمريكي المعروف باسم “مشروع الحرية”، الرامي إلى فرض رقابة على الملاحة في الخليج العربي، عقب المناورات الردعية الإيرانية، لا يمثل مؤشرًا على إحلال سلام شامل، ولا على العودة إلى الحرب، بل يعكس، وفقًا لهذه القراءة، نشوء نمط من “الردع المتبادل المنضبط بقواعد”.
وفي إطار هذا النمط، تتقدم استقرار أسواق الطاقة إلى صدارة الأولويات.
الحدود الشمالية الغربية والقوقاز
في ما يتعلق بالتحركات الاستخباراتية الإسرائيلية في جمهورية أذربيجان، يجادل أبو النور بأن المساعي الخارجية الرامية إلى تأجيج الانقسامات العرقية في أذربيجان الإيرانية محكوم عليها بالإخفاق، لأن الأذربيجانيين الأتراك يشكلون ركيزة أساسية من ركائز الهوية الإيرانية وتاريخها ووجدانها الروحي، ولأن هذه الرابطة الحضارية عصية على التفكك.
المصالح المشتركة: لماذا تسعى القاهرة إلى إرساء توازن مستدام مع طهران؟
قد يتساءل القارئ الإيراني عن الأسباب التي تدفع النخب المصرية إلى متابعة مسار التحولات في إيران بهذه الدرجة من التدقيق، وتكمن الإجابة في إدراك واقعي لمقتضيات المصلحة الوطنية المصرية.
الحيلولة دون الهيمنة الإسرائيلية الأحادية
تدرك مصر جيدًا أن إقصاء إيران من معادلة القوة الإقليمية أو انهيار قدراتها سيمنح تل أبيب المجال لفرض هيمنة مطلقة على المنطقة بأسرها، وهو وضع من شأنه أن يقوض بشدة الأمن القومي المصري في سيناء، فضلًا عن إضعاف موقع مصر في العالم العربي.
الحيوية الاقتصادية لقناة السويس والبحر الأحمر
إن أي تصعيد في الخليج العربي ومضيق هرمز ينعكس مباشرة على حركة العبور التجاري في البحر الأحمر، ويهدد إيرادات قناة السويس، التي تمثل موردًا بالغ الأهمية للاقتصاد المصري، ومن ثم، فإن استقرار الخليج العربي يمثل شرطًا أساسيًا لاستمرار النشاط الاقتصادي المصري.
دبلوماسية التوازن المرن
في ظل الانتقال إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، تحتاج القاهرة إلى إقامة قنوات اتصال متعددة الأطراف، وإدارة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الفاعلة، وتمثل إيران إحدى الركائز الأساسية التي يمكن أن يستند إليها هذا التوازن.
خاتمة: نحو هندسة إقليمية للسلام
إن إعادة قراءة تحليلات النخب الفكرية، وفي مقدمتها تحليلات الدكتور محمد محسن أبو النور، تذكّرنا بأن الطريق إلى سلام مستدام في الشرق الأوسط يمر عبر الفهم الحقيقي للهواجس الأمنية المتبادلة، واحترام المكانة التاريخية لكل طرف.
كما أن مد جسور التواصل بين الجامعات في طهران والقاهرة، وإطلاق حوارات مباشرة بين النخب الفكرية، يمثلان ترياقًا لسوء الفهم المتراكم على مدى العقود الماضية.
وحين تنطلق الحوارات من صميم الوجدان، وتحمل عبارة “من قلب القاهرة إلى قلب طهران”، يصبح من الممكن التعويل على أن حضارتي النيل والبرز العريقتين ستتمكنان، بدلًا من الاكتفاء بمراقبة الصراعات المفروضة عليهما، من وضع أسس راسخة للأمن والتعايش والتنمية المشتركة في المنطقة.
المصادر والمراجع
1ــ أبو النور، محمد محسن، يناير 2025، الاتحادية والباسْتور.. العلاقات المصرية الإيرانية من عبد الناصر إلى بزشكيان، القاهرة، دار جسور للنشر والتوزيع.
2ــ أبو النور، محمد محسن، صيف 2026م، مقالات وتحليلات إستراتيجية حول الجغرافيا السياسية لإيران والترتيبات الأمنية الإقليمية، القاهرة، المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية “أفايب”.
رابط المقال الأصلي: صحيفة آرمان امروز

افتتاحية صحيفة “آرمان امروز” الإصلاحية يوم الأحد 18 أكتوبر 2026م، وقد خصصت للحديث عن المنجز العلمي والسيرة الأكاديمية للدكتور محمد محسن أبو النور، بقلم عالم الاجتماع الإيراني الدكتور علي ميرزا محمدي.