تكشف المواقف الدولية والسلوك السياسي للدول الكبرى تجاه القوى المتوسطة والصغيرة طبيعة النظام الدولي الحاكم، وحجم التغيرات الفعلية والواقعية التي طرأت عليه مقارنة بالماضي.
فالحدث السياسي ليس فقط كاشفًا لموقف دولة تجاه أخرى، ولكنه يعبر أيضًا عن مؤشرات قوية ذات دلالة على طبيعة الواقع السياسي الدولي، ومدى المفارقة الكبيرة بين التقدم الصناعي والعلمي وبين النمط الإنساني/ السياسي الحاكم لسلوك الدول الكبرى، وذلك من حيث بيان حقيقة الخطوات التي قطعتها الدول عبر الزمن نحو التقدم ورفاهية الشعوب والالتزام بالمعايير المرتبطة بحقوق الإنسان.
ويمكن القول إن العلاقات الدولية، في اتجاهها العام، محكومة بمبدأ واقعي هو شريعة الغاب، وهو منظور يطرح تساؤلات حول المدى الفعلي للتقدم، حيث سيطرت نوازع المصلحة والصراع على الدول. وكما يقول المفكر الألماني هيرمان دي كيسرلنج، بما معناه، إن الأديان على مر الأزمنة ما برحت تحض على اتباع تعاليم الروح، فهل صادفت في ذلك غير نجاح قليل؟ بينما كانت نوازع الأرض والدم لا تفرض سلطانها فرضًا فحسب، بل تُقبل أيسر القبول في شيء من الخضوع الطبيعي.
واتصالًا بذلك، يقول المفكر والكاتب توفيق الحكيم: “يحلم العلم الحديث أحيانًا بذلك الاختراع الذي يخرجنا من جاذبية الأرض، أما ينبغي له أن يفكر قبل ذلك في اختراع آخر، ذلك الذي يخرجنا من جاذبية الأرض والدم في عالم تركيبنا الحيواني لنلحق بالإنسانية العليا؟”.
ونجد أنه في واقعنا المعاصر، تطبيقًا لتلك الرؤية، تتبع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُصنف من المنظور العلمي والمادي باعتبارها من أكبر الدول المتقدمة وفق المقاييس المادية، سلوكًا سياسيًا يرتد قرونًا إلى الوراء.
ففي منظورها السياسي لإيران، ولدول الشرق الأوسط بصفة عامة، لا تراها إلا من زاوية العقبة التي يتعين تجاوزها لتحقيق الأطماع الاقتصادية ودعم إسرائيل في الوقت ذاته.
ويمثل السلوك السياسي الدولي للولايات المتحدة الأمريكية دليلًا واقعيًا على مقولة فكرية تدور حول أن التقدم الإنساني دائري وليس إلى الأمام، فحال الدول شبيه بتعاقب الليل والنهار في الطبيعة؛ ومن ثم فإن الدول تتقدم في أشياء وتتأخر في مجالات أخرى.
ومن ثم، يمكن القول إن السياسة الواقعية تؤيد أن فكرة التقدم العقلي المطرد هي من أوهام العقل، إذ إن “الخط المستقيم لا يعرفه غير العقل، أما الطبيعة فلا تعرف غير محيط الدائرة”.
وبالتالي، فإن الدول في سلوكها السياسي على أرض الواقع تتبع نمط الطبيعة والغرائز البشرية أكثر مما تتبع العقل.
وبالفعل، فإن عدم اكتراث النظام الأمريكي بالعواقب الإنسانية للسلوك السياسي العدواني لا يخرج في معناه عن ذلك، وهذا ما نراه في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إمكانيات التدمير الواسعة التي يملكها، لكنه يتساءل فقط عن مصير المفاوضات في حال استخدام تلك الإمكانيات، لأنه لن يجد – في هذه الحالة – من يفاوضه على قيد الحياة.
وليس ذلك من قبيل النكتة السياسية، وإنما هو تعبير عن فلسفة واقعية.
وبالتالي، فإن أنماط السلوك السياسي الأمريكي، كما كشفتها الحرب الأخيرة، وكما أظهرته أيضًا حروبه السابقة في العراق وأفغانستان، وقبلهما فيتنام، تؤكد أنه لا شيء يستطيع إطفاء مصباح الفكر غير يد القوة المادية.
ومما لا شك فيه أن هيمنة الاقتصاد، من حيث الأهمية، على السياسة الدولية للدول الكبرى وغيرها، جعلت السياسة تكتسب طابعًا أكثر دموية في حالات الحروب، ولا سيما الحروب الأمريكية؛ لأنه يمكن القول إن الاقتصاد والصناعة أصبحا كنيسة العالم الحديث.
ومن ثم، أضحت مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية مجرد شعارات، كما هو معروف للجميع، وكما يناقضه الواقع في كل زمان، وبالتالي، فقد تبوأت الأطماع الاقتصادية الدولية مكانة تطغى على كل شأن من شؤون البشر، بما في ذلك حق الحياة، خاصة بالنسبة للشعوب التي تنتمي إلى العالم الثالث، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني.
كما انعكس ذلك على طبيعة الخطاب السياسي الدولي القائم على التعبئة؛ فإن روح العصر الصناعي الاقتصادي هي روح الكتل من الدهماء، والكتل البشرية لا تعمل أبدًا بذاتها، إذ كلما كثر العدد احتاج الأمر إلى منظمين من طراز المروضين، لا إلى القادة الحقيقيين.
وربما نجد أن السلوك الأمريكي تجاه الحرب الإيرانية تجاوز هذا الرأي، انطلاقًا من أن الرئيس الأمريكي، في تصريحاته وسلوكه، لا يبدو من طراز المروض السياسي المقنع، لكن منطق القوة يدعمه، حتى وإن كانت السمة العامة لخطابه السياسي هي اللامعقولية والتناقض، النابعان من استهانته السياسية بدول العالم الثالث، وهو أمر لا ننكره، ولا يعطي الواقع انطباعًا مغايرًا بشأنه.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة دائمة الحديث عن الملف النووي الإيراني، إلى جانب اهتمامها بمضيق هرمز وتطويق روسيا والصين عبر ردع إيران كقوة إقليمية، فإن القوى الكبرى، كما هو معروف، ترفض دومًا التقدم العسكري والنووي إذا كان “لغيرها من الدول، خاصة إيران، كما يشهد الواقع الدولي الحالي”.
وذلك الوضع نتاج لرغبة القوى الكبرى عامة في احتكار منجزات العلم الحديث لصالحها، دون القوى الأخرى المثيرة للشغب – من وجهة نظرها – مثل إيران، والعلم نفسه تنخفض قيمته في عصور الطغيان السياسي، وفي الوقت الذي ترغمه فيه القوة الغاشمة على السير في طريق مرسوم لمصلحة وطنية أو مالية.
وبالطبع، فإن التطور العلمي وتطبيقاته قد ساهما، من زاوية وجهه القبيح – إن صح التعبير – في دعم السيطرة السياسية للدول الكبرى.
كما أن الحرب الإيرانية ــ الأمريكية أظهرت المواقف الإعلامية والثقافية الغربية “غير الحرة” في عصر يتحدث فيه الجميع – ولو نظريًا – عن حرية التعبير، فالمحلل السياسي الغربي لا نراه، في كل الأحوال، منصفًا، خاصة تجاه إيران، وبالطبع فإن الدوافع سياسية وليست بالضرورة من تداعيات الفكر الحر.
ومن ثم، أصبح من قبيل الأحلام السياسية والفكرية أن نرى في عصرنا انتشارًا واسعًا لأنماط الكاتب والمثقف الغربي الحر، الذي لا يؤازر المذاهب والأشخاص إلا بقدر احتفاظها بروح المثل الإنسانية والحقوق، بصرف النظر عن موازين القوة الفعلية في الواقع.
والولايات المتحدة الأمريكية، كنموذج لدولة كبرى، تثبت أن تصنيف الدول الديمقراطية ليس ضمانة لإلغاء المطامع الاستعمارية والحروب الدموية، فكل نظام سياسي بداخله مشكلات، ومعايير الازدواجية السياسية والأخلاقية تُطبق على أساس مبدأ اللامساواة بين الشعوب.
والحقيقة المؤسفة أن القيمة الحقيقية للدول الصغرى، في نظر القوى الكبرى، ما تزال مساوية للمنطق القديم نفسه القائم على التبعية السياسية والاقتصادية، وإن اختلفت الأساليب والمظاهر السياسية والدبلوماسية التي تعكس – شكليًا – نمطًا في العلاقة، لا يخفي الحقيقة الفعلية.
وأخيرًا، فإن الحروب الحديثة، بما تظهره من إمكانيات عسكرية وتدميرية، تعكس رغبة أبدية في منع وعرقلة تنمية الشعوب الأقل تقدمًا، حتى يظل التفاوت قائمًا بين الدول الغنية والفقيرة نسبيًا.
فالإنفاق العسكري الضخم في عالم اليوم، إذا تم توجيه أقل من نصفه لتنمية أحوال الشعوب، يمكن أن يحدث طفرة لا يستهان بها في تقليل مساحة التفاوت الاقتصادي بين الدول. ولكن الأحلام السياسية شيء، والواقع شيء آخر، كما سبق القول.
وحتى إشعار آخر، يظل النموذج السياسي الدولي القائم هو اللاعقلانية المتعمدة لتشويه حياة الآخرين، كما يشوه من فسد ذوقه مبنى جميلًا بألوان غير متناسقة، وكما هو حال الدول الكبرى التي تقوم – في سبيل المصالح السياسية والاقتصادية – بتشويه أحوال وحياة شعوب بأكملها، دون اكتراث أو مراجعة للذات.