لم يصمد اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان طويلاً، إذ تحولت الهدنة التي رعتها الولايات المتحدة إلى حبر على ورق، مما يثبت أن لغة الميدان ما زالت تتقدم على المساعي الدبلوماسية، ورغم التفاؤل الأولي الذي أبدته الأطراف اللبنانية، تبخرت التفاهمات سريعاً فور دخولها حيز التنفيذ، ويعكس هذا الانهيار الخاطف عمق التباين في حسابات القوى المحلية والإقليمية ومقاومتها لتقديم تنازلات جوهرية.
شروط المقترح والتحفظات اللبنانية
ارتكزت المسودة الأمريكية على وقف كامل للعمليات القتالية، يتضمن انسحاب عناصر حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، مقابل انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من المناطق التي توغل فيها، ونصت الخطة على إسناد المهام الأمنية الحصرية في هذه المناطق للجيش اللبناني، من منظور حزب الله، اعتُبرت هذه الآلية غير متوازنة، كونها تطالب بتراجع قواته جغرافياً دون تقديم ضمانات كافية تمنع الخروقات الإسرائيلية المستقبلية.
شكل مقترح إنشاء “مناطق تجريبية” تحت السيطرة الحصرية للجيش اللبناني نقطة خلاف أساسية في المفاوضات، ورأى حزب الله في هذا البند محاولة لتقييد حركته الدفاعية وتغيير قواعد الاشتباك المستقرة منذ سنوات في الجنوب، وقد تُرجم هذا التحفظ سياسياً عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي عكس موقفاً لبنانياً يرى أن الشروط المطروحة تمس بالتوازنات الداخلية ولا تلبي تطلعات الدولة.
أثارت الفقرات الختامية للبيان المشترك، التي دعت إلى حصر العلاقات مستقبلاً بالحكومتين اللبنانية والإسرائيلية ورفض التدخلات الخارجية، نقاشاً واسعاً، واعتبر الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، أن هذه الصيغة تسعى لفرض شروط سياسية تحت ضغط التصعيد العسكري، وأكد أن الحزب لا يمكنه القبول بتفاهمات تنتقص من عناصر القوة اللبنانية أو تبدو بمظهر الاستسلام للإملاءات الخارجية في ظل استمرار المواجهة.
الموقف الإيراني: التوازن بين النفوذ والضغوط
أظهرت طهران مرونة تكتيكية في التعامل مع الاتفاق، حيث لم ترفضه علناً في البداية، وتكتفت بمراقبة المسار الرسمي اللبناني لمعرفة العرض الأمريكي، وحين بدت بنوده مهددة لنفوذها وحلفائها، تنسقت المواقف سريعاً بين حزب الله ورئاسة البرلمان اللبناني لإعلان الرفض، وبذلك مررت إيران تحفظاتها من خلال غطاء سياسي محلي يركز على حماية السيادة الوطنية والمصالح اللبنانية.
يمثل حزب الله بالنسبة لطهران حليفاً إستراتيجياً وركيزة أساسية في منظومة الردع الإقليمية لحماية عمقها الجغرافي، وليس مجرد قوة عسكرية على الحدود، ويشكل الحزب ورقة ضغط قوية في المفاوضات الإيرانية مع القوى الدولية، ورمزاً لمصداقية شبكة حلفائها، ورغم المعاناة الاقتصادية والضغوط الضخمة التي يواجهها الداخل الإيراني، يرى صناع القرار أن التخلي عن الحزب يحمل كلفة سياسية أكبر.
جاء التشدد الإيراني تجاه الهدنة مدفوعاً بخشية طهران من أن تؤدي التهدئة المنفردة في لبنان إلى استفراد إسرائيل بجبهات أخرى وإضعاف المحور ككل، ترتبط الرؤية الإيرانية بتصور قادتها لطبيعة المواجهة الشاملة المقبلة مع إسرائيل والولايات المتحدة؛ لذا اعتبرت شروط واشنطن محاولة لتفكيك أوراق قوتها بالتدريج، ففضلت استمرار ربط الجبهات ببعضها لحماية مكانتها السياسية في المنطقة.
أدوار القوى الفاعلة وديناميكيات الميدان
تركز الدور الأمريكي في محاولة صياغة تفاهم دبلوماسي سريع ينهي حالة الاستنزاف ويضمن أمن شمال إسرائيل عبر ترتيبات دولية جديدة، وسعت واشنطن من خلال شروطها الصارمة إلى تراجع النفوذ الإيراني في شرق المتوسط وتعزيز دور مؤسسات الدولة اللبنانية، إلا أن هذه المقاربة واجهت انتقادات محلية لكونها تبنت المطالب الأمنية الإسرائيلية بشكل أساسي وتجاهلت الاعتبارات الدفاعية اللبنانية من جانبها.
وسعت إسرائيل إلى استغلال التحرك الدبلوماسي الأمريكي لفرض واقع أمني جديد يتيح عودة سكان الشمال بأمان، ورغم قبولها المبدئي بالتهدئة، اعتبرت المواقف الصادرة عن حزب الله وإيران بمثابة رفض صريح للسلام، ونتيجة لذلك، وجدت تل أبيب في هذا التعثر مبرراً لاستئناف عملياتها العسكرية المكثفة، محاولة تحقيق أهدافها الأمنية وتفكيك بنية الحزب التحتية عبر القوة المسلحة.
وأدى الانهيار السريع للتفاهمات المقترحة إلى سقوط معادلات الردع المتبادلة التي كانت تضبط حدود المواجهة بين الطرفين، وتُرجم ذلك ميدانياً من خلال تجدد الغارات العنيفة واستئناف حزب الله لإطلاق المسيرات والصواريخ باتجاه المستوطنات، يوضح هذا التصعيد أن كافّة الأطراف باتت ترى في الميدان العسكري الوسيلة الوحيدة لتثبيت الشروط، وتحسين المواقع السياسية قبل أي جولة مفاوضات مستقبليّة محتملة.
خاتمة
يوضح المشهد الحالي في جنوبي لبنان أن تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار يتجاوز مجرد ترتيبات حدودية تقليدية، ليتشابك بالأساس مع توازنات دولية وإقليمية شديدة الحساسية، ومع استمرار الخروقات الميدانية وغياب الضمانات القاطعة، يبدو أن استقرار الهدنة سيبقى رهناً لمدى قدرة القوى الفاعلة على صياغة تفاهمات أعمق، توازن بين المطالب الأمنية الإسرائيلية من جهة، والحسابات الإستراتيجية اللبنانية والإيرانية من جهة أخرى.