على الرغم من مرور أحد عشر شهرًا على وقف إطلاق النار الرسمي، لا تزال الهجمات المتفرقة والمستهدفة التي يشنها الجيش الإسرائيلي تحصد أرواحًا يوميًا في جميع أنحاء قطاع غزة، ولم يعد أحد ولا مكان في غزة آمنًا.
في الوقت نفسه، تشهد غزة اليوم أزمة شاملة تستهدف جذور بقاء الأمة؛ وهو وضع، مع إصرار سلطات تل أبيب على مشروع “التحويل الديموجرافي” طويل الأمد، وضع غزة في مواجهة واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها، ألا وهي تهديد “الحق في البقاء في الوطن”.
لفهم الوتيرة غير المسبوقة للتصريحات حول خطط الطرد والتغيرات الديموجرافية في غزة، لا بد من النظر أولًا إلى صراع السلطة في تل أبيب. تدخل إسرائيل الأسابيع الأخيرة قبل انتخابات الكنيست، المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر 2026. وفي هذه الحملة الانتخابية المحتدمة، أصبح مصير غزة والضفة الغربية عاملاً حاسماً في كسب الأصوات واستمالة الرأي العام، لا سيما اليمين. ومع اقتراب موعد الانتخابات، تتخذ الأحزاب المختلفة مواقف متشددة بشكل متزايد تجاه هاتين المنطقتين المحتلتين لتعزيز مواقعها.
ولعل هذا التنافس الداخلي ما يفسر بوضوح سبب وصول التصريحات التحريضية حول توسيع الاحتلال، وعمليات التهجير، وتكثيف العمليات العسكرية، وتوسيع المستوطنات إلى ذروتها في الأسابيع الأخيرة. في الواقع، أصبح مستقبل غزة والضفة الغربية أداةً للمقامرة الانتخابية للأحزاب. بالتوازي مع احتلال أكثر من 60% من غزة – والذي وعد نتنياهو بتوسيعه – وقد دقّت الخطط العسكرية والسياسية الإسرائيلية، تحت مسميات مثل “الهندسة السكانية”، و”الهجرة الطوعية”، و”خطة حرية التنقل”، أو الهجرة القسرية والطرد من أراضيها، ناقوس الخطر بشأن تطهير عرقي مُمنهج. يُنفذ هذا السيناريو من خلال خلق بيئة غير صالحة للسكن بشكل متعمد، والتدمير الكامل للبنية التحتية الحيوية، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، وفرض جوع شديد؛ وهي استراتيجية مدمرة تتجاوز مجرد التهجير، وتهدف إلى إفراغ غزة من سكانها تمامًا.
وتجري هذه الأعمال في حين أن أي تهجير قسري أو ترحيل أو طرد للسكان في الأراضي المحتلة محظور تمامًا، وفقًا للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، ونظام روما الأساسي، والمبادئ الراسخة للقانون الجنائي الدولي. وتعتبر المحكمة الجنائية الدولية هذا السلوك الممنهج مثالًا واضحًا على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وتدينه السلطات الدولية باعتباره دليلًا قاطعًا على التطهير العرقي.
إن مشروع طرد سكان غزة هو استراتيجية كررتها السلطات الإسرائيلية مرارًا وتكرارًا على مختلف المستويات منذ الأيام الأولى التي أعقبت حرب أكتوبر 2023. وقد اكتسبت الفكرة أبعادًا دولية في فبراير 2025 (القرار 1403) مع الاقتراح الرسمي الذي قدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة توطين سكان غزة. خطة مغرية، لاقت بطبيعة الحال معارضة فورية من الدول العربية، وتوقفت على ما يبدو. مع ذلك، لا يزال الضوء الأخضر الأولي من واشنطن، وربما محادثات واتفاقيات سرية، يشكل حافزًا لتل أبيب للمضي قدمًا في هذا المشروع الضخم.
في أبريل 2026، كُشِفَ عن جوانب من هذا السيناريو؛ إذ أشارت التقارير إلى أن نتنياهو كلف مستشارته للشؤون الدولية، كارولين جليك، بالترويج لمشروع طرد الفلسطينيين. وفي هذه المهمة السرية، بدأت جليك مشاورات مع منطقة أرض الصومال الانفصالية وجمهورية الكونغو الديمقراطية للحصول على موافقتهما على استقبال لاجئي غزة، وهو جهد عارضته هاتان الدولتان. ومع ذلك، ورغم النكسات الدبلوماسية المتتالية، استمرت فكرة إعادة توطين سكان غزة قسرًا على جدول أعمال مركز قيادة تل أبيب.
وفي هذا السياق، في نهاية يونيو 2026، كُشِفَ عن أبعاد جديدة لمشروع إعادة توطين سكان غزة؛ إذ أشارت تقارير إعلامية إلى أن تل أبيب غيّرت مصطلح “الهجرة الطوعية” المثير للجدل إلى “خطة حرية التنقل” خشية إدانة دولية شديدة. في هذا السياق، صدرت تعليمات سرية للأجهزة الأمنية والموساد بالتوقف عن استخدام الخطاب السابق بهدف تخفيف حدة التوترات الدولية.
وفي الوقت نفسه، أُعلن عن عقد اجتماع طارئ برئاسة شموئيل بن عزرا، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، بهدف تشجيع الفلسطينيين على مغادرة غزة. إلا أن مسؤولي الموساد اعترفوا صراحةً خلال الاجتماعات نفسها بفشلهم الذريع في إيجاد دولة ثالثة مستعدة لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين.
اليوم، في قطاع غزة، لا يعدّ مصطلح “حرية التنقل” سوى حيلة بلاغية لإخفاء الواقع اللاإنساني والوحشي لـ”التهجير القسري” ودعم مشروع التطهير العرقي. فمن خلال القصف المتواصل، والتهجير المتعمد للأراضي الزراعية، والتدمير الممنهج لجميع مقومات الحياة، يسعى الجيش الإسرائيلي إلى تحويل غزة إلى أرض غير صالحة للسكن؛ وهي استراتيجية استنزاف تهدف إلى إبادة شعب تربطه بهذه الأرض علاقة تاريخية طويلة.
غير أن مقاومة مصر والأردن لهذا السيناريو من جهة، وإصرار سكان غزة على “حق البقاء” من جهة أخرى، قد أوصلا سياسة تهجير السكان إلى طريق مسدود، ويكمن العائق الرئيسي أمام هذا المشروع الضخم في عمق غزة، حيث يصرّ المجتمع الأصلي، رغم معاناته من أشدّ المصاعب في التاريخ، على “حقه في البقاء والنجاة”.
هذا وتشهد الجهود الدؤوبة التي يبذلها المزارعون لإعادة إنبات البذور المحلية وسط رماد الحرب، وبناء ملاجئ مؤقتة فوق أنقاض بيوت أجدادهم، على حقيقة عميقة: أن ارتباط هذه الأمة بأرضها ارتباطًا وثيقًا يتجاوز الحسابات العسكرية وأحلام المتطرفين الصهاينة.
فيما كان آخر موقف رسمي لتل أبيب في 2 سبتمبر 2026 فقد شف التقرير رقم 405 عن طبيعة سياسات إسرائيل السكانية. وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في معرض حديثه عن أن مستقبل غزة يعتمد على إجلاء سكانها، أنه من وجهة نظر الحكومة، “لا يمكن تصور حل نهائي دون تهجير الفلسطينيين”.
وفي إشارة إلى استعداد الجيش لطرد سكان غزة براً وبحراً وجواً، أقر كاتس بأن سبب عدم تحقق هذا السيناريو حتى الآن هو رفض حماس السماح بذلك من جهة، ورفض دول العالم قبول المشروع من جهة أخرى. وقال إن بلاده تتشاور مع الرئيس الأمريكي للحصول على دعم للخطة، وأن دعم واشنطن قد يقنع دول المنطقة بقبول اللاجئين الفلسطينيين.
وبالتوازي مع هذه المواقف، وفي يوم الخميس الموافق 3 سبتمبر 2026 جعل إيتامار بن جوير، وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، مشروع طرد الفلسطينيين محور حملته الانتخابية رسميًا، كاشفًا عن خطة مثيرة للجدل تُعرف باسم “الخرق 710”. وقد جعل بن جوير تنفيذ هذه الخطة شرطًا أساسيًا لحزبه لدخول الحكومة المقبلة؛ وهي خارطة طريق تهدف إلى طرد 250 ألف فلسطيني في السنة الأولى، و1.1 مليون على مدى ثلاث سنوات، و1.86 مليون في نهاية المطاف على مدى سبع سنوات.
وفي هذا السيناريو، تُذكر دول مثل تركيا وإثيوبيا والكونغو وعدد من الدول العربية كوجهات إلزامية للاجئين من غزة، ويشترط بن جوير الفوز بـ15 مقعدًا في انتخابات أكتوبر، بعد إنشاء وزارة مخصصة للهجرة لتنفيذ هذا التطهير العرقي الممنهج. لقد تم التعبير عن هذه الفكرة المتطرفة بوضوح في منتصف أغسطس 2026، خلال ظهور بن جوير في بودكاست “8 أكتوبر” الذي يقدمه روم براسلافسكي، وهو أسير إسرائيلي سابق في غزة.
في تلك المحادثة، شدد أكثر من أي وقت مضى على ضرورة طرد الفلسطينيين، وإعادة إحياء المستوطنات الصهيونية، وتوطين الإسرائيليين في غزة، قائلاً: “أرى غزة بأكملها لنا؛ يجب أن نشجع سكان غزة على الهجرة قدر الإمكان وإرسالهم إلى بلدانهم…” وفي الخطاب نفسه، استخدم بن جوير لغة تعتبرها دوائر حقوق الإنسان مثالاً واضحاً على نزعة الإبادة الجماعية، ودعا إلى استئناف الهجمات على غزة، مضيفاً: “يجب اغتيال ما بين 30 و40 شخصاً في غزة والقضاء عليهم كل ليلة؛ لا ينبغي أن يكون الهدف فقط من يشكلون تهديداً مباشراً. هناك أناس لا يستحقون الحياة ولا ينبغي السماح لهم بالعيش؛ إنهم ليسوا بشراً حتى.”
وفي حين تنص المادة 12 من خطة ترامب للسلام (أكتوبر 2025) على ما يلي: “لن يُجبر أحد على مغادرة غزة، وكل من يرغب في المغادرة سيكون حراً وله حرية العودة.
سنشجع الناس على البقاء ونمنحهم فرصة بناء غزة أفضل”. إلا أن مجريات الأحداث أظهرت أن هذه العبارات التي تبدو إنسانية لم تكن سوى ستارٍ يخفي وراءه سيناريو قاسياً يتمثل في التهجير القسري للفلسطينيين.
إذا حدث هذا التهجير القسري لسكان غزة، فإن آثار التغير الديموجرافي في قطاع غزة، ككارثة إنسانية، لن تقتصر على حدود فلسطين.
هذا يعني زرع حالة من عدم الاستقرار الدائم في المناطق المحيطة والدول المضيفة، وسيُغرق المنطقة في دوامة لا تنتهي من التوترات الجديدة. كما يُعد هذا الإجراء بمثابة تقويض لفكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة، وضربة قاضية لحل الدولتين الذي أوشك على الانهيار، وتدميراً لآفاق السلام.
علاوة على ذلك، إذا فشل المجتمع الدولي في تطبيق آليات الردع ضد هؤلاء السكان مع استمرار مشروع الهندسة والتهجير القسري في غزة وسط إدانات لا تستند إلى أي أساس عملي، ستصبح عقيدة التطهير العرقي للاستيلاء على الأرض واستبدال السكان ممارسة شائعة في نزاعات أخرى حول العالم.
إن تطبيق التهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية يعني إعلان بطلان جميع إنجازات القانون الدولي والاتفاقيات التي بُني عليها العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
لن يتحقق السلام والاستقرار الدائمان في المنطقة بمحو القضية – أي احتلال أرض، وتهجير شعب، واستبدال السكان الأصليين بسكان الأرض المحتلة. ولن يتحقق ذلك إلا بالاعتراف بالكرامة الإنسانية المتأصلة والحق الأساسي للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مقالة مترجمة من صحيفة إطلاعات الإيرانية بقلم الكاتبة والسياسية الإيرانية جميلة كديور بعنوان: “غزه در برابر مهندسی جمعیتی” (بالعربية: غزة في مواجهة الهندسة الديموجرافية) منشور بتاريخ شنبه ۱۴ شهریور ۱۴۰۵ هـ. ش. الموافق 5 سبتمبر 2026م.
