ازدادت مؤخرًا وتيرة الهجمات الأمريكية على الأراضي الإيرانية، كما اختلفت شدتها بجانب اختلاف مواقع الاستهداف، حيث اعتمدت الولايات المتحدة مع بداية الضربات على مهاجمة الساحل الغربي لإيران من شماله إلى جنوبه، فيما استمرت الضربات على مناطق الشمال الإيراني مؤخرًا.
ووفقًا لتقرير مركز قيادة الجيش الأمريكي “سنتكوم”، فقد جعل الجيش الأمريكي في هذه الهجمات تسعين موقعًا مرمى لقذائفه. كما أصابت أرجاءً في خمس محافظات إيرانية. ومما يستوقف النظر في هذا السياق، أن الضربات الأمريكية استهدفت جسر “آق تِکه خان” في مقاطعة “آق قَلا” التابعة لمحافظة ” جُلستان”. وهو جسرٌ ممدود على طريق سكك حديدية بين “جُرْجان” و”اِينشه بُرون”، وهو جسر ينقل البضائع بين المحافظات الإيرانية، ومع دول آسيا الوسطى، ولا سيما تركمنستان.
بداية ضربات البنى التحتية
ويمثل خط السكك الحديدية هذا جزءًا من الممر السككي الدولي الواصل بین إيران وتركمنستان وكازاخستان. ولم يقف الجيش الأمريكي عند هذا الحد، بل أقدم، في تصرف انفعالي، على مهاجمة محطة سكة حديد “تُربت” في محافظة خُراسان الرضوية. حيث استهدفت الولايات المتحدة عرقلة وصول الجماهير الإيرانية عن حضور مراسم تشييع جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي اغتالته واشنطن في بداية الحرب. ووفقًا لبيان رئيس مركز العلاقات العامة والإعلام بوزارة الصحة، فقد تمخضت الغارات الأمريكية على إيران عن استشهاد أربعة عشر مواطنًا، وإصابة ثمانية وسبعين آخرين.
وردًّا على ذلك شنت القوات المسلحة الإيرانية فجر الأربعاء، غارات على القواعد والمراكز الأمريكية الحيوية في المنطقة. ووفقًا لما أورده بيان العلاقات العامة للحرس الثوري، فقد استُهدفت خمس وثمانين منشأة من المنشآت الأمريكية الحيوية. وأفادت بعض المصادر المُطلعة في إيران أن يد القوات المسلحة قد امتدت في إحدى هذه الحملات إلى سفينة أمريكية قبالة سواحل عُمان، ما تجلى أثره البارز في إثارة غضب ترامب، وتصريحاته بالوعيد على إيران، وكان قد أدلى بها ظهر الأربعاء في تركيا.
وعاودت القوات المسلحة الإيرانية يوم الخميس كرَّتها، فنفذت هجمات موسعة استهدفت القواعد والمراكز الأمريكية. وقد تدفقت ضربات إيران في موجتين متتاليتين، واستهدفت القواعد والمنشآت الحيوية لأمريكا في البحرين، والإمارات، وقطر، والكويت والأردن. ومما يستوقف النظر أن الرد الإيراني ظل ممتدًا لم ينقطع حتى ساعات ما بعد ظهر الخميس. ووفقًا لبيان الحرس الثوري، فقد قصفت القوات المسلحة الإيرانية عند الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر الخميس مركز القيادة والسيطرة، وقاعدة الأزرق الجوية في الأردن.
ترامب في حلقة مفرغة
وخلافًا للعهد الذي قطعه الأمريكيون في وثيقة التفاهم الخاصة بإنهاء الحرب والقاضي بإسناد مقاليد إدارة مضيق هرمز إلى إيران، فقد عمدوا في الأسبوعين الماضيين إلى نفي تلك التعهدات، وحاولوا جاهدين التلاعب بحركة الملاحة في مضيق هرمز سعيًا إلى تركيزها في المسار العُماني المؤقت. وليس غرض أمريكا الأسمى من وراء هذا إلا عرقلة سير السفن الجاري وفق التدابير الإيرانية.
وقد نصَّ البند الخامس من مذكرة التفاهم على أن يجري عبور السفن التجارية في مضيق هرمز طوال ستين يومًا وفقًا للترتيبات التي تقرها إيران. وعلى هذا المقتضى، عمدت إيران إلى تطهير المسار الشمالي من الألغام وتأمين مسالكه. وإذ مهدت مسارًا للعبور، أفضت بإحداثياته إلى المنظمة الدولية للملاحة البحرية، لتتخذه السفن مسلكًا لمضيق هرمز آمنًا. إلا أن الضغوط الأمريكية، حادت بمزيدٍ من السفن العابرة إلى المسار الجنوبي في مياه عُمان، ما كان من القوات المسلحة الإيرانية، وفق ما نصَّ عليه الاتفاق، إلا أن أنذرت السفن، ثم لم تجد بُدًّا في النهاية من أن تعترض بعضها وتتخذ إجراءً ضدها، وذلك في مرتين.
وفي الأسبوع الفائت وعلى إثر اعتراض إيران لإحدى السُفن المخالفة، استهدف الأمريكيون مناطق في جنوب إيران، غير أنهم قوبلوا بردٍّ إيراني. إذ كان ترامب يتصور أن ضرباته وكان على بعض مناطق جنوب إيران، سيحمل الجمهورية الإسلامية على إجبار إيران على التخلي عن إدارة المضيق، إلا أن إيران عادت وأعلنت بأن بنود وثيقة إنهاء الحرب مع أمريكا تقضي بأن يكون عبور السفن في مضيق هرمز طيلة الستين يومًا المحددة، مقصورًا على المسار الشمالي. وعملًا بهذا، استهدفت القوات المسلحة الإيرانية ثلاث سفنٍ حاولت المرور من المضيق بدون التنسيق مع إيران، وهو ما أثار حفيظة ترامب، ومهَّدَ لبدء جولة جديدة من الهجمات الموجهة إلى إيران.
وقد أعلنت إيران أكثر من مرة رغبتها في السيطرة على مضيق هرمز وتكريس سلطتها في تنظيم حركة الملاحة فيه، خاصة بعدما تمكنت القوات المسلحة الإيرانية من إغلاق مضيق هرمز بعد حرب الأربعين يومًا الأخيرة، كما أحبطت المساعي العسكرية المتلاحقة التي بذلتها أمريكا لإعادة فتحه، إذ تستند إيران على رأي الخبراء الدوليين في هذا السياق والذين يقولون إن هذه القدرة عززت قوة الردع الإيرانية إلى حد بعيد، ولا سيما أن هذا الاقتدار الإيراني كان وما برح ذا أثر حاسم ومباشر في سوق الطاقة العالمي وفي الاقتصاد الدولي على السواء.
ومن ثَمَّ، وارتكازاً إلى تلك المقدرة ذاتها، شددت إيران على أن أي حركة للملاحة عبر هذا الممر بعد إعادة فتحه، يجب أن تجري تحت إشراف إيران وهيمنتها الإدارية. وقد حرصت إيران على تقاسم نفوذ السيطرة على مضيق هرمز مع سلطنة عمان، إذ شرع وزير الخارجية عباس عراقجي في إجراء مفاوضات مع الجانب العُماني، بغية الوصول إلى تفاهم مشترك بشأن القواعد والبروتوكولات المنظمة لحركة العبور عبر المضيق. وأكدت إيران، طمأنةً لدول المنطقة وسائر الدول، أنها لن تفرض رسومًا على العبور في مضيق هرمز، وإنما سوف تتقاضى من السفن لقاء ما تقدمه من خدمات وما تؤمنه من سلامة الملاحة. وهو أمرٌ حظي أيضًا بموافقة الجانب العُماني.
ومع ذلك، فإن أهمية إدارة المرور عبر مضيق هرمز لدولة مثل إيران لم يكن ليقتصر يومًا، ولن يكون، على جني الثمرات الاقتصادية. بل إن تكريس سيطرة إيران وإدارتها لحركة الملاحة في المضيق يؤدي من جهة إلى إعلاء القوة الإيرانية في مواجهة القوة الأمريكية، على الرغم من الرفض العربي والدولي لهذا السلوك الإيراني.
ومن ثمَّ، فإن إيران لن تُفرِّط، قطعًا، على طاولة المفاوضات فيما حققته في الحرب. وعلى أن الجانب الأمريكي يدرك أهمية أداة النفوذ والمتمثلة في الهيمنة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ورغم إقراره بهذا الحق لإيران في مذكرة التفاهم، فقد جهد في الأسبوعين الماضيين جهده، عبر رفضه سيطرة إيران على حركة المرور في المضيق، للحيلولة دون ترسيخ هذا الحق، وتجريد إيران من هذه الورقة الرابحة.
وقد نصت مذكرة التفاهم على أن تُتم إيران، في غضون ثلاثين يومًا، عملية إعادة فتح مضيق هرمز، غير أن إيران تتحجج بأن المسلك الأمريكي رغم توقيعه، قد أفضى إلى بقاء حركة مرور السفن في المضيق غير آمنة. وعلى إثر تلك الاعتداءات الأمريكية، توقفت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز مرة أخرى يوم الخميس. وما أسرع أن انعكست آثاره على سوق النفط العالمية، فقفز سعر البرميل الواحد مقتحمًا حاجز الثمانين دولارًا، بمعنى أن سعر البرميل قد سجل زيادة بلغت عشرة دولارات في غضون أربع وعشرين ساعة. ومن هنا يتضح أن المراوغة الأمريكية ونكث الاتفاق قد ارتدا على الولايات المتحدة نفسها بتبعات كلَّفتها أثمانًا باهظة.
رسائل ترامب في قمة الناتو
وفي يوم الأربعاء الماضي، وعلى هامش قمة الناتو في تركيا، توعد ترامب إيران باستئناف الحرب. وأعلن أن اتفاق نهاية الحرب المبرم مع إيران قد انقضى أجله في تقديره، ثم عاد فهدد باستهداف البُنى التحتية الإيرانية. إلا أنه عاد، بعد ساعات، فأكد في المؤتمر الصحفي الختامي لقمة الناتو أنه لا يضمر رغبة في استئناف الحرب على إيران.
فأي الخيارات مُتاحة أمام ترامب في ظل الظروف الراهنة؟ أيلغي مذكرة التفاهم فيتورط مُجددًا في مواجهة إيران عسكريًا؟ أم يستعيض عن الحرب بضرب حصار بحري آخر على إيران؟ أم تراه سيفيء في النهاية إلى طاولة المفاوضات، ويذعن لبنود الاتفاق، خاصة ما ينوط بحظر بيع النفط الإيراني، وبالبند الخامس الذي يجعل المرور في مضيق هرمز طوع التدابير الإيرانية؟
وعقب توقيع وثيقة التفاهم مع إيران، صرَّح الرئيس الأمريكي بأن مواصلة الحرب لم تكن كفيلة بإعادة فتح مضيق هرمز، وأن السبيل الأوحد لتحقيق ذلك يكمن في التوصل إلى اتفاق مع إيران.
وبناءً على هذا فإن مواصلة الحرب على إيران فإنه سيتم إغلاق مضيق هرمز من جديد، ليدفع ارتفاع أسعار النفط المتسارع بالاقتصاد العالمي تارةً أخرى إلى حافة الركود. وسوف يؤدي ارتفاع أسعار الوقود وسائر السلع في الولايات المتحدة إلى اشتداد ضراوة الانتقادات الموجهة إلى ترامب. ذلك فضلًا عما أبانته حقائق الحرب التي دارت رحاها أربعين يومًا من عجز ترامب باختياره المواجهة العسكرية عن بلوغ مأربٍ من مآربه.
مستقبل الملف النووي على وقع الحرب
وعلى هذا الصعيد، فإن إشعال فتيل الحرب من جديد كفيلٌ بأن يزيد الملف النووي الإيراني تعقيدًا. فبعد فراغهم من مسألة إعادة فتح هرمز، كان حسم ملف البرنامج النووي الإيراني، ولا سيما مخزونات اليورانيوم المخصب بنسبة ستين في المائة، هو الهدف المحوري الذي توخاه ترامب من وراء تو توقيع وثيقة التفاهم. وقد أكدَّ ترامب مِرارًا، إثر توقيعها، في تسويغه لهذا الإجراء، أن هذا الاتفاق هو الممهد إلى إبرام اتفاق نهائي مع إيران، وإلى وضع حدًا حاسمًا لمسألة مخزوناتها من اليورانيوم المخصب.
ومن ثَمَّ، فإن ارتداد ترامب إلى الحرب على إيران سيؤول حتمًا إلى زعزعة وضعه والنيل من مكانته، سواء في المحافل الدولية أم في ساحة الرأي العام الأمريكي.
بيد أن الأمر الأشد خطورة في ترجيح كفة الحرب إنما يكمن في تعاظم مخاوف الجمهوريين واحتدام الشقاق بينهم وبين ترامب. فقد أدت التبعات الاقتصادية والسياسية للحرب الأمريكية المفروضة على إيران إلى توهين مكانة الحزب الجمهوري. وتظهر جُل استبيانات الرأي أن الجمهوريين سيفقدون غلبتهم النيابية في مجلسي النواب والشيوخ معًا، ذلك في انتخابات الكونجرس المقبلة. وهذا أعظم ما يكون قلقاً في نفس “جيه دي فانس” نائب الرئيس، إذ يضمر في نفسه طموحًا لتبوء سُدة الرئاسة الأمريكية خلفاً لترامب.
خاتمة
وبناء على ما سلف يتبين بجلاء أن الحرب تمثل لترامب خيارًا باهظ الكُلفة. وثمة حقيقة بالغة الأهمية هنا، ذلك أن عامل الوقت لم يعد في صالح ترامب. فكلما انقضى وقتٌ، اضطرب موقفه سياسيًا. وحتى الساعة لم يفتح مضيق هرمز كاملًا، بل لا يزال مغلقًا إغلاقًا تامًا. فما كان الوضع الراهن ليخدم ترامب بأية حال، بل في امتداده ضررٌ يحيق بمصالحه. وعلى رأس هذا كله، ما يذهب إليه الخبراء من أن تمادي هذا المأزق كفيلٌ بأن يزيد من اعتبارات ترامب الداعية إلى عقد اتفاق مع إيران ومن مساس حاجته إلى إبرامه، وهو الأمر نفسه الذي يجعل لإيران اليد العليا. ويرى كثيرٌ من الخبراء أنه حتى مع الإبقاء على وثيقة التفاهم، وتجنب أمريكا استئناف حربها على إيران، فإن استمرار الوضع الراهن، إن أفضى إلى إطالة أمد وثيقة التفاهم يورث ترامب تبعات بالغة الأثر. فكلما انقضى الوقت، عظم افتقاره إلى عقد الاتفاق، مما يتيح لإيران اغتنام هذا الوضع للظفر بمزيد من الامتيازات.
ويذهب كثيرٌ من المحللين إلى أن جمهورية إيران الإسلامية وقد أدركت الاعتبارات السياسية التي تحكم موقف ترامب، تواجه خطواته بهدوء وطمأنينة. لقد كشفت إيران أوراق ترامب وخبرت مقاصده على كلا الصعيدين العسكري والدبلوماسي. ولأجل ذلك نبه مسؤولو الجمهورية الإسلامية في الآونة الأخيرة الرئيس الأمريكي إلى أنه لا مناص له من الالتزام بأحكام وثيقة التفاهم، ولا سيما الإقرار بهيمنة إيران على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
إن الردود الإيرانية المتلاحقة على الضربات الأمريكية الأخيرة، وما صاحبها من تصعيدٍ في وتيرة المواجهة، واعتماد تكتيكاتٍ مستحدثة في إدارة الصراع، لَيدل دلالة واضحة على أن القوات المسلحة الإيرانية بما استلهمته من خبرات في حرب الأربعين يومًا، تقف اليوم على أهبة الاستعداد لخوض غمار أي مواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة.
===========================-
مقال مترجم من صحيفة: وَطن اِمْروز، بعنوان: “چرا حملات آمریکا به ایران برای تحمیل خواسته خود در تنگه هرمز بیفایده است؟، بالعربية: “لماذا لا تُجدي الهجمات الأمريكية على إيران نفعًا في فرض إرادتها على مضيق هرمز؟، والمنشور بصحيفة “وطن امروز” بتاريخ 10 يوليو2026م.