تعتبر مراسم جنازة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي واحدة من أهم الأحداث السياسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها، فالجنازة ليست مجرد مناسبة دينية أو بروتوكولية لتوديع قائد الدولة وإنما تحولت إلى مشروع سياسي متكامل استمر لعدة أيام انتقل خلالها الجثمان بين طهران وقم ثم العراق قبل دفنه في مدينة مشهد، في مشهد غير مسبوق من حيث مدته وحجمه ورسائله الداخلية والخارجية.
ولقد صممت هذه المراسم بعناية في مرحلة تواجه فيها الجمهورية الإسلامية أخطر تحدياتها منذ الحرب العراقية ــ الإيرانية (1980 ــ 1988م)، بسبب الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل ووسط انتقال السلطة إلى المرشد الجديد مجتبى خامنئي بما يجعل فهمها ضرورة لفهم شكل النظام الإيراني في مرحلته المقبلة.
ومن اللافت أن هذه المراسم أثارت جدلاً فقهياً بسبب ما يُعرف في الفقه الإمامي بـ”الوديعة”، أي إبقاء الجثمان بصورة مؤقتة قبل دفنه النهائي وهو ما يرفضه عدد من كبار المراجع وفي مقدمتهم علي السيستاني وأبو القاسم الخوئي، إلا أن أهمية هذه القضية لا تكمن في بعدها الديني بقدر ما تكشف عن طبيعة النظام الإيراني حيث يمكن أن تتراجع الأحكام الفقهية التقليدية عندما ترى المؤسسة الحاكمة أن المصلحة السياسية العليا تقتضي خلاف ذلك، لأن الجمهورية الإسلامية لا تدير جنازة وإنما تدير عملية إعادة تأسيس للشرعية بسبب حرب هزت النظام وأضعفت صورته داخلياً وخارجياً.
أولاً: تراجع الفتوى أمام الدولة
تنص فتاوى كبار مراجع النجف ومنهم السيستاني والخوئي على عدم جواز ما يعرف بالتوديع أو إبقاء الميت بصورة مؤقتة تمهيداً لنقله لاحقاً، باعتبار أن الأصل هو الدفن الشرعي فوراً وعدم نبش القبر بعد ذلك، فجاء على الموقع الرسمي للسيستاني “لا يجوز نقل الميت بعد دفنه سواء دُفِنَ في تابوت أم لا، وسواء لزم من ذلك الهتك أم لا، وسواء أوصى الميت بدفنه في مكان آخر غير الذي دُفِنَ فيه أوَّلًا أم لا” (كتاب المسائل المنتخبة – فصل دفن الميت – المسألة 126).
وجاء في الموقع الرسمي لأبو القاسم الخوئي “لا يجوز التوديع المتعارف عند بعض الشيعة بوضع الميت في موضع والبناء عليه، ثم نقله إلى المشاهد الشريفة” (كتاب الطهارة – الفصل الثامن – مسألة 326).
غير أن الجمهورية الإسلامية لم تتعامل مع هذه القضية بوصفها مسألة فقهية وإنما بوصفها قضية سيادية تتعلق بإدارة مرحلة انتقال السلطة فالنظام الذي قام منذ عام 1979 على فكرة “ولاية الفقيه” منح الدولة عملياً سلطة تفسير الأولويات بحيث تصبح المصلحة السياسية قادرة على إعادة ترتيب تطبيق الأحكام عند الضرورة.
ولذلك فإن بقاء الجثمان أكثر من 4 شهور كوديعة في مرقد فاطمة المعصومة في قم، وإخراجه في الثالث من يوليو 2026م، ومروره بمحطات متعددة ليس نتيجة اعتبارات لوجستية فقط بل جزءاً من سيناريو سياسي محسوب أتاح ذلك للنظام تنظيم مراسم في أكثر من مدينة وإشراك شرائح اجتماعية مختلفة وإعطاء وسائل الإعلام الرسمية وقتاً كافياً لبناء سردية “القائد الشهيد” الذي لم يعد مجرد مرشد ديني بل أصبح رمزاً وطنياً للحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويكشف هذا المشهد عن فارق جوهري بين المرجعية الدينية التقليدية في النجف التي تحاول إبقاء الفقه مستقلاً عن السلطة وبين نموذج الجمهورية الإسلامية حيث أصبحت المؤسسة السياسية هي التي تحدد متى يتم تفعيل الحكم الشرعي ومتى يُقدَّم عليه ما يسمى بالمصلحة العليا للنظام، ومن ثم فإن الجدل حول “الوديعة” ليس خلافاً فقهياً بقدر ما هو دليل على انتقال مركز إنتاج الشرعية من الحوزة إلى الدولة متمثلة في الحرس الثوري.
ثانياً: الجنازة كأكبر عملية تعبئة سياسية منذ الثورة
منذ بداية الحرب أصبح النظام الإيراني بحاجة إلى حدث يعيد توحيد المجتمع بعد أشهر من الخسائر العسكرية والاقتصادية والانقسامات الداخلية وقد وفرت جنازة خامنئي هذه الفرصة بصورة مثالية فالحشود الضخمة التي ملأت شوارع طهران ثم قم ومشهد والعراق لم تكن مجرد تعبير عاطفي وإنما استعراضاً سياسياً موجهاً إلى الداخل قبل الخارج لإثبات أن الجمهورية الإسلامية لا تزال قادرة على تعبئة ملايين المواطنين رغم الحرب والضغوط الاقتصادية.
كما حرص الحرس الثوري على أن تتحول المراسم إلى منصة لإعادة إنتاج خطاب المقاومة فالشعارات المرفوعة لم تركز على شخصية خامنئي وحدها بل ربطت بين مقتله وبين استمرار الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل بما يجعل أي تسوية سياسية لاحقة تبدو وكأنها امتداد لتضحيات “الشهيد”.
ولذلك يمكن فهم تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مقابلة أجراها مع موقع “أكسيوس” يوم السبت 4 يوليو 2026م، والذي أبدى فيه دهشته من حجم المشاركة الشعبية باعتباره اعترافاً بأن واشنطن كانت تتوقع أن تؤدي الحرب إلى انهيار شرعية النظام بينما نجحت طهران – ولو مؤقتاً – في تحويل الجنازة إلى دليل بصري على استمرار قاعدة اجتماعية مؤيدة لها.
ثالثاً: رسائل الداخل والخارج… ماذا بعد الجنازة؟
أراد النظام أن يرسل من الجنازة ثلاث رسائل متزامنة، وهي كالتالي:
الأولى: إلى الداخل ومفادها أن انتقال السلطة تم بسلاسة وأن المؤسسات وعلى رأسها الحرس الثوري ما زالت متماسكة.
الثانية: إلى محور إيران الإقليمي من خلال نقل الجثمان إلى المدن الشيعية في العراق للتأكيد على أن المشروع الإقليمي للجمهورية الإسلامية لم ينته بوفاة قائده.
الثالثة: فكانت موجهة إلى واشنطن وتتلخص في أن اغتيال المرشد لم يؤد إلى انهيار النظام أو دفعه إلى الاستسلام بل عزز خطاب “الشهادة” الذي يمثل أحد أهم مصادر شرعية النظام.
في المقابل تكشف الجنازة أيضاً عن تغير في موازين القوى داخل النظام فالمستفيد الأكبر من هذه المرحلة ليس المؤسسة الدينية وإنما الحرس الثوري الذي أصبح الضامن الفعلي لاستمرار النظام بعد الحرب وصاحب الدور الأكبر في إدارة الأمن والإعلام والمراسم بما يعزز الاتجاه نحو مزيد من عسكرة الجمهورية الإسلامية خلال السنوات المقبلة، وهذا يعني أن القيادة الجديدة ستعتمد بدرجة أكبر على المؤسسة العسكرية والأمنية لتعويض غياب الكاريزما السياسية والدينية التي تمتع بها خامنئي طوال أكثر من ثلاثة عقود.
ومن ثم فإن الحرب المقبلة لن تُدار بالمنطق نفسه الذي حكم العقود الماضية فالنظام سيحاول استثمار الإرث الرمزي لخامنئي لتبرير تشدد أكبر في الملفات الإقليمية والنووية مع المحافظة في الوقت نفسه على قنوات تفاوض غير مباشرة عندما تقتضي المصلحة ذلك، وبعبارة أخرى فإن الجنازة لم تكن نهاية مرحلة وإنما كانت الإعلان الرسمي عن ولادة مرحلة جديدة يسعى فيها النظام إلى تحويل خسارة قائده إلى مصدر جديد للشرعية السياسية.
خاتمة
تكشف قضية “الوديعة” أن السؤال الحقيقي ليس لماذا خالف النظام رأياً فقهياً تقليدياً؟! وإنما لماذا رأى أن المكسب السياسي الناتج عن تأخير الدفن أكبر بكثير؟! فالجمهورية الإسلامية أثبتت مرة أخرى أن بقاء النظام يمثل الأولوية العليا التي يتم في ضوئها قراءة الأحكام، ولقد تحولت جنازة خامنئي إلى عملية سياسية متكاملة لإعادة بناء الشرعية وإظهار تماسك الدولة وتوحيد أنصارها وإرسال رسالة ردع إلى خصومها، ومن المرجح أن يبقى هذا النموذج حاضراً في إدارة الأزمات المقبلة حيث لن يكون الدين هو الفاعل المستقل بل أحد الأدوات التي توظفها الدولة في خدمة إستراتيجيتها السياسية والأمنية.