في شهر سبتمبر من العام 2022 (بالتقويم الفارسي: شهريور 1401 هـ. ش.)، شهد التقويم السياسي والاجتماعي الإيراني ولادة خطاب جديد انبثق من مأساة عميقة، لكنه سرعان ما تجاوز حدود الاحتجاجات التقليدية في الشوارع.
فعقب وفاة الفتاة الكردية الإيرانية مهسا (جينا) أميني أثناء احتجازها، اجتاحت حركة “المرأة، الحياة، الحرية” شوارع مدن إيرانية مختلفة، ولم تقتصر تداعياتها على المجال العام، وإنما هزت أعمق طبقات الوعي الجمعي والذهني للإيرانيين.
وقد عملت هذه الحركة بمثابة مرآة شاملة عكست التطلعات التاريخية لمجتمع ظل لسنوات يكافح بين تقاليد مفروضة ومؤسسية وبين موجة تحديث لا مفر منها، واليوم، وبعد مرور الوقت وتجاوز تقلبات الاحتجاجات في الشوارع، تبرز أهمية فهم وتحليل الإنجازات التي حققتها هذه الحركة بدقة، وتتبع آثارها المستمرة في أفق مستقبل إيران باعتبارها ظاهرة يصفها علماء الاجتماع بأنها ليست مجرد حدث عابر، وإنما صدع بنيوي وذهني وثقافي، يفصل التاريخ الإيراني المعاصر إلى مرحلتين: ما قبلها وما بعدها.
انهيار الحدود التقليدية وتحول الثقافة العامة
حدث أعمق تحول أوجدته هذه الحركة في مجال الثقافة العامة، حيث بدأت المحرمات التي استمرت عقودا والخطوط الحمراء الحكومية الصارمة في الانهيار الواحد تلو الآخر.
فقضية الحجاب الإلزامي، التي ظلت لفترة طويلة تعد خطا أحمر ثابتا وأيديولوجيا بالنسبة إلى بنية الحكم، تحولت فجأة إلى مجال واسع للعصيان المدني اليومي والاختيار الواعي، وقد أدت هذه المقاومة الصامتة، الواسعة والمستمرة، إلى زيادة التكاليف الرمزية والسياسية للقوانين الحكومية الإلزامية بصورة كبيرة، وتحدي سلطتها البنيوية.
وبعيدا عن مسألة المظهر، شهدت النظرة التقليدية إلى النوع الاجتماعي ومكانة المرأة في العلاقات الاجتماعية تحولا جذريا، ذلك أن المرأة الإيرانية، التي جرى تهميشها تاريخيا في الخطابات الرسمية أو تعريفها باعتبارها عنصرا تابعا، أصبحت الآن المحرك الرئيسي الواعي والطليعي للتحولات المدنية.
وفي الوقت نفسه، تمثلت إحدى أبرز النتائج غير المسبوقة لهذه الموجة في نشوء تضامن عضوي وعميق بين الأقليات القومية ومركز البلاد، فقد تحول شعار “المرأة، الحياة، الحرية” إلى لغة مشتركة وموحدة بين الإيرانيين، بصرف النظر عن اختلافاتهم العرقية أو اللغوية أو الجغرافية، وأسهم إلى حد كبير في هدم جدران عدم الثقة التاريخي التي تراكمت على مدى عقود.
صدع غير مسبوق في الشرعية وأزمة كفاءة الحكم
على الصعيد السياسي، تجاوزت التداعيات العميقة لهذه الحركة بكثير حدود ما يمكن إصلاحه من خلال أدوات القمع التقليدية والقسرية، فقد بلغ الفاصل بين بنية الحكم وعموم الشعب أعمق وأوضح نقطة في تاريخه، وهي نقطة تبدو غير قابلة للعودة إلى ما كانت عليه.
فالجيل الذي بات يعرف اليوم باسم “جيل زد”، أو الجيل الرقمي والحديث، يبدو شديد الاغتراب عن الأطر والأيديولوجيا الرسمية الحاكمة، ولم يقتصر هذا الجيل على رفض القراءات الرسمية والدوجمائية للدين والسياسة، وإنما حول أسلوب الحياة الحر، وتجربة السعادة، والحق في حياة طبيعية خالية من القيود إلى مطالب غير قابلة للتفاوض.
وإلى جانب هذه الأبعاد، أدت تقنيات الاتصال الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي دورا بالغ القوة بوصفها عاملا محفزا، فقد تحول كل مواطن عادي إلى وسيلة إعلام مستقلة ومؤثرة، قادرة على تجاوز آلة الرقابة الحكومية والسيطرة الإعلامية والدعاية الرسمية، ونقل صوت الواقع وصورته إلى العالم.
وللمرة الأولى في التاريخ الإيراني المعاصر، تابع الرأي العام العالمي المطالب التحررية للشعب الإيراني بهذا القدر من الترابط والوضوح والتعاطف، وهو تحول أسهم، وفق هذا الطرح، في مزيد من استنزاف الشرعية السياسية الدولية والدبلوماسية للنظام، ووضعه في حالة من العزلة غير المسبوقة.
الانتقال من التنظيم الكلاسيكي إلى المقاومة الشبكية والأفقية
على خلاف الحركات الكلاسيكية والتقليدية السابقة، التي كانت تنتظر دائما قيادة مركزية وهرميات للقوة وتعليمات تصدر من أعلى إلى أسفل، أظهرت حركة “المرأة، الحياة، الحرية” نموذجا جديدا تماما للمقاومة المدنية.
فقد اتسمت هذه الحركة بطبيعة شبكية وأفقية وخلوية، وبالرغم من أن غياب قائد واحد ومحدد قد يشكل أحيانا عائقا أمام تحقيق تضافر سياسي فوري أو تنظيم واسع النطاق على المدى القصير، فإنه تحول عمليا إلى نقطة قوة إستراتيجية لها؛ إذ إن إقصاء شخص واحد أو اعتقاله أو اغتياله لا يمكن أن يوقف ديناميكية الحركة واستمراريتها وقدرتها على الابتكار.
ويكشف الاعتماد العميق على مفهوم “الحياة” بوصفه مفهوما وجوديا، إلى جانب مفهوم “الحرية” بوصفه مفهوما سياسيا، عن نضج فكري وفلسفي لمجتمع يطالب بالحريات الفردية، والرفاه الاقتصادي، وحق اختيار نمط الحياة، والكرامة الإنسانية باعتبارها شروطا أساسية مطلقة وغير قابلة للمساومة لأي تغيير سياسي واسع النطاق.
آفاق المستقبل في إيران.. قطار لا يعود إلى الوراء
من المسلم به أن مستقبل إيران بعد حركة “المرأة، الحياة، الحرية” لن يكون شبيها بالماضي مرة أخرى، ولا يبدو أن هناك قوة قادرة على إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل شهريور 1401 هـ. ش.
وبالرغم من أن السلطات الحاكمة لا تزال تحاول، بالاعتماد على أدوات الإكراه والعنف والقمع المباشر، الحفاظ على سيطرتها المادية على الفضاءات العامة والشوارع، فإن التحولات العميقة التي حدثت على المستوى الذهني والنفسي داخل المجتمع تبدو، غير قابلة للعودة إلى الوراء، وقد أصبح العصيان المدني منسوجا في نسيج الحياة اليومية للمجتمع، وحول تكلفة السيطرة الاجتماعية بالنسبة إلى السلطة إلى مستويات مرتفعة ومرهقة للغاية.
وفي أفق التحولات المقبلة، فإن ارتباط المطالب الأساسية للحركة النسائية بالاحتجاجات المهنية والاقتصادية المتجذرة، مثل الإضرابات العمالية، والمطالب المشروعة للمتقاعدين، وحركة المعلمين، يوفر أرضية ملائمة للغاية لتشكيل تحالفات اجتماعية أكثر قوة.
وفي الوقت نفسه، تكافح الحكومة مع أزمات هيكلية متراكمة في مجالات الاقتصاد والطاقة والبيئة، فضلا عن أزمة شرعية مستعصية، بينما يظهر المجتمع استعدادا نفسيا وفكريا ومدنيا أكبر بكثير للتغلب على حالات الجمود القائمة.
خاتمة
لم تكن حركة “المرأة، الحياة، الحرية” مجرد عاصفة انفعالية عابرة؛ وإنما كانت زلزالا هائلا هز الأسس الفكرية للاستبداد والأبوية والتمسك بالماضي في إيران، وقد منحت الحركة معاني جديدة لمفاهيم مثل المقاومة والحياة اليومية والفاعلية الفردية، ولا تزال تداعياتها العميقة، سواء في تغيير البنية الذهنية للأجيال الجديدة أو في انهيار القداسة المحيطة بالبنى القديمة والمتهالكة، تسري في شرايين المجتمع وتتوسع.
واليوم، تقف إيران عند مفترق حساس أمام مسار طويل من التحول التاريخي يبدو حتميا، وهو مستقبل لم يعد فيه الرجوع إلى الوضع الذي سبق عام 2022 ممكنا، بينما أصبحت الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية بمثابة البوصلة الأساسية والدليل الذي يهدي المجتمع الإيراني.