تمثل الحروب حدثًا سياسيًا كاشفًا لطبيعة الدول والعوامل والمصالح التي تحركها، ولعل الحرب الحالية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، خير مثال على ذلك؛ حيث تلت مرحلةً من المفاوضات، وكأن محاولات السلام كانت مقدمة للحرب.
ولا عجب فيما يخص الرئيس الأمريكي ترامب؛ فمجلس السلام الذي شكله يبدو كصورة مؤسسية عبثية في مواجهة الواقع السياسي الفعلي.
فالولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، على الرغم من الخسائر التي نتجت في إسرائيل، وتلاعب الرئيس الأمريكي بالتصريحات في سعيٍ لعدم الاعتراف الكامل بالحقيقة التي تعكس ضعف موقفه، برغم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وهو ما ربما يُعد فخرهم اللاأخلاقي الوحيد في هذه الحرب، علاوة على عدد الضحايا المعتادين في الحروب.
فإن تلك الحرب يمكن التعليق عليها من خلال عدة نقاط على النحو الآتي:
أ- مراهنة أمريكية إسرائيلية خاطئة على سيكولوجية الجماهير، التي ساد التفكير فيها دومًا أنها تحرق اليوم ما عبدته بالأمس، وتغير أفكارها كما تغير أبسط الأشياء في حياتها اليومية. وربما تكون تلك الفكرة الخالدة القديمة الحديثة في ذات الوقت صائبة في العموم، وتعبر عن تسرع الجماهير والقدرة على تحفيزها بالحق وبالباطل.
ولكن في وقت الحرب وتعرض أمن دولة للخطر لا يمكن التكهن أو الجزم بموقف واحد متوقع؛ حيث كان من السيناريوهات المتصورة، بصرف النظر عن عقلانيتها، أن تساهم قلاقل واضطرابات داخلية في إيران في دعم الموقف الأمريكي والإسرائيلي من النظام الإيراني، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
كما أن الشعب الإيراني، وإن كان يعاني من مشكلات متوقعة وموجودة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في كافة الدول ولو بنسب متفاوتة، لا يصل به ضعف الحس السياسي إلى استجداء المساعدة والتغيير من الخارج، والسعي إلى انقلاب قد يفاقم من الأوضاع لا أن يساهم في حلها.
ب – هيمنة العقلية والأهداف التجارية الاقتصادية على الرئيس الأمريكي، مع غياب لعقلانية الخطابة السياسية وتضارب التصريحات السياسية لديه، مما يعكس رغبة في خلق حالة من الدعاية السياسية بصرف النظر عن المشهد السياسي الواقعي وتوازنات القوى بين الأطراف المختلفة.
ج – بطلان حجة القدرات النووية الإيرانية كهدف أوحد للهجوم الأمريكي الإسرائيلي؛ فالمصالح التي تكمن وراء الحرب واضحة للعيان، وهي اقتصادية وتجارية في الأساس، كما أنها ترمي إلى تحجيم الدور السياسي لكل من روسيا والصين في الشرق الأوسط عبر إضعاف الحليف الإقليمي القوي لهما، وهو إيران بالطبع.
د – ربط إضعاف النظام الإيراني باحتمالات السيطرة الأمريكية الإسرائيلية على مصير القضية الفلسطينية في المستقبل ولو على نحو نسبي؛ فمن المعروف والمؤسف في ذات الوقت أن أكبر داعم لقضية العرب الأولى (فلسطين) هي إيران الفارسية. ولا أقصد بالدعم مجرد إرسال مواد غذائية وتصريحات كلامية، بل الدعم للمقاومة التي هي روح القضية. كما جمعت إسرائيل أيضًا في المشهد السياسي الحالي بين إيران وجنوبي لبنان، وكأنه كرنفال صغير على هامش المهرجان الأكبر في إيران.
هـ – رغبة الولايات المتحدة في استمرارية الأسطورة الإيرانية المخيفة المهددة للأمن، والتي صنعتها بيديها في الخليج، وما يستتبع ذلك من تضاعف روابط الولاء والاحتياج بين الولايات المتحدة وبين دول الخليج، وحصول الأخيرة على المزيد من التسليح، وهو – ويا للعجب – ليس لمواجهة العدو الحقيقي إسرائيل، الذي يبدو أننا اعتدنا عليه فأصبح من كلاسيكيات السياسة ولا ضرر منه من وجهة نظرهم، بل إن العدو الحديث هو إيران.
وبالإضافة إلى العوامل السياسية الرئيسية التي سبق ذكرها، يمكن القول إن المشهد السياسي الحالي يعكس بالأساس الفلسفة السياسية الأمريكية وتأثيرها على النظم العربية، من حيث إنه كلما يمر الوقت تصبح السياسة في ممارستها أقرب إلى العصور البدائية.
ويحضرني في هذا السياق الإشارة إلى كتاب للدكتورة وفاء إبراهيم، وهي أستاذة في علم الجمال (وما أبعد واقعنا العربي عنه)، ولكن المقصود أنها قضت خلال تسعينيات القرن العشرين بضعة أشهر في الولايات المتحدة وكتبت كتابًا بعنوان: “مائة وثمانون يومًا في بلاد اليانكي”، حيث تناولت مظاهر اجتماعية وثقافية مختلفة في الولايات المتحدة، ومنها تأثير المفكر الألماني الشهير نيتشه (صاحب كتاب “هكذا تكلم زرادشت” ومفهوم الإنسان السوبرمان) على ثقافة المجتمع والنظام الأمريكي.
فتركيز الولايات المتحدة على فكرة نيتشه في إرادة القوة، في الشخصية أو الفرد الذي يرتفع فوق العامة من حيث كونه قوة حيوية أعظم، لا من حيث هو قوة أخلاقية تمارس علوًا أو تساميًا أخلاقيًا؛ ولذلك نجد الحرص الأمريكي على السيطرة على العالم من خلال المنتجات المختلفة والمبتكرات وواقعهم المتجاوز التخييلي أو الافتراضي. إنهم يعتقدون أنهم النموذج الذي لا يوجد منافس له في العالم؛ فهو النموذج السوبرمان الذي يأملون أن يستمر في الزمان، وأن يعيش مرات متكررة ودورات متكررة على مدار التاريخ الإنساني بحسب فكرة نيتشه في العود الأبدي.
ولا نعرف إن كان الرئيس الأمريكي يتعاطف شخصيًا مع نيتشه، ولكن الفكرة هي أن سيطرة القوة الواحدة وإرادة القوة على الولايات المتحدة، التي تدعمها الصهيونية التي لا تعرف القيم من الأساس، تجعل من الواقع السياسي الذي تجسده الحرب الحالية مشهدًا بعيدًا عن القيم بطريقة أكثر فجاجة، مع موقف دول عربية لا تعرف العدو من الصديق، أو لا تريد الاعتراف بالحقيقة التي تدركها، حيث إن الواقع والمصلحة – وهي الأهم – يفرضان عليها تجاهل هذه الحقيقة.
إن المتوقع في هذه الحرب يصعب التكهن به، فما زالت استمراريتها لا تجعل من العقلانية في التحليل أن نجزم بنتيجة متوقعة، وإنما لا بد أن تبقى العين الإستراتيجية والسياسية على الأقوى على الساحة؛ فكلمته دائمًا هي الصدق. ولا عجب، فنحن نعيش في زمن الذكاء الاصطناعي الذي يجعل من الخيال شبيهًا بالحقيقة، ويلفق الأحداث والمواقف. فهل يصنع لنا الذكاء الاصطناعي واقعًا عربيًا إسلاميًا متضامنًا نزوره بين الحين والآخر؟
وربما صار واقعنا السياسي الحالي يحتاج إلى كلمة المفكر والفيلسوف الفرنسي جان بودريار وهو يتحدث عن “موت الواقع”، ولم الوعي به وقد خرج عن الوعي أصلًا؟
فالمشهد السياسي العبثي يتحدى جميع النظريات والفكر السياسي والقوانين الدولية، وكأننا كنا نتعلم خيالًا يُهدم باستمرار في ظل واقع يحفل بالغرائب، والقصة مستمرة.