ما بين تأكيدات عن تحرك وفد التفاوض الإيراني والأمريكي إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وبين نفي تلك التصريحات، ما تزال المفاوضات بين واشنطن وطهران تعاني من تعثر دائم للوصول إلى اتفاق سريع بعد حرب ضروس جرت على مدار 6 أسابيع، إذ تنفي طهران دائمًا ما يتم الإعلان عنه من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التوسل للتفاوض أو حتى إمكانية الوصول السريع إلى اتفاق، سواء كان اتفاقًا شاملًا أو مؤقتًا.
صراع سرديات الانتصار
يعمل كلٌ من الطرفين على الترويج لانتصاره، إذ يكرر الرئيس الأمريكي دائمًا تصريحاته التي تشير إلى انتصار جيشه بتدمير البحرية الإيرانية والجيش الإيراني، على الرغم من استمرار زوارق الحرس الثوري في إغلاق مضيق هرمز. إذ تتعمد إيران أن تضرب بسرديتها ما يقوله الرئيس الأمريكي على الدوام بشأن انتصاره الساحق، وذلك بإغلاق مضيق هرمز ورفض التفاوض مع الولايات المتحدة تحت الضغط العسكري الحاصل الآن.
وعلى الرغم من تصريحات الرئيس الأمريكي التي يتحدث فيها دائمًا عن انتصاره الساحق على إيران، تكشف التصريحات المتضاربة لترامب عن موقف صعب لساكن البيت الأبيض، الذي لا يرغب في الدخول في معترك عسكري ضد إيران مرة أخرى، بسبب الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي يعاني منها العالم نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة على مستوى العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ارتفع سعر جالون البنزين بما يتجاوز 4 دولارات ونصف، فيما شهدت عدة ولايات أمريكية تظاهرات ترفع شعار “no king”، حيث يصور الشعب الأمريكي ترامب وكأنه ملك يتخذ قراراته بمعزل عن المؤسسات التنفيذية والتشريعية المعنية.
كما تستغل إيران تلك المؤشرات للتأكيد على انتصارها الساحق على الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يخول لها التعامل بأريحية كبيرة فيما يتعلق بالجانب التفاوضي الذي تشرف عليه باكستان، خاصة إذا ما تعلق ذلك التفاوض بتقديم بعض التنازلات المتعلقة بالبرنامج النووي أو البرنامج الصاروخي والباليستي أو حتى دعم إيران لوكلائها في الإقليم، وكذلك رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران بشكل كامل وفوري، مع مطالب إيران بإنهاء الحصار العسكري على الموانئ الإيرانية.
تفرعات الملفات الرئيسية
وتكشف التصريحات المتضاربة على الدوام، والإعلان الأمريكي الذي ينفيه الموقف الإيراني المتصلب، مثل أن يعلن الرئيس الأمريكي عن تمديد وقف إطلاق النار، فيعلن الإيراني أنه لم يطلب ذلك، وأن طهران قد لا تلتزم بوقف إطلاق النار، أو إعلان الرئيس الأمريكي عن عقد جولة ثانية من المحادثات يقابلها نفي إيراني، عن فجوة كبيرة في وجهات النظر بين البلدين، وعن عدم قدرة الرئيس الأمريكي على الوصول إلى اتفاق كامل وسريع لعدة أسباب، وهي:
1– ضخامة الملفات المطروحة:
حيث يندرج تحت الملف الواحد الموضوع على طاولة النقاش عدة تفرعات أخرى، فمثلًا البرنامج النووي الإيراني يندرج تحته مناقشات حول عدة ملفات فرعية، كأحقية إيران في أن يكون لديها أصلًا برنامج نووي، وحدود ذلك البرنامج، ونسبة تخصيب اليورانيوم المقترحة، ومصير اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي ملفات تحتاج إلى نقاشات طويلة تمتد لأسابيع أو أشهر للوصول إلى اتفاق حول تلك النقطة فقط.
2– غياب الثقة:
وهو ما يضع المفاوضات على المحك، خاصة أن إيران لم تعد تثق في الولايات المتحدة الأمريكية التي ضربت إيران مرتين خلال جولات تفاوضية، إذ أوعزت واشنطن لتل أبيب بضرب إيران في حرب الإثني عشر يومًا، فيما دخلت واشنطن في حرب مباشرة مع إيران خلال حرب الأسابيع الست، وهو ما يجعل إيران تطلب ضمانًا من الولايات المتحدة بعدم ضربها مرة أخرى خلال جولات التفاوض.
3– الضغط الأمريكي المتواصل:
إذ يضغط الرئيس الأمريكي على كل أنواع المفاوضات من خلال طريقتين: أولًا الطريقة العسكرية، حيث يستمر الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية، مع استمرار التحشيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، بزيادة أعداد الجنود وحاملات الطائرات والبوارج العسكرية، استعدادًا لعمل عسكري أكبر ضد إيران، وهو بالطبع ما يرسل إشارات سلبية إلى المفاوض الإيراني، أو حتى من خلال وضع المفاوضين تحت ضغط التصريحات غير الحقيقية للرئيس الأمريكي، كقوله إن الإيرانيين يتوسلون للوصول إلى اتفاق، أو يتوسلون للتواصل مع البيت الأبيض، تمامًا كما سبق أن أعلن عن موافقة مصر والأردن على استقبال أهالي قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع، وهي التصريحات التي أثبتت زيفها، إذ استخدمها ترامب كضغط على المفاوضين للوصول إلى مآربه.
خاتمة
مع عدم قدرة الطرفين على الوصول إلى اتفاق، ومع التصريحات الأمريكية ونفيها الإيراني، تظهر أزمة سرديات النصر كأحد عراقيل التوصل إلى اتفاق، خاصة أن كلا الطرفين يعتبر نفسه منتصرًا في ذلك الصراع المفتوح، ويستند كل طرف إلى قناعاته بأن المنتصر لا يتنازل ولا يقدم مسوغات للتفاوض، وأن على الطرف الآخر أن يسعى مسرعًا إلى الطاولة، وهو ما يضع المفاوضات على المحك، ويعرقل كل جهود الوساطة التي تقدمها دول وازنة في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
كما تبرز مخاوف كلا الطرفين – المنتصران المهزومان – من أن التنازل على طاولة المفاوضات قد يجر الطرف المتنازل إلى تنازل أكبر، ولذلك تسعى الولايات المتحدة – مستندة إلى سمعتها كأكبر قوة عسكرية في العالم – إلى الحصول على أكبر تنازل من إيران دون أن تقدم واشنطن أي مسوغات لتقديم تنازل آخر، فيما تسعى إيران – التي لم يسقط نظامها ولم يُدمَّر برنامجها النووي – إلى الحصول على مكاسب كبرى كرفع العقوبات وإنهاء الحصار على الموانئ كمقبلات لبدء مفاوضات جادة.