شهدت الساحة اللبنانية موجة جديدة من التصعيد بين إيران وإسرائيل، وقد تداخلت فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية والدبلوماسية المعقدة، خاصة في ظل ارتباط هذا التصعيد بمسارات التفاوض بين طهران وواشنطن، وبرزت أهمية هذه الجولة من الصراع في أنها لا يمكن أن تقرأ بمعزل عن الساحة اللبنانية ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين وتمسك إيران بقيادتها لمحور المقاومة، فضلا عن أنها عكست شبكة توازنات دقيقة حكمتها معادلات الردع والضغط المتبادل، ما يجعل من فهمها ضرورة ماسة لتحديد اتجاهات المرحلة المقبلة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تلك التي لم تضع أوزارها بعد.
ديناميات جولة لبنان من الصراع الإيراني ــ الإسرائيلي
شهدت الجولة الأخيرة من التصعيد بين إيران وإسرائيل، والتي تبلورت على الساحة اللبنانية، تطورات عسكرية وسياسية لافتة، إذ تمكنت إسرائيل من توظيف بعض الأحداث الميدانية لإرباك مسار المفاوضات الإيرانية ــ الأمريكية التي كانت تُدار بوساطات إقليمية متعددة، وشارفت على الوصول إلى مراحل متقدمة، وقد عكس ذلك رغبة واضحة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في التأثير على البيئة التفاوضية عبر أدوات الضغط العسكري.
وفي المقابل، أظهرت إيران حرصا على إعادة تثبيت معادلة الردع التي تضررت خلال المرحلة التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر 2023، خصوصا مع انتقال زمام المبادرة تدريجيا لصالح إسرائيل في أكثر من ساحة إقليمية، ويبدو أن طهران سعت من خلال تلك الجولة إلى إعادة التوازن عبر رسائل عسكرية وسياسية مباشرة وغير مباشرة.
كما كشفت هذه الجولة عن تداخل واضح بين الساحات الإقليمية المختلفة، حيث لم تعد المواجهة محصورة في جبهة واحدة، بقدر ما باتت تعتمد على تفعيل أدوات الضغط في أكثر من مسرح عمليات في آن واحد معا، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية التي تمثل رافعة مركزية في هذا الصراع المركب.
انعكاسات التصعيد على مسار إسلام آباد
أدى التصعيد العسكري الأخير إلى إدخال المفاوضات الإيرانية ــ الأمريكية في حالة من التعقيد، دون أن يصل ذلك إلى مستوى الانهيار الكامل، ذلك أن المؤشرات الأمريكية عكست في الوقت نفسه رغبة في احتواء التصعيد ومنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة، وهو ما يظهر في الدعوات المتكررة التي نادى بها البيت الأبيض ورغبته في التهدئة واستمرار قنوات التفاوض المفتوحة.
ومن جانب آخر، سعت إيران إلى توظيف هذا التصعيد لتعزيز موقعها التفاوضي، عبر إظهار أن الضغوط العسكرية لا يمكن أن تدفعها إلى تقديم تنازلات إستراتيجية جوهرية، بل قد تدفعها إلى رفع مستوى التصعيد إذا لزم الأمر، بما في ذلك التلويح بأوراق إقليمية حساسة مجاورة لإسرائيل.
كما أن استمرار التوتر لفترات طويلة من شأنه أن يعزز التيارات الأكثر تشددا داخل الأطراف المختلفة، سواء داخل إيران أو في إسرائيل، إضافة إلى زيادة القلق الدولي بشأن البرنامج النووي الإيراني، في ظل القيود التي تواجهها المؤسسات الرقابية الدولية في الوصول الكامل إلى بعض المنشآت الحساسة.
السيناريوهات المستقبلية المحتملة لتطور الصراع
تشير المعطيات الراهنة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحا في المدى القريب يتمثل في استمرار سياسة الردود المحدودة والمحسوبة، حيث تسعى الأطراف المعنية إلى ضبط إيقاع المواجهة ضمن حدود تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، رغم استمرار تبادل الرسائل العسكرية والسياسية الحادة.
إلا أن هذا السيناريو لا يلغي احتمال حدوث تصعيد غير محسوب، خاصة في حال وقوع خسائر كبيرة أو خطأ في التقدير العسكري، وهو ما قد يؤدي إلى توسع نطاق المواجهة ليشمل جبهات إقليمية متعددة، بما في ذلك الممرات البحرية الحيوية في الخليج “مضيق هرمز” والبحر الأحمر” مضيق باب المندب”، وربما امتداد التأثير إلى المصالح الدولية المباشرة خاصة في مرحلة اختناق النفط عالميا.
وفي هذا السياق، تبقى المنطقة أمام معادلة دقيقة يمكن وصفها بـ”الهدنة الهشة تحت النار”، حيث تتعايش جهود الاحتواء التي تقودها باكستان ومصر وقطر وتركيا مع احتمالات الانفجار، في ظل استمرار الحاجة إلى قنوات اتصال فعالة قادرة على منع تحول التصعيد المحدود إلى مواجهة إقليمية شاملة.
خاتمة
جملة ما أعلاه أن الصراع الإيراني ــ الإسرائيلي دخل مرحلة شديدة الحساسية تتسم بتداخل أدوات الردع مع حسابات التفاوض، ما يجعل استقرار الوضع الإقليمي مرهونا بقدرة الأطراف الدولية والإقليمية على ضبط سلوك الفاعلين الرئيسيين، وبينما تظل فرص الاحتواء قائمة، فإن هشاشة التوازن الحالي تجعل المنطقة عرضة لأي تحول مفاجئ قد يعيد رسم خرائط التصعيد على نطاق أوسع.