في مساء الأحد 15 شهريور ۱۴۰۵ هـ. ش. (الموافق 6 سبتمبر 2026م)، تداولت منصات التواصل الاجتماعي أنباء عن تطبيق زيادة جديدة في أسعار الوقود، قبل أن يؤكد المتحدث باسم الحكومة رسميا رفع سعر البنزين للشريحة الثالثة إلى 10 آلاف تومان، اعتبارا من 17 شهريور (8 سبتمبر).
وما إن انتشر الخبر حتى سادت حالة من القلق بين المواطنين، واندفع كثيرون مجددا إلى محطات الوقود، وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، أكد محمد صادق عظیمي فر، نائب وزير النفط، أن أسعار الوقود لن تشهد أي تغيير بالنسبة إلى 85% من المواطنين.
غير أن تجربة تطبيق سعر 5 آلاف تومان للشريحة الثالثة في شهر آذر 1404 هـ. ش. (22 نوفمبر ـ 21 ديسمبر 2025) أظهرت أن المواطنين يضطرون، عاجلا أو آجلا، إلى استخدام هذه الشريحة، بما يعني أن الزيادة الجديدة ستنعكس في نهاية المطاف على قطاعات أوسع من المجتمع.
ورغم توقع الشركة الوطنية لتوزيع المنتجات النفطية انخفاض استهلاك الوقود بنحو 3 ملايين لتر، فإن واقع السنوات الماضية يشير إلى أن اختلال توازن الوقود في إيران لا يمكن معالجته من خلال متغير السعر وحده، وإنما يحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة للاستهلاك، إلى جانب سياسات هيكلية تستهدف جذور الأزمة.
وفي هذا السياق، سلطت صحيفة “توسعه إيراني” الضوء، بالتزامن مع بدء تطبيق تسعيرة الـ10 آلاف تومان، على تداعيات القرار وأبعاده المختلفة، من خلال حديثها مع هدايت الله خادمي، عضو لجنة الطاقة السابق في البرلمان الإيراني ورئيس مجلس إدارة رابطة شركات الحفر والخدمات الفنية الإيرانية.
المسألة تبدو منطقية من منظور الحكومة فقط
قال خادمي إن الحكومة تنطلق في قرارها من ارتفاع معدلات استهلاك الوقود، ولذلك لجأت إلى مضاعفة سعر الشريحة الثالثة من البنزين، على أمل أن يؤدي ارتفاع السعر إلى الحد من الاستهلاك.
وأوضح أن الشريحتين الأولى والثانية لم تتعرضا لأي تغيير، لأنهما تغطيان احتياجات المواطنين خلال الأيام الأولى من كل شهر، كما أن الإبقاء على قيمتهما المالية يهدف إلى تجنب تحميل الأسر أعباء اقتصادية إضافية.
وأضاف أن الحكومة تسعى، من خلال رفع سعر الشريحة الثالثة إلى 10 آلاف تومان، إلى خفض الاستهلاك ومنع نمو الطلب على الوقود. وقد يبدو هذا التصور منطقيا من وجهة نظر الحكومة، لكنه، وفقا لخادمي، منفصل عن الواقع العملي لطبيعة أزمة الوقود في إيران.
تكرار الحلقة المفرغة في الشهور المقبلة
يرى خادمي أن مضاعفة سعر الشريحة الثالثة لا تمثل حلا حقيقيا لمشكلة نقص الوقود أو ارتفاع الاستهلاك، لأنها تتعامل مع أحد أعراض الأزمة بدلا من معالجة أسبابها الهيكلية.
وقال إن “مضاعفة سعر الشريحة الثالثة من البنزين لن تحدث أثرا حقيقيا في معالجة اختلال توازن الوقود”، محذرا في الوقت نفسه من أن مجرد الإعلان عن رفع السعر إلى 10 آلاف تومان سيؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي يعتمد عليها المواطنون، بما قد يفاقم التضخم والركود والبطالة.
وأشار إلى أن إيران تعاني منذ عقود نقصا واختلالا في توازن الوقود، فيما اعتادت الحكومات المتعاقبة اللجوء، بين الحين والآخر، إلى رفع الأسعار. وغالبا ما كانت هذه القرارات تثير توترات اجتماعية واسعة، الأمر الذي جعل الحكومات تتعامل مع ملف تسعير الوقود بحذر شديد، وقد يستغرق اتخاذ القرار بشأنه أشهرا.
وأوضح خادمي أن تدهور قيمة الريال بصورة متسارعة يجعل سعر الـ10 آلاف تومان عرضة لفقدان قيمته الفعلية خلال فترة قصيرة، مضيفا أن ذلك سيعيد البلاد مجددا إلى نقطة البداية في الحلقة المفرغة لتسعير الطاقة، موضحا قوله: “سنفقد القيمة الفعلية لهذه التسعيرة خلال الأشهر المقبلة، وسنضطر مجددا إلى العودة إلى نقطة البداية”.
إهمال بناء مصافٍ تكريرية جديدة
وفي حديثه عن الحلول الحقيقية لاختلال توازن الوقود، قال خادمي إن العقوبات تمثل عاملا ضاغطا على قطاع الطاقة الإيراني، لكن ذلك لا يعفي الحكومات من مسؤولية الاستعداد المسبق ومعالجة مواطن الضعف في قطاع التكرير.
وأضاف أن إيران، رغم امتلاكها الخبرة التقنية اللازمة، لم تشهد خلال السنوات الأخيرة إنشاء عدد كافٍ من المصافي الجديدة، مشيرا إلى أن معظم المصافي القائمة تعود إلى ما قبل الثورة عام 1979م، ولم تُنشأ بعدها سوى ثلاث أو أربع مصافٍ جديدة.
ويرى خادمي أن دولة بهذا الحجم من السيارات والاستهلاك المرتفع للطاقة في مختلف القطاعات تحتاج بصورة مستمرة إلى وجود مصافٍ جديدة قيد الإنشاء، لأن تحقيق التنمية الاقتصادية يرتبط بطبيعة الحال بارتفاع الطلب على الطاقة.
وأشار إلى أن العقوبات ليست التفسير الوحيد لأزمة البنزين، معتبرا أن إيران كان بإمكانها خلال السنوات السابقة، وحتى في ظل الضغوط الحالية، اتخاذ خطوات لتجنب تفاقم أزمة نقص الوقود.
نصدر النفط الخام ونستورد البنزين
حذر خادمي من أن إيران تدور حاليا في حلقة من أزمة تسعير وعجز في قطاع البنزين، في ظل غياب خطة واضحة لمعالجة الاختلال بصورة جذرية، مؤكدا أن بلاده تصدر النفط الخام وتستور البنزين “البُفك”[1]
وقال إن تحديد سعر الشريحة الثالثة من البنزين والتلاعب به بصورة دورية لا يمكن أن يمثل حلا مستداما، مشددا على أن المعالجة الحقيقية تبدأ من تطوير البنية التحتية للنقل، وإصلاح صناعة السيارات، ومواجهة المصالح التي تعرقل تطوير هذا القطاع.
وتساءل: لماذا عجزت إيران حتى الآن عن إنتاج سيارة تستوفي المعايير المطلوبة، في الوقت الذي تمتلك فيه قدرات متقدمة في مجالات صناعية وعسكرية أخرى؟
وأشار إلى أن أحد جذور أزمة الوقود يكمن في ارتفاع استهلاك السيارات المحلية، بالتزامن مع ضعف البنية التحتية للنقل العام. وأوضح أن بعض المحافظات لا تزال تفتقر إلى شبكات مترو، بل إن العاصمة طهران نفسها تضم أحياء لا توجد فيها محطات مترو، متسائلا عن الكيفية التي يمكن بها للمواطنين تلبية احتياجات تنقلهم اليومية في ظل هذه الظروف.
واقترح خادمي إتاحة مساحة أكبر أمام القطاع الخاص للمشاركة في إنشاء المصافي، مؤكدا أن إيران تمتلك المعرفة التقنية اللازمة لذلك. واستشهد بتجارب سابقة، من بينها مصفاة عبادان[2] التي بلغت طاقتها الإنتاجية، قبل تعرضها لأضرار الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ــ 1988م)، مستويات كبيرة، إضافة إلى مصفاة طهران ومصفاة نجمة الخليج[3] التي اكتمل بناؤها لاحقا.
تغيير سعر البنزين في نظام ريعي وفاسد لا طائل منه
انتقد خادمي غياب التخطيط الحكومي طويل المدى في ملف البنزين، معتبرا أن السلطات لا تزال تتعامل مع الأزمة من خلال إجراءات قصيرة الأجل، بدلا من بناء استراتيجية شاملة لإدارة الطاقة.
وأكد أن تغيير سعر الشريحة الثالثة بصورة دورية لا يمثل حلا جذريا لنقص الوقود، مشددا على ضرورة تطوير البنية التحتية للنقل، وإصلاح صناعة السيارات، وفتح المجال أمام الشركات الأجنبية الكبرى للمساهمة في تطوير القطاع.
وتساءل خادمي عن أسباب استمرار عجز إيران عن إنتاج سيارات مطابقة للمواصفات القياسية، رغم امتلاكها قدرات صناعية متقدمة، قائلا إن البلاد تستطيع تطوير صناعات عسكرية وصاروخية متقدمة، لكنها لا تزال عاجزة عن إنتاج سيارة بالمستوى المطلوب.
كما انتقد الرسوم الجمركية المرتفعة على السيارات المستوردة، معتبرا أن القيود المفروضة على الاستيراد، حتى عند السماح به، تجعل السيارات الأجنبية في متناول فئات محدودة من المجتمع.
وأكد خادمي أن الحكومة، من خلال تحديد سعر الشريحة الثالثة عند 10 آلاف تومان، تكتفي بالإيحاء بأنها اتخذت خطوة لمعالجة اختلال توازن البنزين، بينما لا يمثل القرار، في رأيه، حلا حقيقيا للأزمة.
وطرح سؤالا على المسؤولين الإيرانيين: هل سيظل سعر الـ10 آلاف تومان ثابتا خلال العام أو العامين المقبلين؟ ورأى أن الإجابة ستكون صعبة، لأن تراجع قيمة العملة المحلية سيؤدي إلى تآكل القيمة الفعلية للسعر الجديد خلال فترة قصيرة، لتعود البلاد مرة أخرى إلى نقطة البداية في الحلقة المفرغة لتسعير الطاقة.
وشدد خادمي على أن استمرار الريع والفساد داخل المنظومة الاقتصادية سيحول دون نجاح أي معالجة جزئية لأزمة البنزين، مؤكدا أن إصلاح هذا الملف يتطلب إصلاحات أوسع في بنية الاقتصاد وآليات إدارة الطاقة.
بدلا من التلاعب السنوي بسعر البنزين يجب كبح جماح التهريب
انتقد خادمي ما وصفه بالتناقض في بعض التصريحات الرسمية بشأن حجم العجز في البنزين، مشيرا إلى أن الحديث عن عجز يبلغ نحو 20 مليون لتر يوميا يحتاج إلى مراجعة دقيقة.
وقال إنه عند احتساب أعداد السيارات والدراجات النارية ووسائل النقل المختلفة، إلى جانب متوسط معدلات استهلاكها، فقد لا يكون حجم الاختلال الفعلي قريبا من الرقم المعلن.
وفي المقابل، أشار إلى قضية تهريب البنزين خارج البلاد، معتبرا أنها تمثل أحد العوامل الأساسية التي ينبغي التعامل معها بدلا من التركيز المستمر على رفع الأسعار.
وقال إن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشورى الإيراني أشارا إلى تهريب ما يتراوح بين 20 و30 مليون لتر من البنزين يوميا خارج البلاد، مضيفا أن استمرار هذا الحجم من التهريب من دون تحديد المسؤوليات ومحاسبة الجهات المعنية يجعل الحديث عن إصلاح حقيقي لاختلال توازن الوقود أمرا صعبا.
واستعاد خادمي في هذا السياق الجدل السابق حول الاتفاق النووي، متسائلا عن مصير أولئك الذين عارضوا “برجام” انطلاقا من اعتقاد أن أوروبا ستواجه شتاء قارسا من دون الطاقة الإيرانية.
بنزين الـ10 آلاف تومان لا يؤثر في الاختلال، بل يزيد التضخم فحسب
في ختام حديثه، أكد خادمي أن تحديد سعر الشريحة الثالثة عند 10 آلاف تومان يبدو أقرب إلى إجراء ذي طابع إيرادي بالنسبة إلى الحكومة منه إلى كونه سياسة اقتصادية متكاملة لمعالجة أزمة الوقود.
وأوضح أن الحكومة قد تحقق من خلال رفع السعر إيرادات إضافية، على غرار ما تحققه من تقلبات سعر الدولار، لكن ذلك لا يعالج جذور اختلال توازن الوقود.
وأكد مجددا أن إيران عالقة في حلقة مفرغة لتسعير الطاقة؛ فكل زيادة في السعر تفقد جزءا من أثرها مع تراجع قيمة الريال وارتفاع التضخم، لتعود الحكومة بعد فترة إلى البحث عن زيادة جديدة.
وفي المقابل، فإن الآثار التضخمية للزيادة تظهر بصورة أسرع، نتيجة انتقال ارتفاع تكلفة الوقود إلى أسعار النقل والسلع والخدمات، بما يضغط على المواطنين ويزيد من أعباء المعيشة بالنسبة لكل الطبقات في المجتمع.
وقال خادمي إن مضاعفة سعر الشريحة الثالثة لن تحدث أثرا ملموسا في معالجة اختلال توازن الوقود، لكنها ستطلق موجة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، بما يعني تفاقم التضخم والركود والبطالة.
وبذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة الإيرانية لا يتمثل في تحديد سعر جديد للبنزين، وإنما في معالجة منظومة كاملة تشمل كفاءة استهلاك الوقود، وصناعة السيارات، والنقل العام، والقدرات التكريرية، والتهريب، والفساد، وآليات إدارة الطاقة، أما الاكتفاء برفع الأسعار، فيبقي الأزمة قائمة ويؤجلها إلى جولة جديدة من الحلقة المفرغة نفسها.
ــــــــــــــــــ
حوار صحفي مترجم من صحيفة “توسعه إيراني” الإيرانية الإصلاحية، بعنوان “در چرخه معيوب و تورمزای قیمتگذاری بنزین گرفتاریم” (بالعربية: عالقون في حلقة تسعير البنزين المفرغة والمولدة للتضخم)، أعده الكاتب رامتين موثق مع الخبير الاقتصادي وعضو لجنة الطاقة الأسبق في البرلمان الإيراني هدايت الله خادمي، بتاريخ 18 شهريور 1405 هـ. ش.، الموافق الثلاثاء 8 سبتمبر 2026.
ــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
[1] وجبة خفيفة إيرانية شعبية رخيصة الثمن، وهي رقائق ذرة مقرمشة بنكهة الجبن، شبيهة بـ”السناكس” أو”الكاراتيه”، وقد استخدم اسمها في النص على سبيل المجاز والسخرية، للدلالة على مفارقة استيراد سلع استهلاكية بسيطة في الوقت الذي تواجه فيه البلاد صعوبات في توفير البنزين رغم امتلاكها موارد نفطية كبيرة. / المترجمة.
[2] مصفاة عبادان، من أقدم مصافي النفط في الشرق الأوسط، أنشأتها الشركة الإيرانية ـ الإنجليزية للنفط عام 1912 في مدينة عبادان جنوب غربي إيران. وكانت قبل الحرب العراقية ـ الإيرانية من أكبر المصافي في العالم، قبل أن تتعرض لأضرار جسيمة خلال الحرب وتفقد جزءا من طاقتها الإنتاجية. / المترجمة.
[3] مصفاة نجمة الخليج، الواقعة قرب بندر عباس جنوبي إيران، هي مصفاة لمعالجة مكثفات الغاز، افتتحت على مراحل بين عامي 2017 و2021، وتعد من أكبر مشروعات التكرير الإيرانية، وأسهمت في تقليص اعتماد البلاد على استيراد البنزين. / المترجمة.
