في منظومة الفكر الإستراتيجي للثورة الإسلامية، لا تكتسب قوة نظام سياسي ما، معناها من لحظة ميلاده التاريخي وحدها بل تتجلى حقيقة القوة في قدرتها على الاستمرار وإعادة إنتاج القدرات وتجاوز المنعطفات التاريخية الصعبة بذكاء.
ومن هذا المنطلق، فإن مفهوم الصمود الوطني ليس استجابة مؤقتة للأزمات، بل هو منطق راسخ للحفاظ على هُويّة الأمة وتماسكها وحركتها الحضارية، فإذا كان ظهور نظام سياسي هو ثمرة إرادة تاريخية للأمة، فإن صموده يدل على نضج وعمق وتجذر تلك الإرادة التاريخية.
ولقد وجّه المرشد الشهيد للثورة الإسلامية أنظار الرأي العام والنخب من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الاستقرار والاستدامة، وذلك من خلال التمييز بين «قيام النظام الإسلامي» و«صموده»، ثم أثبتت التجربة التاريخية للأمم أن العديد من الحركات الاجتماعية الكبرى لا تتآكل في مرحلة تكوينها، بل عند مواجهتها الضغوط والأزمات والحروب المعقدة؛ لذا فإن القضية الجوهرية لأي نظام ذي مبادئ لا تكمن في النصر المبكر، بل في القدرة على الحفاظ على الاتجاه والهُوية والمبادئ طوال الطريق.
في مثل هذا السياق، يعكس الصمود الوطني قدرة أي مجتمع على المقاومة الفعالة وإعادة البناء الداخلي وتحويل التهديدات إلى فرص إستراتيجية.
وعلى عكس التصورات السطحية لا يعني هذا المفهوم تحمل الصعوبات بشكل سلبي أو قبول شروط غير مواتية، بل يعبر عن نوع من العقلانية الفعالة التي تمكّن المجتمع من مواجهة ضغوط متعددة الطبقات ولا يقتصر الأمر في الحفاظ على تماسكها فحسب، بل في خلق مستوى جديد من القوة والمقدرة.
وفي الواقع تتضاعف أهمية الصمود في الظروف الراهنة لتغيّر طبيعة التهديدات، ففي العصر الحديث لا يواجه العدو الأمم بالأدوات العسكرية فحسب بل يحاول تغيير حسابات الأمة من خلال الحرب المعرفية، والعمليات الإعلامية، والضغط الاقتصادي، وهندسة الرأي العام.
ويتمثل الهدف الرئيسي في هذا الميدان، قبل الهزيمة المادية، في إحداث تآكل نفسي وإضعاف الإرادة الاجتماعية؛ لذا فإن الصمود الوطني هو أهم درع دفاعي في حرب السرديات؛ لأن المجتمع الذي يمتلك القدرة على التحليل يميّز بين الواقع وروايات العدو، ولا يسمح للتصورات الموجَّهة بأن تحل محل الحقيقة.
وفي منطق إستراتيجية الثورة الإسلامية يتخذ الصمود مستويين في آن واحد: المستوى الأول، هو المستوى الإستراتيجي ويعني الحفاظ على التوجه الكلي للنظام في مواجهة الضغوط الخارجية، والمستوى الثاني: المستوى التكتيكي حيث تُصمم وتنفذ حزمة من التدابير الإدارية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للتغلب على الأزمات.
عليه فإن الصمود ليس مفهوما مجردا ونظريًا بحتًا، بل هو نموذج حوكمة يجب أن ينعكس في صنع القرار، ورسم السياسات والسلوك الاجتماعي.
من هذا المنظور نفسه، يمكن تحليل ارتباط الصمود بمفاهيم مثل الصبر، والاستقامة، والردع، فالصبر في الثقافة الإسلامية لا يعني السكون والسلبية بل هو القوة الداخلية اللازمة للمضي قدما نحو الهدف، والاستقامة فهي التجلي الاجتماعي لهذه الروح، أما الردع فهو نتيجة طبيعية لمجتمع يدرك العدو فيه عمق إرادته وقدرته على المقاومة.
بعبارة أخرى، فإن المجتمع الذي يظهر قوة صموده يرفع من كلفة القرار على عدوه ويحد من قدرة الآخرين على فرض إرادتهم عليه.
وعلى الرغم من الأهمية الجوهرية للصمود، فإن تحقيقه يتطلب تجاوز مستوى الشعار والدخول إلى ميدان التصميمات العملياتية.
ولعل أول مكوناته هو تعزيز رأس المال الاجتماعي والثقة العامة؛ إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يصمد أمام الضغوط طويلة الأمد من دون رابطة عميقة بين الشعب وبنية الحكم، وتتعزز الثقة العامة حين يلمس الناس العدالة والكفاءة والصدق في آداء المسؤولين.
أما المكوّن الثاني فهو رفع كفاءة النظام الإداري، ذلك أن العدو يسعى دومًا إلى تحويل نقاط الضعف الداخلية إلى نقطة انفصام اجتماعي؛ لذا فإن أهم رد على الحرب الهجينة هو الإصلاح المستمر للبنى، ومكافحة انعدام الكفاءة، والارتقاء بجودة الحوكمة.
ومن الجدير بالذكر أن المقاومة من دون كفاءة تتآكل مع الوقت، والكفاءة من دون هوية قد تنحرف عن الأهداف الجوهرية للمجتمع؛ ومن هنا فإن الصمود الحقيقي ثمرة الترابط بين المثالية والعقلانية الإدارية.
ويتمثل العنصر الثالث في تعزيز جهاد التبيين والارتقاء بمحو الأمية الإعلامية داخل المجتمع، ففي العصر الراهن، تدور المعركة الحقيقية حول العقول والتصورات لا غير، كما أن أي مجتمع يفتقر إلى القدرة على سرد إنجازاته، والتحليل الدقيق للأحداث، وفهم أهداف عدوه، سيظل عرضة للاختراق المعرفي مهما امتلك من إمكانات مادية وفيرة.
وفي هذا الإطار، تقع على عاتق الحوزات العلمية والجامعات ووسائل الإعلام والنخب الثقافية مسؤولية تاريخية، إذ يتعيّن عليها أن تنتج الأسس النظرية للمقاومة والصمود، وأن تُبيّنها وتُترجمها إلى لغة يفهمها المجتمع بيسر.
وفي نهاية المطاف، ينبغي اعتبار الصمود الوطني أحد أهم المعايير لقياس القوة الحقيقية لأي أمة؛ وهي قوة لا تختزل في المعدات أو الموارد الاقتصادية أو المكانة السياسية، بل تتجلى في عمق المعتقدات، والتماسك الاجتماعي، والقدرة على تجاوز الأزمات.
فالأمة الصامدة هي التي لا تفقد هويتها في خِضم الأحداث، بل تحوّل التهديدات إلى فرص، وتواصل مسيرة تقدمها اتكاءً على رأس مالها الداخلي.
ومن هذا المنظور، لا يُعدّ الصمود مجرد ضرورة أمنية بل رسالة حضارية؛ ذلك أن استمرار أي حركة تاريخية كبرى يستلزم وجود أفراد يمتلكون إلى جانب الإيمان والمبادئ، قدرةً على التحليل، وصبرًا إستراتيجيا، وإرادة للعمل.
وسيكون المستقبل في نهاية المطاف حليف الأمم القادرة على أن تصمد في ميدان التحولات العالمية المعقّد، بل وأن تخلق من قلب هذه المقاومة قوةً جديدة تبني بها غدها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
مقالة مترجمة نشرها الباحث الإيراني مهدی نجفپور في صحيفة “آگاه” (بالعربية: الواعي)، يوم ۱ مرداد ۱۴۰۵ هــ. ش. الموافق الخميس 23 يوليو 2026م، وحملت المقالة عنوان “هندسه پایداری قدرت در عصر جنگ ترکیبی.. نیروی درونی برای حفظ حرکت در مسیر” (بالعربية: هندسة استدامة القوة في عصر الحرب الهجينة.. القوة الداخلية للحفاظ على الزخم في المسار).
