مما لا شك فيه أنه لا يوجد مصطلح شهير تعايش معه البشر في عصرنا الحالي، وتأثروا بتداعياته على كافة الأصعدة، أكثر من لفظ العولمة، الذي هو في حقيقته ليس أكثر من تطور عبر العصور في العلاقة بين الغرب والشرق، وفي أنماط التكنولوجيا السائدة حول العالم، والتي يستفيد منها الجميع، وإن كانت بنسب متفاوتة بحسب مكانتهم في النظام الدولي وأنماط العلاقات الاقتصادية والسياسية السائدة.
وفي سياق الحرب الأمريكية الإيرانية تبرز تلك الإشكالية بوصفها أحد أدوات الصراع بين كلا القطبين في محاولة للسيطرة أو بسط النفوذ، أو تكريس بقاء أيٍّ من الثقافتين وفرضها فرضًا على مناطق محددة، سواء في إطار الاستشراق، أي دراسة الشرق والتأثير فيه، أو في سياق الاستغراب، المتمثل في التدبر فيما وصلت إليه الحضارة الغربية والتأثير فيها.
موقف عربي من ظاهرة العولمة
وفي مواجهة ظاهرة العولمة يبرز موقف المثقف العربي الرافض أحيانًا، والمرحب والمتفائل بالظاهرة ومخرجاتها الشاملة في أحيان أخرى، ومن أبرز المثقفين الذين يمكن الحديث عنهم في نقدهم لتلك الظاهرة، وإن كانوا لا ينكرون قوتها وانتشارها، هو المفكر جلال أمين (له كتاب هام وبارز في هذا المجال يحمل نفس الاسم: العولمة)، رغم دراسته في الخارج، وزواجه من سيدة إنجليزية، وتدريسه في الجامعة الأمريكية، وانتمائه لجيل تعرض منذ صغره لبدايات انتشار النموذج الأمريكي في الحياة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأقول النموذج الأمريكي لأن هذا النموذج هو قلب العولمة في جوهرها الثقافي والاجتماعي وتأثيرها على أنماط الحياة.
ومن الغريب أنه، على سبيل المثال، في مصر، إبان عهد الاحتلال البريطاني، لم تتغلغل أنماط الحياة الأوروبية ولغتها في حياة الطبقة الوسطى آنذاك، وربما يعود الأمر لأسباب عدة، منها أن الاحتلال الصريح المباشر يؤثر على القابلية النفسية للفرد بأن يتفاعل مع الآخر ويتقبل نمط حياته وفكره كبديل مباشر لعاداته الموروثة، وحتى وإن كانت مقولة «المغلوب مولع بتقليد الغالب» صائبة في حالات عديدة حتى يومنا هذا، ولكن يمكن الحديث عن الأمية وانتشارها آنذاك، على سبيل المثال، على النقيض من عصرنا الحالي وانتشار معدلات التعليم بما لها من إيجابيات عديدة وبعض السلبيات إن لم تدعمها الثقافة الحقيقية والوعي.
ففي عصرنا الحالي نجد أن الغزو الفكري عبر وسائل التكنولوجيا والإعلام وتطور التواصل عبر إمكانيات لم تشهدها الأجيال الماضية، جعل الجميع خاضعين لأنماط العولمة الثقافية دون استثناء، حتى وإن كانت السياسة الدولية تولد نوعًا من النفور العام تجاه مواقف الغرب، إلا أنه دومًا يوجد انفصال بين الجانب الثقافي والسياسي، وهنا مكمن الخطورة.
التعايش مع العولمة
فنحن في عالمنا العربي، كنموذج بارز وهدف رئيسي لدى الغرب في التعرض لتأثيرات العولمة المختلفة، ندرك دون نقاش عيوب وسلبيات العولمة الاقتصادية وتدخلات المؤسسات الدولية في السياسات الداخلية التي تمس سيادة الدول، ولكن على المستوى الرسمي بوجه عام يتم التعايش معها ومحاولة إيجاد سبل للتعاون والاستفادة الاقتصادية بالذات، حتى وإن كانت على أسس غير متكافئة، وعلى المستوى الشعبي يوجد نوع من التسليم النفسي بأنه لا مفر من التعايش ولو من بُعد مع الآخر، رغم هوان الموقف النفسي المستند إلى حقيقة لا يجهلها الجميع، وهي أن العلاقة مع الغرب هي علاقة «انبهار» اقتصادي واجتماعي وثقافي من طرف واحد، وهو الشرق، ولا استثناء من ذلك، حتى وإن كان هناك اعتراف عام بتاريخنا وبالآثار والتعرف على بعض الجوانب الفنية عبر العصور التي نبعت من عالمنا العربي، إلا أن المحصلة النهائية هي ضعف أو انعدام التوازن في المعرفة والإدراك بين الشرق والغرب، حتى في ظل ما يقال عليه منذ سنوات «القرية الصغيرة».
فالواقع أن هذه القرية ينظر فيها الجميع إلى شخص يسمع عنهم من بعيد وينظر إليهم فقط من منظور كيفية الاستفادة من مواردهم التي قد يرى أنهم غير جديرين بها، وأن الأولى أن يستفيد بها الغرب، مما يرسخ التفاوت بين الجانبين في الواقع، وإن اعترف الغرب ببعض المزايا لدى الشرق، فالأساس لديه هو الطبقية السياسية والاجتماعية والاقتصادية بكافة أبعادها.
وقد يبدو الإطار العام لحديثي سلبيًا عن العولمة وعلاقة الشرق والغرب، ولكن تلك حقيقة يدركها الجميع وإن كان البعض يلتف حولها، متذرعًا بمميزات تحمل في طياتها العيوب بجانب الإيجابيات، وعلى رأسها التكنولوجيا.
وبالعودة إلى المفكر جلال أمين في كتابه «العولمة» نجد أنه يرى أن ما تفعله التكنولوجيا الحديثة بهوية الإنسان داخل الدولة الواحدة، تفعل مثله بثقافات مختلف الأمم في العالم ككل، فكما خلبت التكنولوجيا الحديثة لب المستهلك الفرد حتى استسلم لها، خلبت لب الأمم، مما أدى إلى تضحية الواحدة بعد الأخرى منها بجزء بعد آخر من استقلالها الثقافي.
فعلى المستوى الإنساني نجد أن التأثير الخطر يكمن في أننا نعيش في عصر كثيرًا ما يسمى بعصر المعلومات، أو بالعصر الذي يشهد ثورة المعلومات، ولكن الأقرب إلى الحقيقة أنه عصر «الثرثرة».
ولقد ميز الفقهاء المسلمون القدامى بين علم ينفع الناس وعلم لا ينفعهم، ولابد لنا من أن نفعل مثلهم، ذلك أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة المعرفة، بل كثيرًا ما يكون العكس هو الصحيح، وذلك عندما تضيع فائدة المعلومة الجديدة وسط كم هائل من المعلومات، وعندما تهدر كثرة المعلومات فرصة التفكير أو التحليل، وإذا بكثرة المعلومات تضعف ملكة التفكير والنقد لدى القارئ أو المستمع، وتمييز التحليل المجرد عن الغرض من التحليل الذي يستهدف التضليل.
المجتمع الاستهلاكي
وحول انتشار المجتمع الاستهلاكي، فالظاهرة عالمية بطبيعة الحال وإن بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية، ويقول جلال أمين في هذا الصدد: «كنت كلما ذهبت إلى إنجلترا ثم إلى الولايات المتحدة عامًا بعد عام، ألاحظ اتساع المجتمع الاستهلاكي وانتشاره أكثر فأكثر، حتى اقتحم ميادين كان المفترض أنها أبعد ما تكون عن تشجيع الاستهلاك، كالمدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية والأنشطة الرياضية، كما تسابقت الشركات الكبرى، وهي أكبر المستفيدين من المجتمع الاستهلاكي، على غزو عقول الناس منذ نعومة أظافرهم، فرضخت المؤسسات الثقافية لما تمارسه الشركات من ضغوط».
من ثم فإن «ظاهرة المجتمع الاستهلاكي كما تبدو في بلاد الرخاء قد تظهر لنا كتبديد سفيه للموارد أو انشغال بغير المهم بدلًا من المهم، ولكنها عندما تظهر في البلاد الفقيرة تتحول إلى مشهد مأساوي كوميدي وإلى قوة تعمل على تمزيق نسيج المجتمع وحضارته».
كما أنه في ظل هذا الواقع، حيث تسود حضارة السوق، تزول بالتدريج الفوارق بين السلع والناس، فيعامل الناس وكأنهم سلع، وتعامل السلع وكأنها بأهمية البشر، ويصبح كل شيء معروضًا للبيع، فالذي أسقط الاشتراكية ليس تيار الديمقراطية الكاسح، فهو ليس في الحقيقة تيارًا ولا كاسحًا، وإنما أسقطتها مدافع التسويق.
وبالفعل ما زالت مدافع التسويق والتدفق المعلوماتي الذي يخلط النافع بالضار هي المسيطر الأساسي على الحياة المعاصرة كظاهرة عالمية، كما سبق القول.
خاصة وأننا في العالم الثالث نلتقط بعقولنا الأكثر سطحية بصورة أيسر وأسرع، فمن المتفق عليه والمعروف أن استخدام التكنولوجيا في عالمنا العربي دومًا يدخل بدرجة لا يستهان بها في إطار الترفيه والتواصل الذي لا يحمل في جوهره أي نوع من أنواع التواصل، بل هو يكرس الكثير من الأمراض الاجتماعية ويساعد على ترسيخ صفات غير مستحبة عبر وسائل تستخدم ظاهريًا كأنها تسعى للتقريب بين الناس، بينما العكس هو الجاري على أرض الواقع، من خلال تكريس صفات المقارنة والنفاق الاجتماعي، وعرض الآراء المختلفة على الملأ، مما يولد نوعًا من أنواع النقد شبه المستمر لآراء الناس، على اعتبار أن الجميع لن يتفقوا على طول الخط مع الآخرين بطبيعة الحال، سواء سياسيًا أو ثقافيًا أو اجتماعيًا.
وبوجه عام يعتبر جلال أمين أن التسليم بالعولمة بكل مكتسباتها ونتائجها لا يعكس شخصية إيجابية على طول الخط: «فإن اعتبار ظاهرة العولمة حتمية قد لا يكون في الحقيقة أكثر من اعتراف المرء بأنه لم يعد لديه طاقة باقية للمقاومة، أي أنه قد استنفد جهده وأصبح مستعدًا للتسليم، فإذا كان هذا هو اختيار بعضهم فهو ليس ملزمًا لغيرهم، ومن الظلم على أي حال أن يوصف بالحتمية اختيار لا يعكس إلا نفاد الطاقة أو استعجال المكافأة، وهو موقف ظالم لأنه يحمل عدة أجيال قادمة عبء فشل جيل بعينه، ولقد ارتكب كمال أتاتورك مثلًا هذا الخطأ في تركيا باستعجاله التسليم وإعلان الهزيمة أمام حضارة الغرب، ولا يزال أحفاده حتى اليوم يحاولون إصلاح الذي ارتكبه».
وأخيرًا فإن اللافت في رؤية جلال أمين، والذي دفعني إلى عرضها، هو أنها نبعت، كما سبق القول، من شخص استفاد وتفاعل مع الحضارة الغربية علميًا واجتماعيًا، لكنه سعى إلى قول الحق في مجموعة كتبه الفكرية القيمة، والتي تدور حول المجتمع والاقتصاد والسياسة المصرية، وتحليل شخصيات ورموز من مصر بنظرة «لا تجاري الواقع السائد وما ينبغي أن يقال ولا تخشى الاختلاف» بحجة الرغبة في الابتعاد عن الانتقاد الذي يواجهه دومًا من يخرج عن التيار، حتى في نظرته لشخصيات شهيرة كما عرضها في كتابه «شخصيات لها تاريخ»، وفي تحليله لمفهوم التقدم الذي يوجد شبه توافق عليه كخط طولي ممتد من الماضي إلى الحاضر، حيث أيد الفكرة المعاكسة المبنية على أن التقدم والتأخر نسبيان في كافة المجالات، فنحن نتقدم في أشياء ونتأخر في أشياء أخرى، وعبر عن ذلك في مثال متخيل في إحدى فصول كتابه «خرافة التقدم والتأخر» حينما قال إنه إذا بعث شخص كان يعيش في بغداد القديمة ليرى مدينة أمريكية أو أوروبية معاصرة بوجه عام، فسوف تعجبه أشياء ويرفض أشياء أخرى بناءً على المقارنة التي تجري في ذهنه بين الماضي والحاضر، وستتأرجح رؤيته بين السلبي والإيجابي
وفي رؤيتي الشخصية أجد أن ذلك هو الموقف المثالي للمفكر المحب لوطنه، والذي لا يدفعه حب السلطة والنجاح بمعاييره الدنيوية البحتة إلى تبني مواقف من الواقع السائد مفرطة في التفاؤل والتأييد على طول الخط لتحقيق مكتسبات شخصية على حساب الرأي، وقليل من يملك درجة لا يستهان بها من التمرد ومحاولة ترويض الطبيعة والضعف البشري، لكي يكسب نفسه حتى وإن خسر العالم.
فالعولمة نفسها تسعى إلى التنميط، سواء في فكر الأفراد أو سلوك الدول، ولعل من تداعيات ذلك الهدف الموقف الأمريكي من إيران كنموذج لدولة من العالم الثالث، تؤيد التعددية القطبية وتقيم علاقات مع قوى كبرى تتحفظ عليها الولايات المتحدة الأمريكية مثل روسيا والصين، وتتبنى مواقف من المقاومة المشروعة ضد الاحتلال الإسرائيلي، رغم أنها ليست دولة عربية، فالتنميط السياسي للدول مثل التنميط الفكري للفرد، مريح للقوى الكبرى ويحمل في جوانبه فرصة لتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة وإسرائيل، فليس الموقف قاصرًا على الأطماع الاقتصادية رغم أولويتها، أو التذرع الساذج بالمخاطر النووية التي يعلم الجميع أنها، كقوة للدول، تندرج تحت إطار الردع، ولن يتم استخدامها في الواقع حال تطوير تلك القوة أو الحصول عليها، فبجانب كل تلك الأهداف فإن الإذعان الأيديولوجي والفكري والعقلي للدول في العالم الثالث هو هدف رئيسي للقوى الكبرى، تجلت مظاهره في الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، لأن بيئة مسالمة بعقول نسيت قول كلمة «لا» في مواجهة الخطر السياسي، تحقق أهداف إسرائيل من جهة وتكرس الهيمنة الأمريكية من جهة أخرى.
خاتمة
ولذلك فإن العولمة في بعدها الثقافي لا تنفصل أبدًا عن الأهداف السياسية، فالطريقان متقاربان، ويؤديان إلى نتيجة تتضافر لتحقق أطماع القوى الكبرى: هيمنة ثقافية واجتماعية تمثل أرضًا صلبة للتأثير السياسي الواسع النطاق بدون مقاومة تذكر من أي اتجاه.
ولعل المشهد السياسي العالمي الآن ينطبق عليه، كنتيجة لتأثيرات العولمة الاقتصادية والثقافية، قول المهرج في مسرحية «الملك لير» لشكسبير: «قل للمهرجين، لقد ضاعت أرزاق أهل الفكاهة، ضاعت لأن أهل العقل أنفسهم.. خلطوا في تصرفاتهم وارتكبوا الأعمال الشاذة، فأضحكوا الناس جميعًا».