وقعت الحكومة اللبنانية مساء الجمعة 26 يونيو 2026م، اتفاقا إطاريا مكونا من 14 بندا مع الحكومة الإسرائيلية في واشنطن برعاية أمريكية، وعلى الفور رفضه حزب الله والكتل الشيعية في لبنان، وتحدث في هذا الأمر نيابة عن الجميع النائب عن كتلة الوفاء للمقاومة، حسين فضل الله، إلى جانب الرفض الإيراني الأكيد المرتقب لمثل هذا الاتفاق.
ففي إيران ينظر صانع القرار إلى الاتفاق اللبناني ــ الإسرائيلي برعاية أمريكية باعتباره ترتيبات أمنية تخص الحدود اللبنانية كمرحلة أولى ثم ينظر إليه باعتباره جزءا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية؛ ولذلك جاء الموقف الإيراني رافضا للاتفاق من الناحية السياسية والإيديولوجية، انطلاقا من رفض أي تسوية تؤدي إلى تكريس التفوق الإسرائيلي أو إعادة هندسة موازين القوى الإقليمية على حساب ما تسميه طهران “محور المقاومة”.
غير أن حساسية الاتفاق بالنسبة لإيران تكمن أساسا في أنه يتجاوز مسألة وقف إطلاق النار ليطرح عمليا معادلة جديدة تقوم على تعزيز سلطة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية، وهو ما تنظر إليه طهران باعتباره محاولة تدريجية لتقليص الدور العسكري لحزب الله، ومن ثم إضعاف أهم أدوات الردع التي بنتها إيران في المشرق العربي طوال العقود الماضية، وإهدار لرأس المال السياسي والعسكري والاقتصادي الذي أنفقته على الحزب على مدى أكثر من أربعين عاما.
ومع ذلك، لم تتجه إيران إلى إفشال الاتفاق بصورة مباشرة ــ حتى الآن ــ وهو ما يعكس أن حساباتها الإستراتيجية أصبحت أكثر تعقيدا من مجرد الدفاع عن حلفائها؛ لأنها تدرك أن أي تصعيد واسع في لبنان قد يهدد المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة الأمريكية ويعيد اللحمة إلى التفاهم الأمريكي الإسرائيلي بخصوص المسألة اللبنانية ويفقدها الوصول النهائي إلى الاتفاق التاريخي مع أمريكا والذي ستخرج منه بانتصارات سياسية وجيوستراتيجية واقتصادية طائلة، إلى جانب أنه يمنح إسرائيل مبررا لتوسيع عملياتها العسكرية، ويضعها أمام استنزاف عسكري واقتصادي لا تبدو مستعدة له في المرحلة الراهنة.
ويعكس هذا السلوك الإيراني تحولا تدريجيا في إدارة السياسة الإقليمية لبيت القيادة؛ فبدلا من توسيع ساحات المواجهة، باتت الأولوية تتمثل في إدارة النفوذ والحفاظ على الحد الأدنى من أوراق القوة، من خلال تجنب المواجهات الشاملة، وإعادة توزيع أدوات التأثير بين النفوذ العسكري والسياسي، مع الاحتفاظ بقدرات الردع التي تمنع خصومها من فرض وقائع إستراتيجية جديدة.
في هذا السياق، جاءت التطورات الأخيرة في مضيق هرمز لتكشف أن التفاهمات الإيرانية ــ الأمريكية برعاية باكستانية قطرية أصبحت تواجه أول اختبار عملي منذ التوصل إليها، ذلك أن الضربات الأمريكية التي استهدفت مواقع صاروخية ومنشآت للطائرات المسيرة والرادارات الساحلية الإيرانية، ردا على استهداف سفينة تجارية، تؤكد أن واشنطن باتت تتعامل مع أي تهديد لحرية الملاحة باعتباره خرقا مباشرا للتفاهمات القائمة، حتى وإن كانت حريصة على عدم توسيع نطاق المواجهة.
وفي المقابل، فإن استمرار قنوات الاتصال العسكرية بين الطرفين لمنع الاحتكاك في مضيق هرمز، رغم وقوع الضربات الأمريكية، يشير إلى أن كلا من طهران وواشنطن يسعيان إلى احتواء التصعيد لا إلى إنهاء التفاهمات؛ ويعني هذا أن استخدام القوة العسكرية المحدودة أصبح جزءا من آلية إدارة الأزمة، وليس بالضرورة مؤشرا على انهيار المسار السياسي.
ومن ثم، فإن ما نشهده اليوم ليس عودة إلى سياسة الحرب المفتوحة، ولا انتقالا إلى مرحلة سلام مستقر، وإنما إلى نموذج جديد من إدارة الصراع، يسمح للطرفين بتبادل الضغوط والردود العسكرية المحسوبة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خطوط الاتصال ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ويمكن وصف هذه المرحلة بأنها انتقال من التفاوض على التفاهمات إلى مرحلة فرض الالتزام بها واختبار حدودها ميدانيا.
وفي ضوء ذلك، يصبح الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي جزءا من معادلة أمنية إقليمية أوسع تمتد من جنوبي لبنان إلى مضيق هرمز، بحيث لم يعد نجاحه مرتبطا فقط بالأوضاع داخل لبنان، وإنما بقدرة الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على ضبط قواعد الاشتباك في الخليج العربي، ومنع الأزمات المتفرقة من التحول إلى صدام إقليمي واسع.
وتواجه إيران في المرحلة الحالية مجموعة من القيود الإستراتيجية، تتمثل في الضغوط الاقتصادية، وتكاليف الانخراط في أكثر من ساحة إقليمية، والحاجة إلى الحفاظ على المكاسب التي حققتها عبر المسار التفاوضي مع واشنطن؛ ولذلك، فإن هامش المناورة أصبح أكثر ضيقا، وهو ما يفسر ميلها إلى إدارة النفوذ وتقليل الخسائر، بدلا من خوض مواجهات مفتوحة يصعب التحكم في نتائجها.
عليه يمكن تلخيص الموقف الإيراني في معادلة واضحة تنهض على رفض سياسي للاتفاق اللبناني – الإسرائيلي، ورفض لتحويله إلى أداة لإعادة هندسة ميزان القوى داخل لبنان، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم إسقاط التفاهمات الأوسع مع الولايات المتحدة، ومن هنا، فإن الإستراتيجية الإيرانية الراهنة تقوم على التكيف مع الوقائع الجديدة، والاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من أوراق الردع، مع تجنب الوصول إلى نقطة تؤدي إلى انهيار منظومة التفاهمات التي ما تزال تحكم العلاقة بين طهران وواشنطن، بالرغم من الضربات العسكرية المتبادلة واختبارات الميدان.