شهدت العلاقات الأمريكية ــ الإيرانية تحولًا نوعيًا عقب المواجهة العسكرية الراهنة التي انخرطت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بدءا من 28 فبراير 2026م، إذ أعادت الحرب تشكيل معادلة الردع والتفاوض في آنٍ واحد، فبينما استمرت الضغوط العسكرية والاقتصادية على طهران، برزت محاولات لإحياء المسار الدبلوماسي باعتباره أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه، ومن ثم، تثير المرحلة الراهنة تساؤلات حول قدرة الطرفين على الموازنة بين التفاوض والتهديد ضمن بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وخاصةً في ظل الاتفاق اللبناني ــ الإسرائيلي الذي تراه إيران محاولة لتقليص الدور العسكري لحزب الله ومن ثم إضعاف ما بنته في المشرق العربي طوال السنين الماضية، وفي ذات الوقت هي تدرك أن أي تصعيد في لبنان قد يهدد مفاوضاتها والتوصل إلي اتفاق مع أمريكا.
جذور التصعيد الراهن
شكل البرنامج النووي الإيراني علي مدار العقدين الماضيين المحور الأكثر تعقيدًا في العلاقات بين واشنطن وطهران، فترامب يريد ألا تكون إيران قادرة علي تطوير سلاح نووي، فقامت الضربات الأمريكية الإسرائيلية بإلحاق أضرار بالغة بمحطات تخصيب اليورانيوم الإيرانية، ولكن يعتقد أن الكثير من اليورانيوم المخصب الذي أنتجته قد نجا.
وتعتقد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن أكثر من 200 كجم قد نجا في مجمع نفق في أصفهان، وبعضها الآخر في ناتنز، كما قال رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي، ومعني ذلك أن الضربات العسكرية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية خلال التصعيد الأخير لم تُنه القدرات النووية الإيرانية بصورة كاملة، بل تسببت في أضرار متفاوتة ببعض المواقع.
ويشير ذلك إلى أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لا يحقق الهدف الإستراتيجي المتمثل في إنهاء الأزمة النووية، إذ تبقى آليات الرقابة والاتفاقات الدبلوماسية أكثر قدرة على ضمان استدامة أي نتائج أمنية، ومن ثم، فإن الحرب أعادت التأكيد على أن المسار العسكري قد يؤخر البرنامج النووي، لكنه لا يغني عن تسوية سياسية تضع إطارًا طويل الأمد لإدارة هذا الملف المعقد والمفعم بالغموض.
دور مضيق هرمز في الصراع
برز دور مضيق هرمز خلال الحرب الأخيرة، حيث مثل أحد أهم نقاط القوة التي تمتلكها إيران، وكان بمثابة ورقة ضغط إستراتيجية تستخدمها إيران، نظرًا لكونه الممر البحري الذي يعبر من خلاله ما يقرب من خمس تجارة النفط العالمية، وقد دفعت التهديدات الإيرانية بإمكانية تعطيل الملاحة في المضيق، وما تبعها من ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف التأمين البحري، الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تكثيف الجهود للحفاظ على حرية الملاحة وتجنب اتساع نطاق المواجهة.
وقد كشف ذلك أن أهمية مضيق هرمز لا تقتصر علي مكانته الجغرافية فحسب، بل أيضًا قدرته علي تحويل أمن الطاقة العالمي إلي ورقة تفاوضية تستخدمها إيران لزيادة كلفة الضغوط العسكرية والاقتصادية المفروضة عليها، وهو ما يعزز موقفها في أي مسار تفاوضي مستقبلي سواء في باكستان أو في سويسرا.
وفي المقابل استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط في التعامل مع إيران، حيث استهدفت قطاعات النفط والمصارف والشحن بهدف تقليص الموارد المالية التي تعتمد عليها طهران في دعم برنامجها النووي وسياساتها الإقليمية.
وبالرغم من كل الضغوط التي تعرضت لها إيران، إلا أنها لم تتخل عن أوراقها التفاوضية بل اتجهت إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع شركاء آخرين وعززت من سياسات الاعتماد على الداخل لتخفيف آثارها، ويعكس ذلك أن العقوبات، شأنها شأن التهديد العسكري، لم تحقق أهدافها بصورة كاملة، وإنما أصبحت جزءًا من عملية تفاوض مستمرة يسعى كل طرف من خلالها إلى تحسين موقعه التفاوضي دون تقديم تنازلات جوهرية.
مسارات التفاوض المعقدة
أسفرت الحرب عن تفاوض أكثر تعقيدًا من ذي قبل، حيث لم يعد التفاوض مقتصرًا علي البرنامج النووي فقط بل امتد ليشمل وقف إطلاق النار وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، وآليات تخفيف العقوبات، بالإضافة إلي وضع إطار يمنع تجدد المواجهة العسكرية.
وقد أظهرت جولات التفاوض غير المباشرة التي حدثت في الدوحة تلك التي تناولت قضايا مثل الحركة البحرية في مضيق هرمز وإلغاء تجميد أموال إيران أن تلك القضايا قد حظيت بأولوية أكبر من الملفات السياسية الأكثر تعقيدًا حيث قالت مصادر أن البرنامج النووي لم يظهر في المحادثات التي كانت تقنية بطبيعتها، ويعكس ذلك أن تلك المفاوضات لا تستهدف تسوية الخلافات التاريخية دفعة واحدة، وإنما تقوم على إدارة الأزمة تدريجيًا من خلال معالجة الملفات الأقل تعقيدًا تمهيدًا للانتقال إلى القضايا الأكثر حساسية.
غير أن مسار المفاوضات لم ينجح في الحفاظ علي وتيرته طويلا، إذ سرعان ما اصطدم بتطورات ميدانية أعادت التوتر مرة أخرى، فبعد انتهاء الجولة الفنية في الدوحة، برزت خلافات حول تفسير بنود التفاهمات الأولية، ولا سيما ما يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز وآليات تنفيذ وقف إطلاق النار، الأمر الذي كشف عن فجوة بين ما تم التوصل إليه سياسيًا وما أمكن الاتفاق عليه عمليًا، وقد انعكس هذا التباين في تبادل الاتهامات بين الطرفين بشأن الالتزام بما جرى التوافق عليه، ما أدى إلى إبطاء مسار المفاوضات من دون أن يصل إلى حد انهياره.
وفي ظل استمرار تعثر المفاوضات، تكثفت الجهود الدبلوماسية للحفاظ على قنوات الاتصال ومنع انهيار التفاهمات الأولية التي أُنجزت عقب الحرب، وأسهمت الجهود التي قادها الوسطاء الإقليميون في الحفاظ على قنوات الاتصال وتهيئة الظروف لاستمرار الحوار، رغم تعثر المفاوضات في تحقيق تقدم حاسم، كما أظهرت التصريحات الصادرة عن الجانبين تمسكهما بمواصلة الحوار، بسبب إدراكهما أن انهيار المفاوضات قد يدفع الأزمة إلى مرحلة أكثر خطورة، ويشير ذلك إلى أن الحفاظ على التواصل الدبلوماسي أصبح مسألة ضرورية للطرفين، حتى في ظل غياب اتفاق نهائي يعالج جذور الخلاف بينهما، لأن كلا من الطرفين أدرك ضرورة الحفاظ علي وجود مفاوضات خاصةً بعد كل المراحل العسكرية التي مرا بها.
آفاق التفاهم المستقبلي
جاءت مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها محاولة لإعادة تنظيم مسار التفاوض بعد أسابيع من التصعيد العسكري، حيث نتج عنها أربعة عشر بندًا كانت بمثابة تهدئة ولو مؤقته للأوضاع بين الطرفين، حيث نتج عن صراعهما منذ بدايته خسائر كبيرة لم تقتصر على البلدين فقط بل عانى منها العالم أجمع خاصةً مع إغلاق مضيق هرمز الذي استخدمته إيران منذ بداية الحرب كورقة ضغط سياسية، نتج عنه خسائر اقتصادية كبيرة للعالم أجمع.
غير أن تلك الورقة أظهرت مدى قوة ودهاء إيران في التصرف في تلك الأزمة حيث لم تخضع للولايات المتحدة بل حولت القضية من البرنامج النووي إلي أزمة مضيق هرمز، فوجهت نظر العالم إلى حل مشكلة الملاحة في المضيق وتهدئة الأوضاع بين الطرفين.
وبالرغم من ما وفرته المذكرة من أرضية لخفض التوتر وتهدئة الأوضاع بين الطرفين، إلا أنها لم تصمد طويلاً حيث تعرضت لعدة خروقات، وقامت إيران بمهاجمة عدة سفن كانت تحاول المرور من المضيق دون التنسيق مع الحرس الثوري، وبالمقابل قامت الولايات المتحدة بالرد عن طريق مهاجمة رادارات الرصد الإيرانية في جزيرة سيريك الإيرانية، وفي المقابل لوحت طهران بإمكانية انهيار مذكرة التفاهم إذا استمرت إسرائيل في عملياتها العسكرية داخل لبنان، ويوضح هذا التطور أن استدامة التفاهم الأمريكي ــ الإيراني لم يعد مقتصر على الطرفين، بل أصبح مرتبطا أيضًا بسلوك الفاعلين الإقليميين، ما جعل الأزمة معادلة إقليمية أكثر تشابكًا.
وأسفر عن تلك التطورات بروز عوامل يمكنها أن تعيق التوصل إلي اتفاق نهائي بين الطرفين، منها الملف اللبناني الذي يعد أحد أهم العوامل المؤثرة على استدامة مذكرة التفاهم، حيث كان من شروط إيران لتوقيع المذكرة وقف العمليات العسكرية على كل الجبهات بما فيها لبنان وانسحاب إسرائيل الكامل منها، ولكن إسرائيل أكدت أنها لن تنسحب إلا بعد نزع سلاح حزب الله اللبناني، وهو ما ترفضه إيران بشكل قاطع، إلى التفتيش الدولي حيث تريد الوكالة الدولية للطاقة الذرية تفتيش المواقع النووية الإيرانية، ولكن قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إنه لا توجد حاليا خطط لمنح الوصول إلى المنشآت النووية أو المواد النووية التي تعرضت للهجوم.
وقال إن مثل هذه القضايا لن تعالج إلا في إطار اتفاق نهائي مع واشنطن وبعد “خطوات عملية” لرفع العقوبات الأمريكية على إيران، ولكن سمحت إيران للمفتشين بتفتيش مواقع أخرى مثل محطة بوشهر.
خاتمة
في ضوء التطورات الأخيرة، يتبين أن مستقبل التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران سيظل مرهونًا بقدرتهما على احتواء الأزمات المتلاحقة، وليس بمجرد توقيع تفاهمات مرحلية، فمضيق هرمز لم يعد يمثل ممرًا إستراتيجيًا لتدفق الطاقة العالمية فحسب، بل أصبح مؤشرًا عمليًا لقياس مستوى التوتر أو الانفراج في العلاقات بين الطرفين، حيث إن أي اضطراب بين الطرفين ينعكس مباشرة على مسار المفاوضات، كما أن أي تقدم دبلوماسي ينعكس بدوره على استقرار الملاحة في الخليج، وأيضًا سيظل الملف اللبناني من العوامل المؤثرة على التفاهم بين الطرفين حيث إن علاقة حزب الله بإيران لا تقوم علي الجانب السياسي والعسكري فقط بل أيضًا على أساس فكري وديني، ما يجعله العقبة الأكبر للتوصل لاتفاق نهائي مع الولايات المتحدة، ومن ثم فإن استمرار التفاهم الأمريكي ــ الإيراني سيعتمد على قدرة الطرفين على الفصل بين إدارة الخلافات السياسية وحماية المصالح المشتركة، وإلا ستظل العلاقة خاضعة لدائرة متكررة من التفاوض والتصعيد، بما يجعل إدارة الأزمة أكثر احتمالًا من التوصل إلى تسوية نهائية لها.