في الأدبيات السياسية الإيرانية، كلما اشتدت الضغوط الخارجية، عاد إلى الواجهة مصطلح “البلقنة“ بوصفه أحد أكثر المفاهيم تداولا في التحليل السياسي، وغالبا ما يُفهم هذا المصطلح باعتباره مرادفا لتفكيك الدول وتقسيم أراضيها، غير أن هذا الفهم، على أهميته، قد يحجب حقيقة ما جرى في التجربة اليوغوسلافية.
فما حدث في منطقة البلقان خلال تسعينيات القرن الماضي لم يكن نتيجة مباشرة لتغيير الحدود، بل جاء في أعقاب انهيار تدريجي للشبكات التي تجعل الدولة كيانا متماسكا وقادرا على أداء وظائفه، ذلك أن يوغوسلافيا لم تتفكك جغرافيا في البداية، وإنما شهدت أولا تفككا في بنيتها الفكرية والاقتصادية وشبكات الاتصال وآليات الحكم، ثم جاءت الحدود السياسية لاحقا لتعكس هذا الواقع الجديد.
وانطلاقا من ذلك، قد يكون من الأنسب الحديث عن مفهوم جديد يتجاوز الفهم التقليدي لـ”البلقنة الإقليمية”، وهو ما يمكن تسميته بـ”البلقنة الشبكية”، وفي هذا التصور، لا يتمثل الهدف الرئيس في اقتطاع أجزاء من أراضي الدولة، بقدر ما يتمثل في تعطيل الشبكات التي تمكّنها من إدارة نفسها.
إذا قبلنا بهذا الإطار التحليلي، فإن تجربة البلقان لا تبدو مجرد حدث تاريخي، وإنما تتحول إلى نموذج يمكن الاستفادة منه في فهم طبيعة الصراعات في القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك التطورات الجارية في إيران.
الحرب لم تبدأ في بلجراد
من أكثر الأخطاء شيوعا في تفسير التجربة اليوغوسلافية الاعتقاد بأن مشروع تفكيك الدولة بدأ مع إطلاق حلف شمال الأطلسي عملية “القوة المتحالفة“ في مارس 1999م، غير أن الوثائق التاريخية، سواء الصادرة عن اللجنة الدولية المستقلة المعنية بكوسوفو، أو الدراسات التي أعدتها مؤسسة “راند”، أو أبحاث البروفيسور روبرت بيب، تشير إلى أن قصف بلجراد لم يكن بداية العملية، بل مرحلتها الأخيرة، بعد سنوات من التفاعلات السياسية والاقتصادية والإعلامية.
ويمكن تلخيص هذه العملية في خمس مراحل رئيسة.
المرحلة الأولى: نزع الشرعية عن السلطة المركزية
مع نهاية الثمانينيات، وبالتزامن مع الأزمة الاقتصادية وتراجع فعالية النظام الفيدرالي، لم تكن المعركة الحقيقية تدور في شوارع بلجراد، وإنما في تشكيل الرأي العام داخل جمهوريات الاتحاد اليوغوسلافي.
وتدريجيا، ترسخت قناعة لدى قطاعات واسعة بأن الحكومة المركزية لم تعد تمثل مصالح جميع الجمهوريات، فقد رأت كرواتيا أن بلجراد تستحوذ على مواردها، بينما اعتبرت البوسنة نفسها ضحية للصراع بين الصرب والكروات، وجعلت كوسوفو من سردية التمييز أساسا لهويتها السياسية.
ولم تكن هذه السرديات نتاجا للدعاية الخارجية وحدها، بل استندت أيضا إلى عوامل داخلية حقيقية، غير أن وسائل الإعلام الدولية والفاعلين الخارجيين أسهموا في تحويلها إلى الإطار التفسيري المهيمن، وفي أدبيات الحرب المعرفية، تُعرف هذه المرحلة بـ”نزع الشرعية” عن السلطة المركزية.
وتعيد هذه الفكرة التأكيد على مقولة أساسية في العلوم السياسية، مفادها أن الدول لا تُمحى من الخرائط إلا بعد أن تتآكل شرعيتها في وعي مواطنيها.
المرحلة الثانية: إحلال الهويات المحلية محل الهوية الوطنية
تمثلت المرحلة التالية في الإحلال التدريجي للهويات الفرعية محل الهوية الوطنية الجامعة، فالمواطن الذي كان يعرّف نفسه بوصفه “يوغوسلافيا” أصبح يقدّم انتماءه الكرواتي أو البوسني أو الصربي على أي انتماء آخر.
ولم يكن هذا التحول مجرد تغير ثقافي، بل أدى إلى إضعاف قدرة الدولة على التعبئة الوطنية، واتخاذ القرار المركزي، وإدارة الأزمات، فقبل أن تنهار الحدود السياسية، كانت الحدود النفسية قد ترسخت بالفعل.
المرحلة الثالثة: استهداف الشبكة لا الجيش
عندما بدأ حلف الناتو حملته العسكرية، توقع كثيرون أن تنصب الضربات على الوحدات المدرعة والقواعد العسكرية، غير أن قائمة الأهداف كشفت عن إستراتيجية مختلفة؛ إذ شملت جسور نهر الدانوب، وشبكات السكك الحديدية، ومحطات الكهرباء، ومصافي النفط، ومراكز الاتصالات، والمطارات، والمقار الحكومية، وحتى مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الصربية.
ويمكن فهم هذا التوجه في ضوء نظرية “الحلقات الخمس” التي طورها العقيد الأمريكي جون واردن، والتي تنظر إلى الدولة باعتبارها شبكة مترابطة من:
- تدفق المعلومات
- شبكات الطاقة
- مراكز القيادة
- اللوجستيات
- الاتصالات
ويرى واردن أنه إذا تعطلت هذه التدفقات، أمكن إحداث شلل إستراتيجي للدولة حتى من دون تدمير قواتها المسلحة؛ ولهذا كان واردن يؤكد أن الهدف الأساسي للحرب ليس القضاء على العدو، وإنما حرمانه من القدرة على أداء وظائفه.
المرحلة الرابعة: الأزمة الإنسانية بوصفها أداة للشرعية
لم تكن العمليات العسكرية في البلقان منفصلة عن الحرب الإعلامية، فقد أصبحت صور النازحين، وانقطاع الكهرباء، ونقص الوقود، وتعطل الخدمات العامة جزءا من المشهد الإعلامي العالمي.
وساعد ذلك في ترسيخ مفهوم “التدخل الإنساني”، الذي تحول منذ تسعينيات القرن الماضي إلى إحدى أهم الأدوات المستخدمة لإضفاء الشرعية على التدخلات العسكرية.
وبغض النظر عن تقييم هذه التدخلات، فإن الأزمة الإنسانية لم تكن مجرد نتيجة للحرب، بل أصبحت جزءا من البيئة السياسية والإعلامية التي دارت الحرب في إطارها.
المرحلة الخامسة: انهيار الشبكة الوطنية
لم يكن سقوط يوغوسلافيا نتيجة تدمير البنية التحتية وحدها، بل جاء نتيجة تفكك أربع شبكات رئيسة:
- الشبكة المادية: التي تضم الطرق والطاقة والاتصالات والنقل.
- شبكة الحوكمة: التي تشمل القيادة واتخاذ القرار وإدارة الأزمات.
- الشبكة الاقتصادية: التي تضم سلاسل الإمداد والإنتاج والتجارة.
- الشبكة الإدراكية: المتمثلة في الثقة العامة، والشعور بالانتماء الوطني، والإيمان باستمرار الدولة بوصفها كيانا سياسيا موحدا.
وهنا يتضح معنى “البلقنة الشبكية”، فقد لا تخسر الدولة مترا واحدا من أراضيها، لكنها قد تفقد جزءا كبيرا من قدرتها على أداء وظائفها إذا أصاب هذه الشبكات خلل متزامن.
إيران ويوغسلافيا.. أوجه التشابه والاختلاف
يبقى السؤال الأهم: هل يمكن إسقاط هذا النموذج على إيران؟
الإجابة ليست بالإيجاب المطلق ولا بالنفي المطلق؛ فإيران تختلف عن يوغوسلافيا من حيث التاريخ، وبنية الدولة، والهوية الحضارية، والامتداد الجغرافي، ومن ثم فإن أي تشبيه مباشر سيكون مضللا.
غير أن الأمر يختلف إذا انتقلنا من الحديث عن “التفكيك الإقليمي” إلى “تفكيك الشبكات الوطنية”. فإذا تركزت الهجمات خلال أي نزاع على العقد اللوجستية، والبنية التحتية للاتصالات، والموانئ، ومراكز القيادة، وشبكات النقل، فهل يعكس ذلك مجرد اختيار تكتيكي، أم أنه جزء من إستراتيجية تستهدف إحداث شلل شبكي؟
وإذا تزامن ذلك مع انتشار سرديات إعلامية تتحدث عن “تخلي الدولة عن الجنوب”، أو “عزلة المناطق الحدودية”، أو “لامبالاة المركز”، أو “انهيار الخدمات العامة”، فهل تمثل هذه السرديات مجرد انعكاس للواقع، أم أنها قد تسهم، بصرف النظر عن الجهة التي تروج لها، في إضعاف الشبكة الإدراكية للدولة؟!
هذه الأسئلة لا تقدم إجابات حاسمة بشأن نوايا الولايات المتحدة أو غيرها، لكنها تدفع إلى دراسة الحروب الحديثة باعتبارها حروبا تستهدف الشبكات بقدر ما تستهدف الجيوش.
ماذا ينبغي لإيران أن تفعل؟
إذا كان التهديد الرئيس يتمثل في “البلقنة الشبكية”، فإن مواجهته لا يمكن أن تقتصر على البعد العسكري.
أولا: ينبغي أن تصبح مرونة الشبكات الحيوية جزءا أساسيا من مفهوم الأمن القومي، بحيث تقاس قوة الدولة ليس فقط بقدراتها العسكرية، وإنما أيضا بقدرتها على الحفاظ على استمرار عمل شبكات الكهرباء والنقل والاتصالات وسلاسل الإمداد والخدمات العامة، مع تصميم هذه الشبكات بصورة موزعة ومتعددة المسارات لتقليل الاعتماد على العقد الحرجة.
ثانيا: ينبغي التعامل مع رأس المال الاجتماعي بوصفه عنصرا لا يقل أهمية عن رأس المال العسكري. فقد أظهرت التجربة اليوغوسلافية أن تآكل الثقة العامة يزيد من هشاشة الدول في أوقات الأزمات، بينما يسهم الحضور الفاعل للدولة، وسرعة الاستجابة، وعدالة توزيع الخدمات، والتواصل المباشر مع المواطنين، في تعزيز الصمود الوطني.
ثالثا: يجب النظر إلى إدارة السردية العامة باعتبارها وظيفة من وظائف الحوكمة، لا مجرد نشاط إعلامي، ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يُملأ الفراغ المعلوماتي سريعا بروايات متنافسة، الأمر الذي يجعل الشفافية، وسرعة تدفق المعلومات، ومصداقية الخطاب الرسمي عناصر مؤثرة في قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات.
رابعا: يمثل الحد من الاستقطاب الداخلي ضرورة إستراتيجية، فالتجربة اليوغوسلافية تشير إلى أن القوى الخارجية لا تستطيع استغلال انقسامات غير موجودة، لكنها تستطيع توظيف الانقسامات القائمة إذا تُركت دون معالجة، ومن ثم فإن تقليص الفوارق الإقليمية، وتعزيز المشاركة السياسية، وترسيخ الشعور بالمواطنة المشتركة، ليست مجرد سياسات تنموية، بل تشكل جزءا من منظومة الأمن الوطني.
خاتمة
ربما لا يكمن أهم درس في تجربة البلقان في الكيفية التي تتفكك بها الدول، وإنما في الكيفية التي تفقد بها قدرتها على إدارة شؤونها قبل أن تتفكك.
وفي حروب القرن الحادي والعشرين، لا يكون الهدف دائما تغيير الحدود، بل قد يكون تعطيل الشبكات التي تمنح الدولة قدرتها على العمل، وإذا تحقق ذلك، فإن الدولة قد تدخل تدريجيا في دائرة فقدان الكفاءة، بما يمهد لاحقا لمزيد من الهشاشة وربما التفكك.
ومن هذا المنظور، فإن مفهوم “البلقنة الشبكية” يمثل محاولة لإعادة قراءة التجربة اليوغوسلافية في ضوء طبيعة الحروب الحديثة، التي لم يعد ميدانها يقتصر على ساحات القتال، بل يمتد إلى الطرق والموانئ، وشبكات الاتصالات، وغرف القيادة، ووسائل الإعلام، والوعي الجمعي، ورأس المال الاجتماعي.
وإذا صح هذا الإطار التحليلي، فإن المهمة الأساسية لأي دولة لا تقتصر على حماية حدودها، بل تمتد إلى حماية الشبكات التي تجعل من تلك الحدود دولة فاعلة، ومجتمعا متماسكا، وأمة قادرة على الصمود.
ــــــــــــــــــ
مقالة مترجمة من صحيفة “وطن امروز” الأصولية (بالعربية: الوطن اليوم) كتبها رضا رحمتي بعنوان پروژه فلجسازی ایران فراتر از حمله نظامی.. نسخه یوگسلاوی برای ایران؟ (بالعربية:“مشروع شل إيران يتجاوز الهجوم العسكري.. هل هو نسخة يوغوسلافيا لإيران؟) منشور يوم ۳۱ تير ۱۴۰۵ هـ. ش. الموافق الأربعاء 22 يوليو 2026م.
