يشير “يوم دي”D-Day [1] في الاصطلاح العسكري إلى يوم السادس من يونيو عام 1944م، ذلك اليوم الذي شنّت فيه قوات الحلفاء هجومًا على القوات الألمانية من ميناء نورماندي الفرنسي، فرسمت بذلك هزيمتها.
وقد استعار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هذا المصطلح لتصعيد الخنق الاقتصادي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مشيرًا بذلك إلى أن العقوبات الاقتصادية ستُردي النظام الإيراني بدلاً من المواجهة العسكرية.
إن أمريكا، خلال 47 عاماً مضت وحتى قبل ذلك، اتخذت تدابير كثيرة ضد إيران؛ ابتداءً من انقلاب 28 مرداد 1332 هـ. ش. (الموافق: 19 أغسطس 1953م)[2]، مروراً بحادثة صحراء طبس[3] وإسقاط الطائرة المدنية على خط طهران – دبي[4]، وصولاً إلى العقوبات الاقتصادية والسياسية والتجارية التي ألزمت بها دولًا أخرى ومنظمات دولية.
وقد جلب ترامب، من جانبه، مشكلات للجمهورية الإسلامية، منها اغتيال الجنرال قاسم سليماني، وتقويض الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015)، ومهاجمة المواقع النووية الإيرانية، غير أن أفدح حماقاته تكمن في شنّه هجوماً عسكرياً على البلاد، ذلك الهجوم الذي أودى في أولى خطواته بحياة قائدِ الثورة والقادةِ العسكريين والمسؤولين السياسيين وأطفالِ مدرسة ميناب.
ثم توسّعت خطواته اللاحقة لتطول المراكز الصناعية والسكنية والتجارية والبنى التحتية الاقتصادية والعسكرية وما إلى ذلك، بيد أن هذه الهجمات لم تُفضِ مطلقاً إلى ما كان يصبو إليه ترامب.
إن استخدام ترامب مؤخرًا للمصطلح العسكري “يوم الإنزال” D-Day لتصعيد العقوبات الاقتصادية يكشف عن فشله في إسقاط النظام الإيراني عبر الحرب، وأنه يستعمل الآن حيلةً جديدة لطيّ صفحة الماضي.
فما هي إذن العوامل المحتملة لنجاح أو فشل رئيس الولايات المتحدة في هذه الحيلة الأخيرة؟!
تكمن عوامل النجاح في:
1ــ الخصائص الاقتصادية لإيران: إن الاعتماد على مبيعات النفط، وضعف البنية الاقتصادية، والتضخم والركود الحاد، وسوء الإدارة، وما إلى ذلك، قد أدى إلى جعل الاقتصاد الإيراني في حالة غير مواتية.
2ــ مشكلات العلاقات الخارجية: بسبب الحرب والمشكلات السابقة في السياسة الخارجية، تواجه علاقات إيران الآن بمختلف الدول، بما في ذلك جيرانها، مخاطر جعلت الوضع صعباً ومعقّداً.
3ــ الهيمنة الأمريكية في المنطقة: فبعض الدول المجاورة، التي تربطها بإيران علاقة وطيدة، لديها في الوقت ذاته علاقات معقدة مع الولايات المتحدة، وهو ما قد يدفعها أوقات الأزمات إلى الابتعاد عن إيران فتتركها بمفردها.
4ــ الصين وأزمة الاقتصاد العالمي: أثبتت الصين أنها، رغم رغبتها في إضعاف الولايات المتحدة، تُفضّل استقرار الأوضاع الاقتصادية عالمياً، وسعت عبر ضبط وارداتها والاستفادة من مخزونها البالغ مليار برميل من النفط إلى الحدّ من الأضرار الناجمة عن هذا الأمر، وهو ما لا يتماشى مع مصالح إيران تجاه أمريكا.
5ــ روسيا ومشكلاتها: إن روسيا هي الأخرى منهمكة في الحرب مع أوكرانيا، كدولة تتفق مع إيران ضد أمريكا، وقد تنسحب لصالح مصلحتها الخاصة ولا تؤازر طهران.
وتتلخص عوامل فشل أمريكا في:
1ــ تاريخ الصمود الإيراني: ظلت إيران لسنوات طويلة تحت وطأة أشد العقوبات وأقسى حصار اقتصادي، وقد تمكنت خلال هذه الفترة من الالتفاف على العقوبات والصمود في وجه أمريكا وأوروبا؛ لذا فإن الاقتصار على زيادة العقوبات لن يجدي نفعاً.
2ــ آثار العقوبات ونتائجها: أثبتت العقوبات السابقة أنه لا توجد حكومة تنهار بمجرد فرض العقوبات، بل الشعوب هي من تتحمل وطأتها؛ فضغط الحصار الاقتصادي يمكن أن يُربك الحكومات، لكن في النهاية الشعب هو من يتحمل ثقله.
3ــ التكلفة الباهظة للحصار: إلى جانب الإشكالات اللوجستية للحصار البحري على إيران وضعف الأساطيل الأمريكية (وهو ما ثبت بالتجربة)، هناك رقابة صارمة ومواجهة لأي مساعدات تُقدَّم لإيران، وبالتالي سيزيد ذلك من استنزاف طاقة أمريكا بشكل كبير ويُكبّدها تكلفة باهظة.
4ــ ارتفاع أسعار النفط: إن استمرار إغلاق مضيق هرمز والحصار البحري على إيران قد يرفع سعر النفط، لا سيما إذا تراجع أكثر مخزون النفط الأمريكي الذي بات حالياً دون ثلاثمائة مليون برميل، وهو ما سيؤدي إلى حدوث طفرة في أسعار النفط ومشتقاته.
5ــ مستقبل ترامب السياسي: يعود أكبر عائق أمام استمرار الحرب والتوتر مع إيران إلى الشأن الداخلي الأمريكي، وتحديداً انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي التي من المحتمل أن يفوز بها الديمقراطيون، ويُقرّ ترامب نفسه بأن مستقبلاً عسيراً في انتظاره بعد ذلك.
إن مقصد ترامب من “يوم الإنزال” هو الشروع في حرب جديدة مع إيران، بعد أن جرّب سائر فرصه الأخرى، وسيكون هذا سلاحه الأخير، فإن فشل في تحقيق نتائجه؛ فسيكون مصيره مختلفًا عن مصير نورماندي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] تاريخيًا يعود أول استخدام موثق لمصطلح “يوم ــ دي” إلى الأمر الميداني رقم (9) الصادر عن الجيش الأمريكي عام 1918 (معركة سانت ميهيل)، ثم ارتبط تاريخيًا بـ6 يونيو 1944م، فيما يُعرف بـ”إنزال نورماندي” وهو تاريخ إنزال قوات الحلفاء على شواطئ “نورماندي” الفرنسية للبدء في إسقاط ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية ويعد أكبر غزو بحري – بري – جوي في التاريخ وقت تنفيذه، وكان نقطة بداية تحقيق الانتصار في الحرب العالمية الثانية لمعسكر الحلفاء، الذي ضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفياتي. / المترجمة
لغويًا: يرمز حرف (D) إلى كلمة (Day) نفسها؛ فهو اختصار رمزي لـ(Day-Day) تكراراً بمعنى “يوم اليوم” أو “اليوم المحدد” في الشفرة العسكرية القياسية، ويُستخدم لتحديد يوم بدء عملية سرية أو خطة حربية مجهولة التاريخ الفعلي مسبقًا (سواء لأسباب أمنية أو لأن التاريخ لم يُحدد بعد وقت التخطيط)، وتُحسب التوقيتات بالنسبة له (مثل: D-1 لليوم السابق، وD+1 لليوم التالي). / المترجمة
[2] انقلاب دبّرته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية (MI6)، أطاح برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، إثر إقدامه على تأميم صناعة النفط الإيرانية عام 1951م، وأعاد للشاه محمد رضا بهلوي سلطاته الكاملة./ المترجمة
[3] يشير إلى فشل عملية مخلب النسر الأمريكية لتحرير رهائن السفارة الأمريكية عام 1980م. / المترجمة
[4] يشير إلى إسقاط طائرة إيران إير 655 (3 يوليو 1988م) حيث أسقطت البارجة الأمريكية “يو إس إس فينسنس” طائرة ركاب إيرانية مدنية كانت متجهة من بندر عباس إلى دبي فوق مضيق هرمز، بعد أن أخطأت في تحديد هويتها وظنّتها طائرة حربية معادية، ما أدى إلى مقتل جميع من كان على متنها وعددهم 290 شخصاً، من ركاب وطاقم، ولم تعترف الولايات المتحدة رسمياً بارتكاب هذا الخطأ، لكنها دفعت لاحقاً تعويضات مالية، أعربت خلالها عن “أسفها العميق للخسائر في الأرواح الناجمة عن الحادثة”. / المترجمة
ــــــــــ
مقال مترجم من صحيفة “آرمان امروز” الإصلاحية الإيرانية (بالعربية: الآمال اليوم)، بعنوان “روز دی و آخرین حربه” (بالعربية: يوم دي والحيلة الأخيرة)، نشره الكاتب حميد روشنائي، بتاريخ 3 شهریور 1405هـ. ش. الموافق الثلاثاء 25 أغسطس 2026م.
