إن اندلاع حرب واسعة النطاق، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأمريكي والأسواق العالمية حساسية شديدة تجاه أي صدمة في مجال الطاقة، يمكن أن يفرض تكلفة سياسية واقتصادية كبيرة على الحكومة والمجتمع الأمريكيين.
ويكشف تاريخ العلاقات الدولية عن حروب لم تكن الدول تنوي بالضرورة بدءها، لكن سلسلة من ردود الفعل، وسوء التقدير، وسوء الفهم، دفعت الأطراف تدريجيا إلى نقطة أصبح فيها التراجع أكثر صعوبة.
ولهذا السبب، فإن حالة “اللا حرب واللا سلام”، رغم أنها قد تبدو أقل تكلفة بالنسبة إلى الولايات المتحدة على المدى القصير مقارنة بالحرب الشاملة، قد تتحول على المدى الطويل إلى واحدة من أخطر الأوضاع الأمنية في المنطقة.
ذلك أن استمرار التوتر دون الوصول إلى تسوية سياسية يخلق بيئة قابلة للاشتعال، ويزيد من احتمالات تحول أي حادث محدود أو خطأ في الحسابات إلى مواجهة أوسع.
ومن العوامل المؤثرة في هذه المعادلة أيضا السياسة الداخلية للولايات المتحدة، ويبدو أن واشنطن، على الأقل حتى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، لن تكون لديها رغبة كبيرة في خوض حرب شاملة مع إيران، خصوصا في ظل حساسية الاقتصاد الأمريكي والأسواق العالمية تجاه أي اضطراب في أسواق الطاقة.
ومن المسلم به أن المواجهة الشاملة مع إيران لن تكون حربا محصورة تداعياتها في الجغرافيا الإيرانية، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة، وأمن الملاحة البحرية، وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، فضلا عن الاقتصاد العالمي.
ومن ثم، فإن أي قرار بالتصعيد العسكري سيحمل معه تكلفة سياسية واقتصادية لا يمكن تجاهلها داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ولهذا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا في المرحلة الحالية يتمثل في استمرار الضغط الاقتصادي، بالتوازي مع تنفيذ هجمات محدودة، ومحاولة الإبقاء على حالة “التعليق” بين الحرب والسلام. لكن السؤال الأهم هو: هل يمكن أن يمهد هذا الوضع، في مرحلة لاحقة، للعودة إلى المفاوضات؟!
لقد أظهرت التحركات الأخيرة من جانب سلطنة عمان وقطر وباكستان أن دول المنطقة لا تزال تشعر بقلق بالغ إزاء احتمال اتساع نطاق الأزمة، كما أن تحركات المسؤولين ومساعي الوساطة تعكس بوضوح إدراك حكومات المنطقة لخطورة استمرار الوضع الحالي، وخشيتها من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى خروج الأزمة عن نطاق السيطرة.
ومع ذلك، ظلت النتائج العملية لهذه التحركات محدودة حتى الآن، وحتى مع عودة الوسطاء وتكثيف الاتصالات، لم تظهر مؤشرات واضحة على حدوث تغيير جوهري في الموقف الأمريكي، أو على وجود استعداد جاد لدى واشنطن للعودة إلى مسار تفاوضي شامل.
ولعل هذا ما يشير إلى أن المشكلة الرئيسية لا تتمثل في غياب قنوات الاتصال، فقنوات الاتصال موجودة بالفعل، والوسطاء قادرون على نقل الرسائل بين الطرفين، وإنما تكمن المشكلة الأساسية في غياب الإرادة السياسية الكافية لدى واشنطن لاتخاذ قرار واضح بشأن مسار الخروج من الأزمة.
وفي مثل هذه الظروف، تتراجع أيضا قدرة عُمان وقطر وباكستان على أداء دور الوساطة، فهذه الدول تستطيع نقل الرسائل، وتقليل احتمالات سوء الفهم، وتهيئة الظروف المناسبة للحوار، لكنها لا تستطيع إحداث تحول إستراتيجي إذا لم يكن لدى الطرف الرئيسي في الأزمة قرار سياسي بتغيير المسار.
ومن هنا، تكتسب الحاجة إلى دخول وسيط أكثر قوة وتأثيرا أهمية متزايدة، وتبرز الصين في هذا السياق باعتبارها طرفا مختلفا عن الوسطاء التقليديين، فهي ليست مجرد ناقل للرسائل بين طهران وواشنطن، وإنما قوة كبرى تمتلك علاقات واسعة مع إيران، وفي الوقت نفسه تؤدي دورا مهما في المعادلات الاقتصادية والسياسية الدولية، بما في ذلك علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية.
ومن شأن انخراط الصين بصورة أكثر فاعلية أن يغير الوزن السياسي لعملية الوساطة، وأن يرفع مستوى الضغوط باتجاه إيجاد مخرج للأزمة، وبالطبع، لا تستطيع الصين أن تحل محل القرار السياسي لكل من إيران والولايات المتحدة، ولا يمكن لأي وسيط خارجي أن يجبر طرفا على التوصل إلى اتفاق لا يمتلك الإرادة السياسية لتحقيقه.
لكن قوة الوسيط يمكن أن ترفع تكلفة استمرار الجمود، وتزيد من فرص جعل الخروج من الأزمة خيارا أكثر واقعية.
وتتمثل المشكلة الرئيسية الإضافية اليوم في حاجة المنطقة الماسة إلى مبادرة سياسية تبتعد عن منطق الردود العسكرية المتبادلة، فكل هجوم محدود يزيد من احتمالية وقوع هجوم آخر، وكل جولة تصعيد ترفع سقف المخاطر وتقلل من مساحة المناورة السياسية.
وبالمثل، فإن كل عقوبة إضافية تزيد من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي، وكل تهديد جديد يضيف مزيدا من الحساسية إلى الأسواق والمجتمعات، وقد تكون استمرارية هذا النمط مقبولة بالنسبة إلى بعض الأطراف على المدى القصير، لكن لا يوجد ما يضمن إمكانية إدارته بصورة مستدامة على المدى الطويل.
وهنا تقف إيران والولايات المتحدة عند نقطة بالغة الخطورة وهي أن أيا منهما لا تريد، في الوقت الراهن، الانزلاق إلى حرب واسعة النطاق، لكنهما في الوقت نفسه لم تتخليا عن أدوات الضغط والمواجهة.
وهذه ربما تكون أخطر صورة يمكن أن تأخذها الأزمة، لأن غياب الحرب الشاملة لا يعني بالضرورة وجود استقرار، كما أن استمرار المواجهة المحدودة لا يضمن بقاءها محدودة.
ومن جهة أخرى، تقوم الإستراتيجية الأمريكية الحالية، على ما يبدو، على محاولة الحفاظ على هذا الوضع عبر ممارسة ضغط اقتصادي مستمر، إلى جانب الضغط والحصار البحري، وتنفيذ هجمات محدودة، واستخدام أدوات الحرب النفسية، مع إبقاء إيران في حالة من عدم اليقين بشأن الخطوة الأمريكية التالية.
لكن هذه الإستراتيجية تحمل في داخلها نقطة ضعف كبيرة، فالأزمات الممتدة زمنيا لا تبقى دائما تحت سيطرة الأطراف التي بدأت مسارها، وكلما طال أمد التوتر، زادت احتمالات فقدان السيطرة على ديناميكيات الأزمة، وارتفعت فرص وقوع خطأ في الحسابات أو حادث غير محسوب يمكن أن يفرض مسارا مختلفا على الطرفين.
وقد تعتقد واشنطن حاليا أنها قادرة على تحقيق توازن بين الضغط والمواجهة المحدودة، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، لكن منطقة يمكن أن تتحول فيها شرارة صغيرة إلى أزمة طاقة واسعة ومواجهة عسكرية مفتوحة ليست المكان الأمثل لاختبار سياسة الإبقاء على الوضع المعلق.
فكلما طال أمد حالة “اللا حرب واللا سلام”، أصبحت تكلفة الحفاظ عليه أكبر، وأصبح خطر تحوله من حالة يمكن إدارتها إلى أزمة يصعب التحكم في مسارها أكثر احتمالا.
ــــــــــــــ
مقال مترجم من صحيفة “آرمان ملى” الإصلاحية الإيرانية (بالعربية: الآمال الوطنية)، بعنوان “سناریوی آمریکا در قبال ایران” (بالعربية: السنياريو الأمريكي تجاه إيران)، نشره الكاتب مرتضى مكي، بتاريخ 14 شهريور 1405 هـ. ش. الموافق/ السبت 5 سبتمر2026م.
