فرضت مواجهات مونديال كأس العالم في نسخته الحالية لعام 2026 نفسها على الواقعين الرياضي والسياسي معًا، خاصة إذا ما سيطرت فكرة احتراف أو شراء اللاعبين المميزين على تفكير الكثير من دول العالم لضمهم لمنتخباتهم، وهو ما يفتح الباب أمام مناقشة فكرة “تعدد الهويات لدى اللاعبين” خلال ترديد السلام الوطني لدول لا ينتمي إليها هؤلاء اللاعبين الوافدين على منتخبات تلك الدول.
فحين يُنشِد لاعبٌ قبل المباراة النشيد الوطني لبلدٍ لم يولد فيه، أو حين يشير اسم عائلته إلى أرضٍ أخرى، فإنه يروي قصةً تتجاوز كرة القدم؛ وهي قصة انتقال البشر في عالمٍ ما تزال حدوده قائمة، لكن حياة سكانه باتت أكثر تشابكًا من أي وقت مضى.
في الماضي، كانت الإجابة عن هذا السؤال بسيطة: يلعب اللاعب لصالح البلد الذي وُلد فيه. لكن كأس العالم اليوم لم يعد ينتمي إلى ذلك العالم البسيط. ففي كثير من المنتخبات الوطنية، يوجد لاعبون وُلدوا في بلد، ونشأوا في بلد آخر، بينما تعود جذور عائلاتهم إلى أرضٍ ثالثة. وبعضهم يحمل أكثر من جواز سفر، ويجد نفسه مضطرًا للاختيار بين هويات متعددة من أجل تمثيل منتخبٍ وطني واحد.
الهجرة تسيطر على كأس العالم
يشهد كأس العالم 2026 حضورًا لافتًا لعشرات اللاعبين الذين تعكس حياتهم صورة العالم المعاصر القائم على الهجرة، هؤلاء اللاعبون ليسوا مجرد رياضيين، بل هم رواة لقصة أكبر تتعلق بالعولمة والهجرة وتعقيد الهوية في القرن الحادي والعشرين. ومن بين 1248 لاعبًا يشاركون مع 48 منتخبًا، هناك 289 لاعبًا يمثلون دولًا لم يولدوا فيها، وهو رقم يكشف أن كرة القدم الدولية باتت أكثر تأثرًا من أي وقت مضى بالهجرة وتعدد الجنسيات وانتقال الأجيال.
ووفقًا للإحصاءات الصادرة عن القوائم النهائية للمنتخبات المشاركة، فإن 40 منتخبًا من أصل 48 يضم في صفوفه لاعبًا واحدًا على الأقل وُلد خارج حدود الدولة التي يمثلها. وهذا يعني أن ثمانية منتخبات فقط اعتمدت بالكامل على لاعبين وُلدوا داخل أراضيها.
وتُعد البرازيل والسويد والسعودية والنمسا وكولومبيا وبنما وجنوب أفريقيا وجمهورية التشيك المنتخبات الوحيدة التي وُلد جميع لاعبيها الستة والعشرين داخل بلدانهم. أما المنتخبات الأربعون الأخرى، فتضم لاعبًا واحدًا على الأقل من مزدوجي الجنسية، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية.
وتُظهر الأرقام أن كأس العالم 2026 يختلف كثيرًا عن النسخ السابقة. ففي مونديال 2002، لم يكن سوى 63 لاعبًا يمثلون دولًا غير تلك التي وُلدوا فيها. وارتفع العدد إلى 64 لاعبًا عام 2006، ثم إلى 75 عام 2010، و84 عام 2014، و137 عام 2022. أما اليوم، فقد بلغ العدد 289 لاعبًا، أي ما يعادل 23.15% من إجمالي المشاركين في البطولة.
في الماضي، كانت الأمم تُصوَّر غالبًا بوصفها مجتمعات متجانسة نسبيًا؛ إذ كان معظم الناس يعيشون في البلدان نفسها التي عاش فيها آباؤهم وأجدادهم. غير أن موجات الهجرة الواسعة خلال العقود الأخيرة غيّرت هذه الصورة. فقد غادر ملايين الأشخاص أوطانهم واستقروا في دول أخرى، ونشأ أبناؤهم في بيئات تجمع بين ثقافتين أو أكثر، تمامًا كما في حالة اللاعب فلامين يامال، نجم منتخب إسبانيا، الذي ينحدر من أصول مهاجرة؛ فوالده مغربي ووالدته من غينيا الاستوائية.
وكما في حالة مسعود أوزيل الذي حرص على زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبيل كأس العالم 2018 وهي الزيارة التي أثارت جدلًا واسعًا في ألمانيا، وتسببت له في متاعب كبيرة. إذ أن أوزيل وُلد في ألمانيا، لكن عائلته من أصول تركية. وهو مسلم ملتزم، وكان يحرص دائمًا على تلاوة آيات من القرآن الكريم بصوت خافت قبل دخوله إلى أرض الملعب.
وبالنسبة إلى هذا الجيل الجديد، أصبحت الهوية مفهومًا معقدًا، فالشاب الذي وُلد في فرنسا لوالدين جزائريين قد يرى نفسه فرنسيًا وجزائريًا في آنٍ واحد. واللاعب الذي نشأ في ألمانيا وله جذور تركية قد يشعر بالانتماء إلى الثقافتين معًا. هؤلاء الأشخاص لا يختارون بالضرورة بين هويتين متعارضتين، بل يعتبرون كلتيهما جزءًا من شخصياتهم.
فقوانين المنتخبات الوطنية تقوم على أساس الحدود السياسية، ويتعين على اللاعب أن يقرر أي قميص سيرتدي. وقد يبدو هذا القرار رياضيًا بحتًا، لكنه في كثير من الأحيان يحمل أبعادًا عاطفية وهوياتية عميقة، لأن اختيار منتخب معين قد يُنظر إليه على أنه اختيار لهوية بعينها.
ومن هنا تبدأ المشكلة؛ إذ لا يزال كثير من المشجعين ينظرون إلى مفهوم الأمة من منظور تقليدي، يرون فيه أن الانتماء الوطني يجب أن يكون واضحًا ونهائيًا وأحاديًا. لكن تجربة ملايين المهاجرين وأبناء المهاجرين تُظهر أن الهوية قد تكون متعددة ومعقدة في الوقت ذاته.
فاللاعب الذي يختار تمثيل بلد مولده قد يتعرض للانتقاد في بلد أصوله العائلية، بينما قد يواجه اللاعب الذي يختار بلد جذوره تساؤلات حول مدى ولائه في البلد الذي نشأ فيه. وكأن المجتمع يطالبه بالاختيار بين جانبين من ذاته.
الرؤية الإيرانية حول “الهويات المرقعة”
لكن واقع الحياة الحديثة أكثر تعقيدًا من هذه الثنائيات المبسطة. فالهوية لم تعد خيارًا حاسمًا بين طرفين؛ إذ يمكن للإنسان أن ينتمي في الوقت نفسه إلى أكثر من ثقافة أو لغة أو تقليد. وكما يمكن للفرد أن يشعر بالانتماء إلى مسقط رأسه ومدينة إقامته وبلده في آنٍ واحد، فإن المهاجرين يحملون معهم غالبًا طبقات متعددة من الهوية. وعلى حد تعبير المفكر الإيراني داريوش شايغان، فإنهم يمتلكون «هوية مرقعة».
أما زلاتان إبراهيموفيتش، الذي لعب سنوات طويلة في صفوف المنتخب السويدي، فإنه يشجع منتخب البوسنة في هذه النسخة من كأس العالم. فهو مولود في السويد، غير أن والده مسلم من البوسنة، بينما تنحدر والدته من أصول كرواتية كاثوليكية.
ومن هذا المنظور، تعكس المنتخبات الوطنية اليوم صورةً لافتة للتحولات الاجتماعية التي يشهدها العالم. فهي تُظهر أن الأمم، خلافًا للتصور الشائع، ليست كيانات جامدة وثابتة، بل إن الهوية الوطنية تتغير بمرور الزمن وتستوعب أفرادًا جددًا. وكثير من الدول التي تُعرّف نفسها اليوم على أنها أمم موحدة، هي في الواقع نتاج موجات متتالية من الهجرة والاندماج الثقافي عبر التاريخ الحديث.
ويذكّرنا كأس العالم أيضًا بأن الهجرة ليست مجرد قضية اقتصادية أو سياسية، بل هي ظاهرة إنسانية ترتبط بالانتماء والذاكرة والهوية. فعندما يُنشد لاعب نشيد بلدٍ لم يولد فيه، أو حين يكشف اسم عائلته عن جذور تنتمي إلى أرض أخرى، فإنه يروي قصة تتجاوز حدود اللعبة؛ قصة انتقال البشر في عالم ما تزال حدوده قائمة، لكن حياة الناس فيه باتت أكثر تداخلًا من أي وقت مضى.
ولعل أهم ما يعلّمنا إياه كأس العالم هو أن الهوية في عالم اليوم ليست بالضرورة علمًا واحدًا أو لغة واحدة أو أصلًا واحدًا. فكثير من البشر يعيشون بين عوالم متعددة ويحملون انتماءات متنوعة. وكرة القدم، وإن أجبرتهم على اختيار قميص واحد، فإنها لا تستطيع اختزال تعقيد التجربة الإنسانية في قرار بسيط.
إن كأس العالم اليوم لم يعد مجرد منافسة بين الأمم، بل أصبح عرضًا حيًا لعالمٍ ما تزال حدوده قائمة، فيما تتجاوز حياة البشر تلك الحدود أكثر من أي وقت مضى. والمهاجرون وأبناء المهاجرين يذكّروننا، بحضورهم على أرض الملعب كل أربع سنوات، بهذه الحقيقة.
—————.
ترجمة مقالة بعنوان: «مهاجران و دوگانگی هویت در جام جهانی»، بالعربية: «المهاجرون وتعدُّد الهويات في كأس العالم» والمنشور بموقع “عصر إيران”، للكاتب: أحمد فرتاش، بتاريخ: ١٦ يونيو ٢٠٢٦ ميلادية