في وقت يضع فيه الرئيس الأمريكي، ضمن أجندته، التهديد بقصف عُمان، وصولًا إلى الادعاء بملكية الولايات المتحدة لمضيق هرمز، تقدم استطلاع مشترك أجرته “رويترز / إبسوس” خلال الفترة من 14 إلى 17 أغسطس 2026م، صورة واضحة عن عمق استياء الرأي العام الأمريكي من أداء ترامب تجاه إيران.
وقد أظهر الاستطلاع أن 27 بالمئة فقط من الأمريكيين يؤيدون أداء ترامب في الملف الإيراني، مقابل 61 بالمئة يعارضونه بشدة. وبين الناخبين المسجلين، بلغت نسبة التأييد 30 بالمئة مقابل 62 بالمئة يعارضون أداءه.
سياسة ترامب بلا إستراتيجية
كان مرداد 1405 (يوليو ــ أغسطس 2026م) شهرًا حافلًا بالتناقضات في السياسة الخارجية لترامب تجاه إيران. ففي مطلع الشهر، أفادت تقارير بأن ترامب أرجأ مؤقتًا “خطة تصعيد عسكري كبيرة” ضد إيران.
وفي الوقت الذي دعت فيه السعودية إلى خفض التوتر، طالبت الإمارات باتخاذ إجراء عسكري أكثر حسمًا، وادعى ترامب أنه ألغى الهجوم لأن إيران ودولًا أخرى في المنطقة طلبت مهلة لاستكمال ترتيبات السلام، فيما وصفت مصادر إيرانية هذا الادعاء بأنه “كذب”.
وبعد أيام، حذر الرئيس الأمريكي، في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، إيران من أنها “ستتعرض لضربة قاسية” إذا لم يُفتح مضيق هرمز قريبًا. وفي 17 أغسطس، وهو اليوم الأخير للاستطلاع، هدد ترامب بتسوية العاصمة العُمانية مسقط بالأرض إذا وقفت عُمان في طريق الولايات المتحدة، كما طالب إيران برفع الراية البيضاء والاستسلام.
وقد رسخت هذه التقلبات، بين التهديد بالحرب والتراجع والتفاوض المحدود ثم العودة إلى التهديد، صورة رئيس غير مستقر ويفتقر إلى إستراتيجية واضحة في أذهان الأمريكيين. ويظهر الاستطلاع أن ترامب يحظى بنسبة تأييد تبلغ 31 بالمئة في مجال السياسة الخارجية للولايات المتحدة، إلا أن النسبة تنخفض إلى 27 بالمئة عند الحديث عن الملف الإيراني، أي أن أداء ترامب في التعامل مع إيران ومضيق هرمز يُقيَّم بصورة أسوأ حتى من متوسط أدائه الضعيف في السياسة الخارجية.
وفي أوساط الجمهوريين، تبلغ نسبة تأييد أداء ترامب في الملف الإيراني 66 بالمئة، مقابل 84 بالمئة في ملف الهجرة، و82 بالمئة في مكافحة الجريمة، و70 بالمئة في الاقتصاد، وهذا يعني أن الملف الإيراني يمثل، حتى داخل حزبه، أحد أضعف ملفات أداء ترامب.
تكلفة على عاتق المواطن الأمريكي
تكشف أهم نتائج الاستطلاع أن الملف الإيراني لا يمكن فصله عن القضايا الاقتصادية التي تشغل المواطن الأمريكي، فعندما سُئل المشاركون عن أهم عامل في قرارهم بشأن التصويت في انتخابات الكونجرس المقررة في نوفمبر”، أجاب 48 بالمئة بأن تكلفة المعيشة هي العامل الأهم، مقابل 12 بالمئة للهجرة و5 بالمئة لمكافحة الجريمة.
وفي الوقت نفسه، حصل أداء ترامب في ملف تكلفة المعيشة على تأييد 23 بالمئة فقط مقابل 70 بالمئة رفضوا أداءه. كما بلغت نسبة التأييد لأدائه في ملف التضخم وارتفاع الأسعار 23 بالمئة مقابل 70 بالمئة من الرافضين.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عند وضعها في سياق التطورات التي شهدها مرداد 1405، فمضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أصبح عمليًا مغلقًا أمام ناقلات النفط.
ووفقًا لتقرير الوكالة الدولية للطاقة، يمثل ذلك أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية.
كما ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى 4.08 دولار للجالون، بزيادة قدرها 29 بالمئة مقارنة بالعام السابق. وفي تجمع انتخابي بمدينة جاردن سيتي في نيويورك، طالب ترامب الأمريكيين بأن يدفعوا مزيدًا قليلًا مقابل البنزين حتى لا تتمكن إيران من امتلاك سلاح نووي.
لكن نتائج الاستطلاع تشير إلى أن المواطنين الأمريكيين لا يتقبلون هذه الكلفة، فـ70 بالمئة يرفضون أداء ترامب في مجال تكلفة المعيشة، والنسبة نفسها ترفض أداءه في ملف التضخم. وهكذا تحولت سياسة الضغط الأقصى التي كان يفترض أن تضع إيران تحت الضغط إلى مصدر ضغط مباشر على جيوب الأمريكيين.
فشل في الإقناع.. حتى الجمهوريون مترددون
ربما يمثل تقييم الجمهوريين لأداء ترامب في الملف الإيراني أكثر أجزاء الاستطلاع إثارة للانتباه. ففي الوقت الذي يؤيد فيه 84 بالمئة من الجمهوريين أداءه في ملف الهجرة و82 بالمئة في ملف الجريمة، لا تتجاوز نسبة تأييدهم لأدائه تجاه إيران 66 بالمئة.
ويعني ذلك، أن أكثر من ثلث الجمهوريين، وهم القاعدة الانتخابية الأكثر ولاءً لترامب، إما غير راضين عن نهجه تجاه إيران أو لا يؤيدونه.
ويظهر هذا التباين أيضًا في سؤال: أي الحزبين لديه برنامج أفضل؟! ففي مجال الحروب والصراعات الخارجية أو الإرهاب، يرى 34 بالمئة من الأمريكيين أن الديمقراطيين أفضل، مقابل 31 بالمئة للجمهوريين. وفي مجال القيم والمعايير الديمقراطية، يتقدم الديمقراطيون بنسبة 38 بالمئة مقابل 26 بالمئة للجمهوريين.
وبالتالي فإن هذه النتائج تتصل بصورة مباشرة بالقضايا المرتبطة بسلوك ترامب تجاه إيران، بما في ذلك الأحادية والتهديد بالحرب وتجاهل المعايير الدولية، وهي قضايا يرى الأمريكيون أن الديمقراطيين أكثر قدرة على التعامل معها.
جرس إنذار في انتخابات التجديد النصفي
ربما يمثل مستوى حماس الناخبين أحد أكثر المؤشرات إثارة للقلق بالنسبة إلى فريق ترامب. فـ53 بالمئة من الديمقراطيين يقولون إنهم متحمسون جدًا للتصويت في انتخابات الكونجرس لعام 2026، مقابل 24 بالمئة فقط من الجمهوريين.
أما إجمالي الذين يقولون إنهم متحمسون للتصويت، سواء بدرجة كبيرة أو إلى حد ما، فيبلغ 53 بالمئة بين الديمقراطيين مقابل 44 بالمئة بين الجمهوريين.
وقد يكون هذا الفارق البالغ تسع نقاط مئوية في الحماس للتصويت، في ظل إعلان 41 بالمئة من الناخبين المسجلين أنهم يميلون إلى التصويت للديمقراطيين مقابل 36 بالمئة للجمهوريين، مؤشرًا على احتمال تعرض الحزب الجمهوري لخسارة كبيرة في انتخابات نوفمبر المقبل.
عليه فإن سياسة ترامب تجاه إيران، بما تفرضه من تكاليف اقتصادية مباشرة على الأمريكيين وما تعكسه من حالة عدم استقرار على الساحة الدولية، تمثل أحد العوامل التي تفسر تراجع الحماس للتصويت، فالجمهوريون الذين يشاهدون تراجع ترامب المتكرر عن تهديداته العسكرية، وعدم قدرته على إعادة فتح مضيق هرمز، وارتفاع أسعار البنزين، قد لا يجدون حافزًا قويًا للدفاع عن سجله.
آخر أوراق ترامب للخروج من مأزق إيران
ترسم أرقام استطلاع “رويترز / إبسوس” صورة واضحة، لفشل إستراتيجية ترامب تجاه إيران. فقد بلغت نسبة عدم التأييد 61 بالمئة بين إجمالي السكان، و65 بالمئة بين المستقلين، مقابل 25 بالمئة فقط بين الجمهوريين.
وفي الوقت نفسه، يعارض 70 بالمئة من الأمريكيين أداء ترامب في ملف تكلفة المعيشة والتضخم، بينما يرى 48 بالمئة أن تكلفة المعيشة هي العامل الأهم في قرارهم الانتخابي.
وتأتي هذه النتائج في وقت لا يزال فيه مضيق هرمز مغلقًا، وارتفع فيه سعر البنزين بنسبة 29 بالمئة، بينما انتقل ترامب خلال شهر واحد من التهديد بشن هجوم عسكري واسع إلى التراجع ثم العودة إلى التهديد من جديد، من دون ظهور مؤشرات واضحة على استسلام إيران أو عودتها إلى المفاوضات بالشروط التي يطرحها ترامب.
وفي ظل هذه الظروف، فإن الرئيس الأمريكي، الذي طالما تحدث عن وجود مؤامرة كبرى تستهدفه، قد يلجأ إلى ما يسميه لعب دور الضحية، بل وحتى إلى سيناريو عملية الراية الكاذبة (False Flag).
إن هذا نمطا مألوفا؛ فعندما لا يمتلك السياسي إنجازًا يقدمه، فإنه يلقي مسؤولية الإخفاق على أعداء داخليين أو خارجيين، ويتحدث عن وجود مؤامرة، ويقدم نفسه ضحية للدولة العميقة أو وسائل الإعلام الكاذبة أو الديمقراطيين الخونة أو النفوذ الإيراني والصيني.
وفي حال تصاعد الضغوط الشعبية، فإن ترامب قد يلجأ حتى إلى سيناريو اغتيال مُدبَّر أو هجوم بالوكالة يُنسب إلى إيران أو الصين أو حتى الديمقراطيين، لتحقيق عدد من الأهدافن وهي كالتالي:
1ــ صرف انتباه الرأي العام عن الإخفاقات الاقتصادية وإعادة أجواء الحرب إلى صدارة الأخبار.
2ــ حشد القاعدة الجمهورية التي تفتقر إلى الحماس، ولا سيما نسبة الـ24 بالمئة الذين يقولون إنهم متحمسون جدًا للتصويت، ودفعهم إلى صناديق الاقتراع تحت شعار الدفاع عن الرئيس في مواجهة العدو.
3ــ توفير مادة لوسائل الإعلام الموالية لترامب، بهدف استبدال رواية ترامب العاجز أمام إيران برواية ترامب الضحية المستهدف بالاغتيال.
4ــ وضع الديمقراطيين في موقف دفاعي، واتهامهم بالضعف أمام الإرهاب.
ويشير الاستطلاع إلى أن 53 بالمئة من الديمقراطيين يعتزمون التصويت بحماس كبير، مقابل 24 بالمئة فقط من الجمهوريين، كما أن هذا الفارق البالغ 29 نقطة مئوية يمثل أزمة انتخابية بالنسبة إلى ترامب.
ويمكن لسيناريو لعب دور الضحية أو الاغتيال المُدبَّر أن يُستخدم لسد هذه الفجوة، من خلال خلق مشاعر الخوف والغضب والإحساس بأن البلاد محاصرة، بما قد يدفع الجمهوريين المترددين إلى المشاركة في الانتخابات.
ومع ذلك، يجب التحذير من أن مثل هذه اللعبة تنطوي على مخاطر كبيرة. فإذا اقتنع الرأي العام بأن عملية من هذا النوع كانت مُدبَّرة، أو حتى اعتبرها محاولة انتهازية عشية الانتخابات، فقد تأتي بنتيجة عكسية.
إن 65 بالمئة من الناخبين المستقلين، الذين يرفضون حاليًا أداء ترامب في الملف الإيراني، قد لا ينظرون إليه بوصفه ضحية في حال وقوع مثل هذا السيناريو، وإنما قد يرونه كاذبًا خطيرًا يستخدم الأمن القومي أداةً للدعاية الانتخابية لإنقاذ سجل سياسي متعثر.
وتحذر نتائج الاستطلاع، من أن أداء ترامب تجاه إيران أصبح من بين أضعف جوانب سجله السياسي. وأمام هذا المأزق، فإن ترامب أمام خيارين، إما إجراء تغيير جوهري في نهجه والاتجاه نحو دبلوماسية حقيقية، أو تصعيد المغامرة العسكرية وبناء رواية قائمة على المؤامرة.
ورغم أن الخيار الثاني قد ينجح على المدى القصير في تنشيط القاعدة الحزبية، فإنه سيؤدي، على المدى الطويل، إلى ترسيخ صورة ترامب بوصفه سياسيًا غير مستقر وغير جدير بالثقة في نظر الرأي العام.
وملخص ما أعلاه أن استطلاع أغسطس 2026 يظهر أن الأمريكيين لم يعودوا مستعدين لمثل هذه الألعاب السياسية، وأنهم يبحثون عن حلول حقيقية لمشكلة تكلفة المعيشة، وليس عن استعراض لدور رئيس يعاني مأزقًا سياسيًا.
ــــــــــــــــــــــــ
مقالة مترجمة من صحيفة “وطن امروز” (بالعربية: الوطن اليوم) للكاتب ماشاءالله ذراتی بعنوان “سیاست متناقض ترامپ در قبال ایران با نارضایتی افکار عمومی آمریکا روبهرو شده است.. شکست بیپایان ترامپ” (بالعربية: سياسة ترامب المتناقضة تجاه إيران تواجه استياء الرأي العام الأمريكي.. هزيمة ترامب بلا نهاية) منشورة في عدد الأربعاء ۲۸ مرداد ۱۴۰۵ هـ. ش. الموافق 19 أغسطس 2026م.
