تمثل النزاعات والحروب الدولية عنصرا ثابتا في المشهد العام للسياسة الدولية، إلا أن التيار العام الحاكم لمسار تلك النزاعات يتصل اتصالا وثيقا بتحولات موازين القوى العالمية والإقليمية، والتكنولوجيا المعاصرة، ومتغيراتها، ومدى تأثيرها في المستوى العام للوعي الجمعي بمجريات السياسة الدولية المعاصرة.
لذا، فمن متطلبات صناعة القرار في العصر الحديث المواءمة بين متطلبات السياسة الداخلية والأمن القومي ومجريات العصر وتحولاته؛ فلا تتعامل الدولة أو القوى الكبرى بمنطق العصر الاستعماري، ولا تتعامل الدولة أو القوى المتوسطة بمنطق الحرب الباردة وما خلقته آنذاك من موازين قوى تختلف اختلافا جذريا عما نشهده حاليا.
واتصالا بالحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران والتي اندلعت في 28 فبراير 2026، وما تم التوصل إليه من تفاهم يوم 14 يونيو 2026م، يثور الجدل مجددا حول ثوابت العلاقات الحاكمة بين القوى الكبرى والمتوسطة بمقاييس النظام الدولي.
حيث نجد أن الصراع الإيراني – الأمريكي الإسرائيلي الأخير كان كاشفا لعدة تحولات، أبرزها الآتي:
ــ لم تعد القوى الكبرى قادرة على التعامل بمنطق الدولة الاستعمارية، وهو منطق عقلاني إستراتيجي حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل تجاهله. فعند حساب مصالح دولة من المنظور السياسي وما يتصل به من أطماع اقتصادية، لا بد أن تدرك الدولة أنها لا تتحرك وسط صحراء فارغة من البشر، وأن الدول الأخرى لن تتقبل الإملاءات السياسية دونما مقاومة تذكر في هذا الشأن.
ــ ومن ناحية أخرى، فإن الصمود الإيراني والتمسك بالثوابت الخاصة بدعم المقاومة في جنوبي لبنان أثبتا أن الانتصار له أنواع وأنماط؛ فليس الأصل الوحيد للتفوق هو الجانب العسكري وتراتبية الدول في النظام الدولي، بل هناك عوامل أخرى مؤثرة وحاكمة تنعكس على مسار الصراع، منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي، يرتكز على تمسك إيران بمواقفها وثوابتها الإستراتيجية والنهج الذي تسعى إلى ترسيخه في تعاملها على الساحة السياسية الدولية.
ــ كما أصبح السلوك السياسي للدول الكبرى وتصريحاتها السياسية، في ظل العصر التكنولوجي الرقمي الحالي، أكثر انكشافا مما يظن قادة تلك الدول، أو أكثر مما تسمح به محاولاتهم للتصرف بأسلوب تقليدي مخادع لا ينتمي إلى العصر الحديث.
وقد ظهر ذلك بوضوح في تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب المتضاربة ومحاولاته التشويش على ثبات الجانب الإيراني، وحقيقة أن إيران طرف قوي في المعادلة يصعب ترويضه.
كما أن الرأي العام العالمي أصبح يدرك بالفعل كل ما يدور؛ فلم يعد الأمر كما كان في حروب القرن العشرين، حيث كانت التكنولوجيا محدودة، والوصول إلى المعلومات صعبا، وإمكانية احتكار الإعلام ووسائل التأثير في الرأي العام عالميا وإقليميا أكبر بكثير.
وللأسف، يبدو أن القوى الكبرى عندما تتعامل بمنطق القوة تفقد، أو تتجاهل، المنطق العام للتطور والواقع؛ فهي تسعى إلى إثبات شيء تريد فرضه من منظورها الخاص، مما يذكرنا بما ذكره الكاتب البريطاني جورج أورويل في رواية “1984” عن وزارة الحقيقة التي أقامتها الدولة الشمولية لتزييف التاريخ والواقع، والمواءمة بين التصريحات السياسية وما سبق أن قيل وما حدث بالفعل.
فالعلم الحديث تم استغلاله عبر العصور لترسيخ القوة بكل معانيها دون مراعاة للاعتبارات الأخلاقية في السياسة الدولية، لكنه من ناحية أخرى، ومع تقدم وسائل الاتصال، أصبح عنصرا رئيسيا في إحراج الدول الكبرى؛ لأنه يكشف على الدوام حجم التناقضات التي تظهر بين التصريحات والواقع الدولي المباشر.
وقد بات انكشاف الزيف في التصريحات أسرع من السابق، وعلى الرغم من الواقع المضاد الذي نعايشه في ظل إمكانيات الذكاء الاصطناعي الحالية، فإن المشهد العام لا يزال يسهل قراءته وإدراك أبعاده الحقيقية دون صعوبة كبيرة.
ومن ناحية أخرى، أظهرت الحرب الأخيرة بوضوح منذ بدايتها أن المصالح الاقتصادية، والأطماع إن صح التعبير، كانت هي الحاكمة للولايات المتحدة الأمريكية، وليس الملف النووي الإيراني الذي قُتل بحثا منذ عقود، خاصة أن القوة النووية ليست حكرا على دولة واحدة، كما أن معادلات وتوازنات القوى تجعل الاستخدامات الفعلية للقوة النووية تكاد تنحصر في مجال الردع.
وليس من المتوقع، في ظل عصرنا الحالي، أن تلجأ الدول في حروبها إلى مبدأ الإبادة النووية، وإنما تمثل القوة النووية عنصرا لا يُستهان به من عناصر قوة الدولة، وإن كان مجال استخدامه في الواقع السياسي الدولي محدودا تجنبا لتداعيات الدمار الشامل كما هو متعارف عليه.
ومما لا شك فيه أن الأهداف الإسرائيلية من الحرب الأخيرة لم تتحقق، من حيث رغبتها الواضحة في إقامة إيران – في حالة الهزيمة التي لم تحدث – نموذجا لدول الشرق الأوسط يؤدي إلى تحييد المنطقة كليا بحيث تصبح مجالا حيويا للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، وتكون الساحة فارغة لدعم التفوق النوعي الإسرائيلي، والمزيد من تفعيل الاتفاقيات الإبراهيمية، وتحقيق الأطماع السياسية الإسرائيلية بالأساس، والاقتصادية الأمريكية كذلك، وهي الأطماع التي لم يسعَ الرئيس الأمريكي ترامب إلى نفيها، وربما لأنه يتعامل من منطلق رجل الأعمال لا السياسي، رغم أن الأهداف في الحالتين واحدة، وإن اختلف الأسلوب الذي تُطرح به على الساحة الدولية.
وبالرغم من الوصول إلى مذكرة التفاهم والترتيبات المتوقعة فيما يخص مضيق هرمز وغيرها من الملفات المتصلة بذات الشأن، نجد أن المواجهة لم تُحسم بشكل كامل ومطلق، خاصة أن الثوابت الإستراتيجية لدى الطرفين لن تتغير في عناصرها الأساسية.
فالمصالح الاقتصادية والسياسية الأمريكية والإسرائيلية واحدة، والرغبة في تحييد الشرق الأوسط وتشكيله على نمط المنتجع الاقتصادي الموسع لن تزول.
كما أن ثوابت السياسة الإيرانية ترتكز، من جانبها، على السيادة الوطنية والتمسك بأهداف السياسة الخارجية، ومن ضمنها دعم المقاومة، والتشبث برؤيتها للدور الإيراني في الشرق الأوسط والمقومات المطلوبة للمزيد من الدعم لهذا الدور.
إلى جانب أن الرغبة الأمريكية والإسرائيلية في تحييد الدورين الروسي والصيني من خلال الصراع مع إيران، التي تتميز بعلاقاتها الإستراتيجية والقوية مع كل من روسيا والصين، هي أمنيات سياسية لم يثبت الواقع إمكانية تحققها بشكل كامل ودائم حتى الآن.
وبالتالي فإن المشكلة لدى السياسة الخارجية الأمريكية أنها تغلب منطق “الغابة وأفلام الويسترن القديمة” على حقائق السياسة الدولية، ولهذا تقع دوما في الفخ السياسي الذي صنعته، وفي الظروف الحالية كانت إيران هي الطرف الذي أثبت أن النزاعات الدولية لا تُدار فقط بمنطق السلاح، وإنما أيضا بالقوة المعنوية والإدارة الإستراتيجية للحرب، بما يجعل موازين القوى تتحول في اتجاه يصب في صالح الطرف الأضعف نسبيا، ولكنه الأقوى بعقله وحسن تدبيره.
كذلك فإن ميزان القوة بين الولايات المتحدة وإيران، وما أسفرت عنه الحرب الأخيرة، يصب في صالح مستقبل باقي دول الشرق الأوسط، حتى وإن كانت كثير من الأطراف الإقليمية تتجاهل ذلك دعما لمصالحها الفردية أو عدم رغبتها في التأثير على مستوى علاقاتها السياسية بالولايات المتحدة الأمريكية.
وأخيرا، فإن المشهد السياسي الدولي الحالي، بما يعانيه من افتقار إلى النزعة الأخلاقية والدبلوماسية التي تقدم غطاء شكليا على الأقل للمواقف السياسية، وبما يدفع البعض إلى تجاهل الحقائق، ليس إلا نتاجا لفلسفة مادية تضرب بجذورها في الواقع، وانعكست على الحياة السياسية كما الاجتماعية، لتجعل المشهد العام جامعا بين قمة البدائية الأخلاقية والسياسية وبين التطور التقني الحديث في وسائل الحرب والحياة بوجه عام، وهو تطور قد يدعم الدول بمقاييس القوة المادية، لكنه لا يكفي من منظور “الإنسان” بالمعنى الحقيقي للكلمة.