تنعكس تأثيرات السياسة الإيرانية في العديد من المجالات التي تبدو، ظاهريًا، بعيدة عن السياسة، لكنها في القلب من العملية السياسة من جوانب غير مرئية، فكثيرًا ما يوظف الإيرانيون المواقف والأحداث والمناسبات المختلفة للتعبير عن مواقفهم المؤيدة أو المعارضة للنظام السياسي.
ولا يُعد المجال الرياضي في إيران استثناءً من هذه القاعدة، بل يمثل أحد أبرز الميادين التي تتداخل فيها الرياضة مع السياسة، في ظل ثقافة سياسية تضفي أبعادًا سياسية على كثير من مظاهر الحياة العامة.
كأس العالم 2022 في قطر
ولقد شارك المنتخب الإيراني لكرة القدم في نهائيات كأس العالم عدة مرات، غير أن خسارته أمام المنتخب الأمريكي بهدف دون رد في مونديال قطر عام 2022، تُعد محطة تستحق التوقف عندها؛ إذ لم تكن تلك الخسارة مجرد نتيجة رياضية عادية، بل اكتسبت أبعادًا سياسية واجتماعية عميقة.
فبعد انتهاء المباراة، امتلأت شوارع طهران وعدد من المدن الإيرانية بمحتجين احتفلوا بهزيمة منتخب بلادهم، ورفعوا لافتات تحمل شعار الاحتجاجات الأشهر: “زن، زندگی، آزادی” (بالعربية: المرأة، الحياة، الحرية).
ولا يمكن فهم هذا السلوك أو تفسيره بعيدًا عن إطارين رئيسيين، هما: الإطار التاريخي، والإطار العقائدي.
ــ الإطار التاريخي: فقد تزامنت بطولة كأس العالم قطر 2022 مع موجة الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في إيران عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق، على خلفية اتهامها بعدم الالتزام بقواعد الحجاب.
وفي هذا السياق، اتخذ قطاع من الإيرانيين من الاحتفال بهزيمة منتخب بلادهم – بوصفه أحد الرموز المرتبطة بالدولة – وسيلةً للتعبير عن رفضهم للنظام الحاكم وسخطهم على سياساته.
ــ الإطار العقائدي: يقوم الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية على مرتكزات مستمدة من الفكر الشيعي الاثني عشري، وفي مقدمتها ثنائية “المستضعفين ــ المستكبرين”، ويُقدِّم النظام الإيراني نفسه بوصفه ممثلًا للمستضعفين في مواجهة قوى الاستكبار العالمي.
غير أن تعريف “المستكبر” ظل متغيرًا تبعًا للظروف التاريخية والسياسية؛ فقبل قيام الثورة الإسلامية عام 1979 كان شاه إيران، محمد رضا بهلوي، يُقدَّم بوصفه رمزًا للاستكبار الداخلي، بينما أصبحت الولايات المتحدة، بعد نجاح الثورة، تمثل “الاستكبار العالمي”.
ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير احتفال بعض المحتجين الإيرانيين في ذلك الوقت بخسارة منتخب بلادهم أمام الولايات المتحدة باعتباره تعبيرًا رمزيًا عن تفضيل هزيمة “المستكبر المحلي”، أي النظام الحاكم، حتى وإن جاء ذلك على يد “المستكبر الخارجي”، وفق رؤية تمزج بين الاعتبارات السياسية والرمزية والعقائدية.
كأس العالم 2026 في أمريكا
مع انطلاق منافسات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة الأمريكية، لم يتردد الإيرانيون مرة أخرى في توظيف الحدث الرياضي للتعبير عن مواقفهم السياسية، فقد شهدت المباراة الافتتاحية للمنتخب الإيراني أمام نيوزيلندا، ضمن منافسات دور المجموعات في 16 يونيو 2026م، رفع عدد من المشجعين الإيرانيين المقيمين في الخارج لافتات مناهضة للنظام، كما لوحوا بعلم الأسد والتاج، الذي كان العلم الرسمي لإيران في عهد الأسرة البهلوية، تعبيرًا عن رفضهم للنظام الحالي، وانطلاقًا من اعتبارهم أن المنتخب يمثل الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني.
وفي المقابل، أعرب المدير الفني للمنتخب الإيراني، أمير قلعه نويي، عن أمله في أن تسهم مشاركة المنتخب في توحيد الإيرانيين داخل البلاد وخارجها، بعيدًا عن الانقسامات السياسية.
ولم يقتصر توظيف كرة القدم على المعارضة الإيرانية، بل استثمره أيضًا المسؤولون الإيرانيون لإرسال رسائل سياسية تتجاوز حدود الرياضة، فعلى سبيل المثال، نشر رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الوفد المفاوض مع الولايات المتحدة، محمد باقر قاليباف، صورة لحارس مرمى المنتخب الإيراني رضا بيرانفاند وهو يتصدى لإحدى الكرات خلال مواجهة المنتخب البلجيكي، وأرفقها بتعليق جاء فيه: “هكذا نحمي أرضنا”.
وقد حملت هذه الرسالة دلالات سياسية واضحة، إذ سعت إلى الربط بين صمود حارس المرمى في الدفاع عن شباكه وبين تمسك إيران بالدفاع عن سيادتها الوطنية ورفضها تقديم تنازلات في الملفات التي تعتبرها من ثوابتها الاستراتيجية على طاولة المفاوضات.
خاتمة
تتميز السياسة في إيران بقدرتها على التغلغل في مختلف مجالات الحياة العامة، بما في ذلك المجالات التي تبدو بعيدة عن التنافس السياسي المباشر، مثل الرياضة. ومن ثم، تتحول المناسبات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها بطولة كأس العالم، إلى منصات لتبادل الرسائل السياسية بين النظام ومعارضيه؛ فبينما يوظفها النظام لترسيخ خطاباته السياسية والوطنية، تستغلها قطاعات من المجتمع الإيراني للتعبير عن مواقفها المعارضة، بما يجعل كرة القدم في الحالة الإيرانية تتجاوز كونها لعبة رياضية، لتصبح ساحةً أخرى من ساحات الصراع السياسي والرمزي داخل المجتمع الإيراني.