لم تكن مراسم عاشوراء في إيران يومًا مجرد مناسبة دينية تُحيي ذكرى استشهاد الإمام الحسين في واقعة كربلاء، لكنها ظلت عبر العقود واحدة من أهم المساحات التي تتقاطع فيها الدين بالسياسة، والهوية الوطنية بالخطاب الرسمي للدولة، لذلك، لم يكن من المستغرب أن تفرض الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة حضورها بقوة على المشهد العاشورائي، وأن تنتقل أصداء المواجهة العسكرية من ساحات الصراع إلى منابر الحسينيات والمواكب الدينية. إذ أنه في لحظات التوتر الكبرى، تلجأ إيران إلى استدعاء مخزونها الرمزي والتاريخي لإعادة تفسير الأحداث الراهنة، وربطها بقيم الصمود والتضحية والوقوف في مواجهة التهديدات الخارجية. ومن ثم، تحولت مراسم عاشوراء هذا العام إلى مساحة تعكس التفاعل بين الواقع السياسي المضطرب والذاكرة الدينية المتجذرة في الوجدان الإيراني.
عاشوراء كإطار رمزي لإعادة تفسير الحرب
تحتل واقعة كربلاء مكانة استثنائية في الوعى الجمعي الإيراني، إذ لا يُنظر إليها باعتبارها حدثًا تاريخيًا انتهى قبل قرون، وإنما باعتبارها منظومة قيم متجددة يمكن استحضارها في مواجهة التحديات المختلفة، ففي الروايات الشيعية، لا تُعد عاشوراء مجرد قصة معركة دارت رحاها في صحراء كربلاء، فلو كان الأمر كذلك، لانتهت قصتها مع غروب يوم العاشر من محرم سنة 61 للهجرة، وبقيت حبيسة كتب التاريخ، لكن إيران حرصت أن تُبقي هذه الواقعة حية عن طريق المعاني التي استخرجتها منها؛ مثل الصمود في مواجهة الظلم، والدفاع عن الحقيقة، ورفض الخضوع والذل حتى في أصعب الظروف، ومن هذا المنطلق، برزت الحرب الإيرانية الأمريكية في الخطاب الديني العاشورائي هذا العام بوصفها امتدادًا لمعركة أوسع بين مفاهيم العدل والهيمنة، وهى الثنائية التي كثيرًا ما يتم توظيفها داخل الخطاب السياسي الإيراني.
وقد ركزت الخطب الدينية خلال مراسم عاشوراء هذا العام على إبراز قيم الثبات والصبر ورفض الضغوط الخارجية، مع التأكيد على أن استلهام سيرة الإمام الحسين لا يقتصر على الجانب الشعائري، وإنما يمتد إلى ترسيخ ثقافة المقاومة والصمود أمام التحديات، ولم يعد الحديث مقتصرًا على استذكار أحداث كربلاء، بل ارتبط بشكل مباشر بالسياق الراهن الذى تعيشه البلاد، فعلى سبيل المثال استهل المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية مؤتمره الصحفي يوم 6-23 بتقديم التعازي وصرح بأن ثقافة الوقوف في وجه الظلم حاضرة منذ قرون لدى الشيعة، ولعل هذا هو السبب في أنه كلما واجه الشعب الإيراني اختبارات تاريخية كبرى، ظهرت في سلوكه الجمعي العديد من القيم التي تحمل تشابهًا واضحًا مع تعاليم عاشوراء.
ومن جانبه ربط رئيس القوة القضائية غلام حسين اژه اى شخصية الإمام الخامنئي بشخصية الحسين سواء في ظروف استشهاده أو في تحطيمه للهيبة الزائفة للولايات المتحدة ولجميع قوى الاستكبار في العالم.
وفى هذا الإطار، أصبحت عاشوراء بمثابة عدسة تفسيرية يتم من خلالها قراءة التطورات السياسية والعسكرية، بما يسمح بربط الحاضر بالماضى، ويمنح الأحداث الجارية بعدًا رمزيًا يتجاوز حدود اللحظة الراهنة.
الحسينيات من فضاءات دينية إلى منصات لتعزيز التماسك الوطني
تُعتبر الحسينيات في إيران أكثر من مجرد أماكن لإقامة الشعائر الدينية، فهي تمثل فضاءات اجتماعية وثقافية تمتلك قدرة كبيرة على الوصول إلى قطاعات واسعة من المجتمع. وفى أوقات الأزمات، يتعاظم هذا الدور ليصبح جزءًا من منظومة التعبئة الوطنية التي تعتمد عليها الدولة في تعزيز التماسك الداخلي.
وقد انعكس ذلك بوضوح خلال مراسم عاشوراء هذا العام، حيث ركزت الرسائل المطروحة داخل الحسينيات على أهمية وحدة الصف الداخلي وتجاوز الخلافات السياسية والاجتماعية فى مواجهة التحديات الخارجية، كما برزت دعوات تؤكد أن الحفاظ على استقرار البلاد لا يُعد مسؤولية الدولة وحدها، بل يمثل واجبًا جماعيًا يشترك فيه جميع أفراد المجتمع.
ولقد ذُكر في تقرير لوكالة أنباء نور نيوز الإيرانية أنه لا ينبغي لمنبر شهر محرم أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين التيارات والأجنحة السياسية، ولا أن يصبح أداة لوصم المواطنين، أو إقصاء الخصوم، أو تحقير المنتقدين، أو تقسيم المجتمع إلى فئتي “المنتمين” و”غير المنتمين”، وإن إيران اليوم بحاجة إلى منابر وخطابات تنتج رأس مال اجتماعيًا بدلًا من صناعة عدو داخلي، وتزرع الثقة بدلًا من نشر الشكوك، وتروج للمحبة بدلًا من الكراهية، وتذكر بكرامة الإنسان بدلًا من تحقيره، وتركز على القواسم المشتركة بين الناس بدلًا من تكريس الاستقطاب والانقسام.
وهكذا يمكن القول أن مراسم عاشوراء هذا العام تم تكريسها في تعزيز الشعور بالانتماء الجماعي، ومنح المشاركين إحساسًا بالمشاركة في قضية أكبر من حدود الفرد، وهو ما يساعد على تقوية الروابط الاجتماعية في أوقات التوتر وعدم اليقين، وفى هذا السياق، تحولت الحسينيات ومنابرها إلى منصات لإعادة إنتاج مفهوم التضامن المجتمعي، بما يدعم قدرة المجتمع على التكيف مع الضغوط الناتجة عن الأزمات السياسية والعسكرية.
رسائل عاشوراء إلى الخارج .. بين الهوية الوطنية والقوة الناعمة
لم يقتصر تأثير مراسم عاشوراء على الداخل الإيراني فقط، لكنه امتد إلى الخارج أيضًا، حيث سعت إيران إلى استثمار الزخم الإعلامي المصاحب للمناسبة لتقديم صورة تعكس خصوصيتها الحضارية والثقافية، ففى ظل التغطية الإعلامية الدولية المكثفة للتطورات المرتبطة بالحرب، حرصت طهران على إبراز استمرارها في إحياء طقوسها الدينية باعتبارها جزءًا أصيلًا من هويتها الوطنية التي لا تتغير بتغير الظروف.
كما برزت رسائل تؤكد أن المجتمع الإيراني لا يفصل بين الذاكرة التاريخية والواقع السياسي، وأن مبادئ الفداء والتضحية التي يمثلها الإمام الحسين لا تزال حاضرة في تشكيل الوعى العام، ومن خلال هذا الطرح، تسعى إيران إلى نقل صورة مفادها أن الضغوط العسكرية أو السياسية لن تدفعها إلى التخلي عن منظومتها القيمية التي تشكل أحد أهم عناصر هويتها.
وأحد أبرز المظاهر التي يمكن تضمينها كرسائل موجهة، هو إحياء مراسم عزاء ليلة تاسوعاء في موقع استشهاد قائد الثورة الشهيد بحضور آلاف المواطنين، ويمكن قراءة هذه الخطوة بوصفها رسالة رمزية متعددة المستويات؛ فهي لا تستهدف فقط تأكيد صمود القيادة الإيرانية في مواجهة التهديدات الخارجية، لكن تسعى أيضًا إلى توظيف الرمزية العاشورائية لتحويل موقع الاستهداف إلى مساحة تعكس الاستمرارية والثبات، بما يوجه رسالة إلى الخصوم بأن الضغوط العسكرية والأمنية لن تنجح في كسر الإرادة السياسية أو تغيير الهوية الأيديولوجية للنظام الإيراني، وفي الوقت نفسه تعزز حالة التماسك والتعبئة داخل المجتمع الإيراني.
وفى هذا الإطار، تحولت مراسم عاشوراء إلى إحدى أدوات القوة الناعمة الإيرانية، إذ لا تُستخدم فقط لتعزيز التماسك الداخلي، لكن أيضًا لإيصال رسائل سياسية وثقافية إلى المجتمع الدولي، فالمشهد الذى يجمع ملايين المشاركين فى إحياء هذه المناسبة يحمل فى طياته دلالات تتجاوز الجانب الدينى، ليعكس صورة دولة تحاول تأكيد استمرارية سرديتها التاريخية حتى فى أوقات الأزمات.
خاتمة
كشفت مراسم عاشوراء هذا العام عن طبيعة العلاقة المركبة بين الدين والسياسة في إيران، حيث يصعب الفصل بين البُعدين في ظل الدور المركزي الذى تؤديه الرموز الدينية في تشكيل الخطاب العام، فقد انتقلت أصداء الحرب الإيرانية الأمريكية من ميدان المواجهة العسكرية إلى منابر الحسينيات، لتصبح عاشوراء مساحة لإعادة تفسير الأحداث وتعزيز التماسك الداخلى وإرسال رسائل سياسية إلى الخارج.
وبغض النظر عن مآلات التصعيد العسكري بين البلدين، فإن ما أظهرته مراسم عاشوراء يؤكد أن الذاكرة الدينية لا تزال تمثل أحد أهم الموارد الرمزية التي تعتمد عليها إيران في إدارة أزماتها وصياغة خطابها السياسي الداخلي والخارجي، ففي الوعى الإيراني، لا تبدو كربلاء مجرد ذكرى تاريخية تُستعاد مرة كل عام، بل سردية حية يُعاد توظيفها باستمرار لفهم الحاضر والتعامل مع تحديات المستقبل، الأمر الذى يجعل من عاشوراء حدثًا يتجاوز طبيعته الدينية ليصبح جزءًا من المشهد الجيوسياسي والثقافي لإيران المعاصرة.