في 27 يونيو 2026 أصدر 62 عضوًا من أعضاء مجلس خبراء القيادة الإيراني بياناً سياسياً تضمن عشر نقاط تناولت التطورات الأخيرة، وإمكانية استئناف المباحثات بين إيران والولايات المتحدة. ولا تقتصر أهمية هذا البيان على كونه تعليقاً على المفاوضات الجارية، بل لأنه بيان كاشف لطبيعة العلاقات داخل النظام الإيراني في مرحلة شديدة الحساسية. فالبيان حمل رسائل موجهة إلى أطراف متعددة، إلى المفاوضين الإيرانيين وإلى أمريكا وإلى الداخل بل وإلى الرأي العام الإيراني، ومن ثم فإن البيان يتجاوز ظاهره السياسي و يدل على حجم الخلافات الداخلية بشأن إدارة المرحلة المقبلة.
أولاً: تأكيد البيان على مركزية المرشد الأعلى
تكشف القراءة الدقيقة للبيان أن السمة الأبرز فيه هي الذكر المتكرر للمرشد الأعلى بوصفه المرجعية النهائية في عملية صنع القرار، فمن بين النقاط العشر الواردة في البيان جاءت أربع نقاط رئيسية وهي الأولى والرابعة والخامسة والسابعة لتؤكد بصورة مباشرة ضرورة الالتزام بتوجيهات المرشد الأعلى وخطوطه الحمراء.
ففي النقطة الأولى اعتبر البيان أن الالتزام بالخطوط الحمراء التي حددها المرشد “واجب شرعي” وهذا ليس مجرد تأكيد على دوره السياسي بل تؤكد على أن تنفيذ أوامر المرشد واجب ديني إلزامي، أما النقطة الرابعة فقد شددت على أن الحقوق النووية الإيرانية لا ينبغي أن تكون محل نقاش أو مساومة، بينما أكدت النقطة الخامسة أن رفع العقوبات واستعادة الأموال المجمدة والحصول على تعويضات مطالب لا يجوز التهاون بشأنها طبقًا لأوامر المرشد، وجاءت النقطة السابعة لتكون الأكثر صراحة عندما اعتبرت أن رأي الولي الفقيه هو “فصل الخطاب”وأنه لا يحق لأي مسؤول اتخاذ موقف يخالف رؤيته.
ولا يمكن النظر إلى هذا التكرار المتعمد للإشارة إلى المرشد الأعلى باعتباره مجرد تأكيد بروتوكولي على مكانته الدستورية، بل يبدو أقرب إلى عملية إعادة تثبيت واعية لمركزية الولي الفقيه في لحظة تشهد نقاشات داخلية حساسة واحتمالات لحدوث تطورات دبلوماسية قد تعيد تشكيل توازنات القوى داخل النظام، فالتأكيد على ما هو محسوم دستورياً بالفعل يكشف في حد ذاته عن إدراك لدى أصحاب البيان بوجود خلافات في تقدير الموقف داخل النخبة الحاكمة وعن رغبة واضحة في منع ظهور أي انطباع بأن الحكومة أو الفريق المفاوض يمتلكان مساحة مستقلة لاتخاذ القرارات، ومن ثم فإن الرسالة الأساسية للبيان لا تتعلق بشرعية المرشد بقدر ما تتعلق بالحفاظ على مركزية مرجعيته السياسية واحتكاره لسلطة الحسم النهائي في القضايا المصيرية.
ثانياً: البيان كدليل على الانقسامات الداخلية
إن مضمون البيان يكشف عن وجود تباينات داخلية واضحة بشأن كيفية إدارة المرحلة الراهنة، ويتجلى ذلك بصورة خاصة في النقطة السادسة التي طالبت المسؤولين بالامتناع عن أي تصريحات توحي بضعف الدولة أو عجزها أو عدم قدرة المجتمع على الصمود، وتشير هذه الفقرة ضمنياً إلى وجود أصوات داخل النخبة الحاكمة لديها رغبة قوية في الوصول إلى تسوية مع أمريكا، حيث تحدث خلال الأشهر الأخيرة بعض المسئولين عن حجم الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها البلاد وعن الحاجة إلى تخفيف التوترات الخارجية لتجنب مزيد من الاستنزاف وعلی رأسهم الرئيس الايراني بزشكيان الذي صرح يوم الأحد 31 مايو أن بلاده تواجه ظروفاً اقتصادية غير عادية وغير سهلة، ويبدو أن أصحاب البيان ينظرون إلى مثل هذه التصريحات باعتبارها خطراً استراتيجياً فهي قد تمنح أمريكا انطباعاً بأن إيران تمر بمرحلة ضعف تجعلها أكثر قابلية لتقديم التنازلات كما قد تؤدي داخلياً إلى تراجع الروح المعنوية للمجتمع وإضعاف ثقته بقدرة الدولة على الصمود.
وهذه الفقرة تكشف عن وجود صراع بين تيارين داخل النظام أحدهما يميل إلى خطاب أكثر براغماتية يعترف بوجود تحديات حقيقية تستدعي حلولاً دبلوماسية والآخر يتمسك بشعارات “القوة والصمود والانتصار” باعتبارها أحد أهم مصادر شرعية النظام، ويؤكد هذا المعنى أيضاً ما ورد في النقطة التاسعة التي دعت إلى استمرار حضور المواطنين في الميدان والمحافظة على حالة التعبئة والوحدة الوطنية. وهذا يدل أن النظام لا يريد فقط الحفاظ على التماسك المجتمعي بل يسعى أيضاً إلى إبقاء المجتمع في حالة احتشاد نفسي ومعنوي دائم لأن خفوت هذه الروح قد يُفسر داخلياً وخارجياً بوصفه تراجعاً في قدرة الدولة على المقاومة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر إذا أخذنا في الاعتبار أن البيان نفسه يمثل تدخلاً غير مسبوق من أعضاء مجلس خبراء القيادة في ملف التفاوض مع أمريكا، فالمجلس لا دور مباشر له في إدارة السياسة الخارجية، وهذا البيان يشير إلى أن مختلف المؤسسات ترغب في أن يكون لها دور في توجيه مسار المرحلة المقبلة، كما يعكس إدراكاً داخل النظام بأن المفاوضات لم تعد شأناً دبلوماسياً صرفاً بل أصبحت قضية تمس مستقبل الدولة وتوازنات السلطة فيها.
ثالثاً: دلالات البيان وانعكاساته على مستقبل المباحثات الإيرانية – الأمريكية
يرسل البيان إشارة واضحة إلى أمريكا بأن هامش التنازلات المتاح أمام الوفد الإيراني محدود للغاية، فقد جاءت النقطة الخامسة لتضع قائمة واضحة من المطالب التي وصفت بأنها “مطالب القيادة والشعب”، وتشمل رفع العقوبات واستعادة الأموال الإيرانية المجمدة والحصول على تعويضات عن الخسائر وخروج الولايات المتحدة من المنطقة فضلاً عن تثبيت إدارة مضيق هرمز، وإن وضع هذه المطالب كمطالب غير قابلة للتهاون يرفع سقف التفاوض الإيراني إلى مستوى بالغ الارتفاع، ويجعل الوصول إلى اتفاق شامل أمراً معقدًا خاصة في ظل رفض البيان مناقشة الحقوق النووية الإيرانية واعتبارها خارج دائرة التفاوض.
وتكشف النقطة الثامنة عن بعد آخر لا يقل أهمية إذ حذرت صراحة من إطالة وقت المفاوضات ودعت إلى حسم القضايا المطروحة خلال مدة زمنية محددة، انطلاقاً من قناعة بأن أمريكا قد تستغل الحوار لكسب الوقت وإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية والدولية، وتعكس هذه الفقرة استمرار حالة انعدام الثقة تجاه أمريكا داخل جزء مهم من النخبة الحاكمة، التي تعتقد أن التفاوض المطول أداة لإدارة الصراع وليس لتسويته.
وتشير هذه النقطة أيضاً إلى وجود تيار مؤثر داخل إيران لا يؤمن بمنطق المفاوضات الطويلة، بل يفضل أحد خيارين إما التوصل سريعاً إلى تفاهم يحقق مكاسب واضحة، أو إنهاء الحوار والعودة إلى سياسة الضغوط، ولذلك يمكن القول إن البيان حاول وضع قيود على أي مسار تفاوضي ومنع تحوله إلى عملية طويلة قد تؤدي تدريجياً إلى تقديم تنازلات بسبب الضغوط الاقتصادية والسياسية.
خاتمة:
لا يمثل بيان أعضاء مجلس خبراء القيادة مجرد تعليق على المباحثات مع أمريكا، بل يعكس لحظة سياسية داخلية شديدة الأهميمة فقد أعاد التأكيد بصورة غير مسبوقة على مركزية المرشد الأعلى وحدود الحركة المتاحة للمفاوضين، وكشف في الوقت ذاته عن وجود اختلافات داخلية بشأن كيفية إدارة الأزمة الراهنة، كما أظهر إصرار النظام على المحافظة على حالة التعبئة الشعبية بوصفها أحد عناصر القوة والردع في مواجهة الضغوط الخارجية.،وفي المحصلة يبعث البيان برسالة واضحة أن أي تفاهم محتمل مع أمريكا سيظل محكوماً بقيود أيديولوجية صارمة، وأن فهم مسار المباحثات الإيرانية-الأمريكية يقتضي قبل كل شيء فهم طبيعة النظام الإيراني ذاته، حيث تتعدد المؤسسات وتتداخل أدوارها لكن القرار النهائي يظل بيد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية.