تعمدت إيران توجيه ضربات متتالية إلى دولة الكويت أكثر من تلك التي نفذتها ضد أي دولة خليجية أخرى، ما يجعل الكويت هي المستقبل الأمثل للضربات الإيرانية ردًا على أي تصعيد عسكري أمريكي ضد عمقها، بسبب استمرار عملية إغلاق مضيق هرمز منذ بدء الحرب الأمريكية على إيران في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي، وهو ما جعل تساؤولات عدة تنطلق لإلقاء الضوء على الرؤية الاستراتيجية الإيرانية إزاء الاستهداف المتكرر للكويت على وجه التحديد.
تشير التقديرات الاستراتيجية الإيرانية إلى أنه بخلاف المملكة العربية السعودية أو دولة الإمارات العربية المتحدة، اللتين تمتلكان قدرات عسكرية أكبر وتحالفات إقليمية أوسع، فإن الكويت لا تملك من الناحية العسكرية القدرة على الرد بالمثل على إيران، كما أنها تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأمريكي. بجانب أن الهجمات الإيرانية التي استهدفت الكويت خلال الأيام الماضية تتجاوز كونها مجرد رد عسكري مباشر، إذ تنطوي على أبعاد معقدة ومتعددة المستويات.
وقد تضافرت مجموعة من العوامل العسكرية والجغرافية والاقتصادية والسياسية والنفسية، في تشكيل الوعي الاستراتيجي لإيران إزاء استهداف الكويت المتكرر، والتي يمكن تناولها على النحو الآتي:
1- قصر المسافة
تقع الكويت على مسافة تقل عن 200 كيلومتر من السواحل الإيرانية، وهو ما يجعلها هدفًا مثاليًا للصواريخ والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وعالية الفاعلية. وبذلك تستطيع إيران توجيه ضربات محسوبة ومؤثرة بكلفة عسكرية محدودة، من دون الحاجة إلى مواجهة الأسطول البحري الأمريكي القوي في الخليج العربي. ولهذا تُعد الكويت، وفق هذا التصور، “الهدف الأسهل” في الاستراتيجية الإيرانية.
2- الحضور العسكري الأمريكي
تستضيف الكويت أكثر من 13 ألف جندي أمريكي، إلى جانب قواعد عسكرية رئيسية مثل قاعدة علي السالم ومعسكر عريفجان. ومن خلال استهداف الكويت، تستهدف إيران فعليًا مركز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تتجنب مواجهة مباشرة مع البحرية الأمريكية، والتي قد تؤدي إلى رد مدمر. وبعبارة أخرى، تمثل الكويت حلقة وصل ونقطة ضعف في سلسلة الانتشار العسكري الأمريكي بالمنطقة.
3- البنية التحتية للمياه والطاقة
تعتمد الكويت في توفير أكثر من 90% من مياه الشرب على محطات تحلية المياه. وفي ظل درجات الحرارة المرتفعة للغاية خلال فصل الصيف، فإن استهداف هذه المنشآت يمكن أن يؤدي إلى تعطيل الحياة اليومية لملايين السكان.
ووفق هذا التحليل، تستخدم إيران ملف المياه كورقة ضغط، عبر استهداف إحدى أكثر نقاط الضعف حساسية في الكويت، لتوجيه رسالة مفادها أنه إذا تعرضت البنية التحتية الحيوية في إيران للاستهداف، فإن أمن جميع دول الجوار سيكون معرضًا للخطر.
4- تواضع القدرة على الرد
على خلاف المملكة العربية السعودية أو دولة الإمارات العربية المتحدة، اللتين تمتلكان قدرات عسكرية أكبر وتحالفات إقليمية واسعة، فإن الكويت لا تمتلك القدرة العسكرية الكافية للرد بالمثل على إيران، كما تعتمد بدرجة كبيرة على الحماية الأمريكية.
ويجعل هذا التفاوت في موازين القوة الكويت، بحسب هذا الطرح، خيارًا آمنًا لإيران لممارسة أقصى درجات الضغط من دون خشية من رد بري واسع النطاق.
5- رسالة إلى المنطقة بأكملها
من خلال تكثيف الهجمات على الكويت، تسعى إيران إلى إيصال رسالة إلى جميع دول الخليج العربي مفادها أن المظلة الأمنية الأمريكية ليست كاملة ولا منيعة. وحتى الكويت، التي احتفظت بعلاقات جيدة نسبيًا مع إيران ورفضت تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لن تكون بمنأى عن الاستهداف بسبب استضافتها للقوات الأمريكية. وتمثل هذه الرسالة تحذيرًا استراتيجيًا مفاده أن التعاون العسكري مع واشنطن قد يترتب عليه ثمن باهظ يتعلق بالأمن الداخلي لتلك الدول.
6- إحداث شرخ داخل التحالف الإقليمي
من خلال استهداف الكويت، تحاول إيران، إحداث انقسام بين الدول العربية المطلة على الخليج العربي. فقد انتهجت الكويت على الدوام سياسة أكثر توازنًا تجاه إيران، وتسعى طهران الآن إلى وضعها أمام خيار صعب: إما التخلي عن استضافة القوات الأمريكية، أو تحمل التكاليف الأمنية الباهظة المترتبة على تلك الاستضافة. كما أن هذا الضغط قد يدفع بقية دول المنطقة إلى إعادة النظر في علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة.
خاتمة
في المجمل، تسعى إيران، من خلال هذه الاستراتيجية متعددة الأبعاد، ومع تركيزها الخاص على الكويت، إلى فرض قواعد جديدة في المواجهة مع الولايات المتحدة. فالهجمات المكثفة على الكويت لا تُعد، وفق ما يورده المقال، مجرد رد عسكري، بل تمثل إعلانًا بأن أي استهداف للبنية التحتية الحيوية الإيرانية سيُقابل بهجمات مماثلة، وربما أشد، ضد الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة.
وترى المقالة أن طهران، من خلال استغلال نقاط الضعف الجغرافية والاقتصادية والسياسية للكويت، أضافت ورقة ضغط جديدة إلى معادلاتها العسكرية مع واشنطن، وفي الوقت نفسه نقلت جزءًا كبيرًا من الأعباء الأمنية إلى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. ويُنظر إلى هذا النهج باعتباره عاملًا من شأنه زيادة حدة التوترات، ووضع الكويت في موقع بالغ الحساسية، مع إضفاء مزيد من الغموض على مستقبل الاستقرار الإقليمي.
ــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة مقال منشور بصحيفة دنياي اقتصاد، بعنوان: ” چرا ایران به کویت بیشتر از کشورهای منطقه حمله می کند؟”، بالعربية: ” لماذا تهاجم إيران الكويت أكثر من بقية دول المنطقة؟”، والمنشور بتاريخ: 3 مرداد 1405 هـ.ش.