بات تكريس إيران لإغلاق مضيق هرمز أحد التداعيات الناجمة عن استمرار الحرب الأمريكية على إيران، وهي الحرب التي تستهدف تقويض إيران من كل عوامل قوتها، غير أن مسألة اغتيال المرشد علي خامنئي مع بداية الحرب كانت المبرر الأكبر لتكريس سيطرة الحرس على هذا المضيق المائي الواقع بحكم الجغرافيا في جنوب الخليج العربي الذي ينقل النفط من دول الإنتاج إلى دول الاستهلاك، وهو ما وضع العالم على صفيح ساخن، مع ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع نسب التضخم وفرض تداعيات سلبية على المنطقة والعالم.
تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التي أدلى بها في مقابلة مع برنامج “قصة الحرب” على يوتيوب، الذي يقدمه جواد موگويى، كشف عن رؤية إيرانية باكتشاف ما وصفه بـ”ثغرات أمنية” كانت السبب في اغتيال المرشد، غير أنه لم يخفي استمرار وجود تلك الثغرة حتى تلك اللحظة، خاصة وأن الولايات المتحدة أفصحت للمفاوضين الإيرانيين عن تفاصيل اجتماعات جرت في مجمع “باستور” الرئاسي وسط طهران، وهو ما يكشف عن تلك الثغرة الأمنية واستمرارها، وهي ما أفرزت عن خطة عرفت باسم “الكود 110″، والتي هي في الأساس عملية اغتيال خامنئي.
التشدد الأمريكي تجاه طهران
وخلال اللقاء رفض عراقجي فكرة أن المفاوضات مهدت الطريق للحرب، قائلاً: “ليس صحيحاً القول إن المفاوضات تسببت في الحرب، أو أننا تفاوضنا ثم شهدنا حرباً أخرى”.، لكنه أفصح عن سبب التشدد الأمريكي تجاه إيران، إذ أكد أن الولايات المتحدة طالبت قبل حرب الأيام الاثني عشر بضرورة “عدم تخصيب اليورانيوم”، وأن الجمهورية الإسلامية رفضت هذا الطلب.
ووفقاً لما ذكره ، أنه بعد فشل المفاوضات، اختار الطرف الآخر المسار العسكري. ووصف عراقجي نتيجة الحرب بأنها “هزيمة” للولايات المتحدة وإسرائيل، وقال إن قرار إنهاء الحرب لم يكن قراراً فردياً، بل اتُخذ بشكل جماعي من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي.
عراقجي أكد خلال اللقاء أن طهران لم تكن مستعدة لصراع بهذا الحجم في بداية حرب الأيام الاثني عشر، وأن مستوى الصمود العسكري والاجتماعي رُوعي في قرار وقف الحرب. واعتبر هذا القرار صائباً، قائلاً إن الفجوة بين الحربين – يقصد حرب الإثني عشر يومًا وحرب الأربعين يومًا – أتاحت للقوات المسلحة الوقت الكافي لتغيير نظام إطلاق الصواريخ واستبدال منصات الإطلاق الموجهة.
ووصف حرب الأيام الاثني عشر بأنها “مقدمة للنصر في حرب الأربعين يومًا”. جاء هذا التقييم في حين لم يقدم عراقجي أي بيانات مستقلة حول حجم الخسائر لدى الجانبين أو المعايير التي حددها لـ”النصر”.
لكنه اعتبر أنه بعد الحرب الأولى، استعدت الولايات المتحدة وإسرائيل لصراع أطول، وكان تقييمهما أن القاعدة الشعبية للجمهورية الإسلامية يجب إضعافها قبل شن هجوم عسكري.
مفاوضات مع الاستعدادات للحرب
عراقجي خلال اللقاء ألمح إلى أن المسؤولين السياسيين والعسكريين في الجمهورية الإسلامية كانوا على يقين من اندلاع حرب الأربعين يومًا، ولذلك قرروا مواصلة جولة أو جولتين من المفاوضات لكسب الوقت و”لإتمام الإجراءات”. ووفقًا له، كان الهدف هو منع اتهام الحكومة محليًا ودوليًا برفض المسار الدبلوماسي.
وكما ذكر عراقجي، واصلت الجمهورية الإسلامية المفاوضات، لكنها اعتبرت اندلاع الحرب أمرًا حتميًا. لذلك، كان على القوات المسلحة أن تبقى على أهبة الاستعداد لأي هجوم، وكان على الحكومة أن تزود البلاد بالإمدادات اللازمة. واعتبر عراقجي أن رد طهران العسكري بعد ساعتين من بدء الهجوم كان نتيجةً لهذا الاستعداد المسبق واتخاذ القرار.
وفيما يتعلق بإغلاق مضيق هرمز في اليوم الأول من حرب الأربعين يومًا، قال عراقجي: “أُغلق مضيق هرمز منذ اليوم الأول لأنه كان مُخططًا له مسبقًا أنه في حال استهداف القيادة، سيتم إغلاق المضيق فورًا”.
آلية اتخاذ القرار في المفاوضات
فیما شرح عراقجي أيضًا آلية اتخاذ القرار في المفاوضات. ووفقًا له، فإن “اللجنة النووية” في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي هي التي تُقرر مبدأ المفاوضات وخطوطها. ترأس علي شمخاني هذه اللجنة لفترة، وبعد اغتياله، تولى علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي آنذاك، مسؤوليتها. وأوضح عراقجي أن موافقات هذه اللجنة كانت تتم بنفس آلية موافقات المجلس الأعلى للأمن القومي.
وبحسب عراقجي، طالبت الولايات المتحدة، خلال ثلاث جولات من المفاوضات قبل الحرب، بوقفٍ تام لتخصيب إيران لليورانيوم وتوريد المواد النووية. وفي الجولة الثالثة – المفاوضات التي كانت جارية بعد توقيع مذكرة التفاهم والتي تم تعليقها الآن – اقترحت واشنطن تعليق التخصيب لعدة سنوات. رفضت طهران هذا الطلب، لكن اتفق الجانبان على أن تجتمع اللجان الفنية في فيينا يوم الاثنين التالي.
وأضاف عراقجي: “يمكن النظر في فرض قيود مؤقتة على التخصيب”. وأوضح أن الجمهورية الإسلامية مستعدة لاتخاذ تدابير لبناء الثقة لفترة محدودة فيما يتعلق بمستوى التخصيب أو طريقة استخدام المواد النووية، لكنها تعتبر الحفاظ على مبدأ التخصيب “خطاً أحمر”. وأضاف أن قبول التعليق الذي تسعى إليه الولايات المتحدة، حتى لو حال دون نشوب حرب، سيعني إلحاق “ضرر أكبر من الحرب” والمساس بشرف البلاد.
عزا هذا النهج إلى تصريح لعلي خامنئي قال فيه: “الجمهورية الإسلامية لا تشن حربًا لأن للحرب تكاليف ومخاطر وعواقب. ولن نشن حربًا إلا إذا كانت تكلفة عدم القتال أكبر من تكلفة القتال”.
الاحتجاجات مقدمة للحرب
أقر عراقجي بأن الحكومة لم تكن مستعدة لحجم وسرعة احتجاجات ديسمبر ويناير الماضيين، وقال إن المسؤولين كانوا على دراية بتأثير الضغوط الاقتصادية على السخط الاجتماعي، لكنهم لم يتوقعوا حجم الاحتجاجات.
وصف عراقجي احتجاجات 8-10 يناير بأنها “عامة وشعبية”، وقال إن الحكومة تسامحت معها، لكن ابتداءً من 10 يناير ، دخلت “مؤامرة خارجية” في الاحتجاجات. وادعى عراقجي أنه منذ ذلك التاريخ، دخلت الأسلحة والقوات المدربة إلى الساحة واستهدفت الشعب والقوات الحكومية لزيادة عدد القتلى. وفي هذه المقابلة، قدم أدلة على هذه الادعاءات.
وقال إنه في يوم الأربعاء الذي تلى الثامن من يناير ، اعتبرت القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية احتمال وقوع هجوم أمرًا جديًا. وأضاف أنه في الليلة نفسها، وفي مقابلة مع قناة فوكس نيوز، أعلنت الحكومة أنه ليس لديها خطط فورية لإعدام المعتقلين لأن المحاكمات لم تكن قد بدأت بعد. وفي الوقت نفسه، أكد عراقجي أنه تم إعدام عدد من المعتقلين لاحقًا. إذ لعبت احتجاجات الثامن والتاسع من يناير دورًا كبيرًا في الحسابات التي سبقت الحرب. وادعى أن الولايات المتحدة وإسرائيل استنتجتا أن رأس المال الاجتماعي للجمهورية الإسلامية قد دُمر، وأنه مع بدء الهجوم، سيخرج الشعب إلى الشوارع أيضًا ضد الحكومة.
من محادثات جنيف إلى الحرب
فيما يتعلق بالجولة الثالثة من المحادثات التي عُقدت في جنيف يوم 27 مارس، قال عراقجي إن المحادثات لم تُفضِ إلى نتيجة، لكن كان من المقرر أن يجتمع خبراء من كلا الجانبين في فيينا في اليوم التالي للمحادثات، لكن بعد يوم من المحادثات، لاحظ أجواءً سياسية متوترة تُنذر بالحرب، وعلم من اتصالات هاتفية مع وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيد أن احتمال وقوع هجوم بات وشيكًا.
ووفقًا له، فإن مقترح الجمهورية الإسلامية كان “الإبقاء على مبدأ التخصيب مع تحديد مدة زمنية لمستوى التخصيب أو طريقة استخدام المواد النووية”، بهدف معالجة المخاوف بشأن بناء أسلحة نووية دون أن تتخلى طهران عن التخصيب.
وأضاف أن بوسعيد اتصل به بعد عودته من جنيف إلى واشنطن، وأخبره عن الأجواء “المتوترة” في العاصمة الأمريكية. وكان عراقجي قد تيقن يوم الجمعة من أن الحرب ستندلع. صباح يوم السبت، في تمام الساعة الثامنة، نقل هذا التقييم إلى مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية الإسلامية، وفي تمام الساعة التاسعة، قبل دقائق من استهداف منزل علي خامنئي، المرشد الأعلى السابق للجمهورية الإسلامية، قدم تقريرًا بهذا الشأن.
الثغرة الأمنية واغتيال المرشد
ألمح عراقجي في حديثه إلى ان إيران لم تتفاجأ خلال حرب الأربعين يومًا، لكن النظام واجه مفاجآت تكتيكية”. واعتبر جاهزية الحكومة العسكرية والدفاعية، وردّها بعد ساعتين من الهجوم، دليلًا على جاهزيتها الاستراتيجية، لكنه أضاف: “أعتقد أن هناك بعض المفاجأة في حماية أنفسنا، وخاصة المسؤولين”.
وأوضح عراقجي أنه كان حاضرًا في مكتب أصغر حجازي، نائب رئيس أركان خامنئي، وقت الهجوم، وكان يشرح له التقرير المتعلق بمحادثات جنيف واحتمالية نشوب حرب. أكد أن هذا الاجتماع لا علاقة له باجتماع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، الذي كان يُعقد في مبنى آخر ضمن مجمع باستور.
في الوقت نفسه، كان علي شمخاني يجتمع مع عدد من القادة في مبنى آخر بالمجمع. كما عُقد اجتماع منفصل في وزارة الاستخبارات، في موقع بعيد. وكالن خامنئي حاضرًا أيضًا في مجمع باستور أثناء الهجوم.
ووفقًا له، استُهدف مكان اجتماع شمخاني، ومكتب شيرازي، ومكتب حجازي، وأجزاء من المجمع. وبالإشارة إلى المعلومات التي قدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل حول زمان ومكان الاجتماعات، قال عراقجي: “هذا يدل على وجود ثغرة أمنية؛ ثغرة ربما لم تُسد بالكامل بعد، وتحتاج إلى معالجة”. وأن هذه الثغرة ربما تجاوزت مجرد الوصول إلى المعلومات، وأثرت أيضًا على عملية صنع القرار والمناخ النفسي للحكومة.
وصف عراقجي ثلاثة انفجارات متتالية. بحسب قوله، وقع الانفجار الثالث قرب المبنى الذي يضم مكتب حجازي، ودمر أحد جوانبه. قُتل إيوادي، سكرتير حجازي، في الهجوم، بينما تم إنقاذ عراقجي وحجازي، اللذين كانا يعقدان اجتماعهما في جزء آخر من المبنى، من تحت الأنقاض. وكانت مداخل المجمع قد تضربت وسيارات المكتب أصبحت غير صالحة للاستخدام. وفي نهاية المطاف، أوصل أحد المواطنين عراقجي إلى وزارة الخارجية بسيارة خاصة. وقال عراقجي إنه علم بمقتل علي خامنئي في ذلك المساء.
خاتمة
وجد النظام الإيراني في اغتيال خامنئي أو تنفيذ العملية 110 تصريحًا باتخاذ إجراءات كانت معدة سلفًا في حالة التنفيذ، وأبرزها استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، إذ دعا ذلك عراقجي للتواصل مع نظراءه الخليجيين وأبلغهم بأن القواعد الأمريكية في المنطقة ستكون مستهدفة. وهو ما دعا النظام لإعلاء قيمة استمرار ثورية النظام والدولة من خلال اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا لإيران خلفًا لوالده، بما يشير إلى أن “مبادئ الجمهورية الإسلامية لم تتغير رغم الحرب والضغوط”.
————————————-.
مقالة مترجمة عن مقال بعنوان “عراقچی: حفره امنیتی که به کشتهشدن سران نظام انجامید، هنوز برطرف نشده است”، بالعربية: “عراقجي: الثغرة الأمنية التي أدت إلى مقتل القادة العسكريين لم يتم حلها بعد” والمنشور على موقع “إيران إنترناشيونال” بتاريخ: “28 يوليو 1405، الساعة 17:00 (+1 غرينتش)