أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء أو تعليق “مشروع الحرية” وهو قرار لا يمكن قراءته كقرار عسكري تقني، بقدر ما هو مؤشر سياسي مركب يعكس إعادة ضبط إيقاع الأزمة بين واشنطن وطهران، دون أن يعني ذلك بالضرورة اقتراب نهايتها كليا حتى مع الأنباء المتواتر عن التوصل لاتفاق من ورقة واحدة لإنهاء الحرب بوساطة باكستانية.
مضيق هرمز في فكر ترامب
فلقد فهم من القرار الذي أعلنه دونالد ترامب أن هناك تراجعا تكتيكيا محسوبا، وليس انسحابا إستراتيجيا كاملا، ذلك أن ترامب أعلن أيضا مواصلة الحصار البحري، ثم إن المبادرة كانت تهدف إلى فرض واقع أمني جديد في مضيق هرمز يضمن حرية الملاحة تحت مظلة القوة الأمريكية، أما تعليقها فيعني عمليا تقليل الاحتكاك المباشر مع إيران، وهو ما يعكس إدراكا بأن أي خطأ في هذا الممر الحيوي قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع يصعب احتواؤه ويعيد مشهد الحرب مرة أخرى وهو ما لا تريده كل الأطراف في واشنطن وطهران.
كما يكشف القرار عن اختبار متبادل لنوايا التهدئة، فالولايات المتحدة، عبر هذه الخطوة، ترسل إشارة بأنها مستعدة لخفض التصعيد إذا قوبلت بخطوات مماثلة، وفي المقابل، يعزز امتناع إيران عن تحويل الاشتباكات المحدودة إلى حرب شاملة من فرضية وجود “ردع متبادل مضبوط” أكثر منه مواجهة مفتوحة.
فضلا عن كل ما سبق يرتبط تعليق العملية بشكل وثيق بإحياء المسار الدبلوماسي، خاصة مع دخول باكستان على خط الوساطة في أمتارها الأخيرة، فوجود وسيط إقليمي مقبول نسبيا من الطرفين يعكس انتقال الأزمة من مرحلة “إدارة الصدام” إلى “اختبار فرص التسوية”، حتى وإن ظل ذلك في إطار غير معلن أو هش.
زيارة ترامب للصين
من المسلم به أنه لا يمكن فصل القرار عن الحسابات الدولية الأوسع، خصوصا قبيل زيارة ترامب المرتقبة إلى الصين، يومي 14 و15 مايو 2026م، فبكين، بوصفها شريكا اقتصاديا رئيسيا لإيران ومتضررا مباشرا من الاضطراب الراهنة في تدفق النفط عبر المضيق، تمثل عامل ضغط غير مباشر على واشنطن لاحتواء التصعيد، ومن ثم، فإن تعليق “مشروع الحرية” قد يكون جزءا من تهيئة بيئة تفاوضية أوسع تشمل قوى دولية كبرى على رأسها الصين.
وبالرغم من هذه المؤشرات، فإن الموقف الراهن يلفت إلى عنصر حاسم في هذا الصراع وهو استمرار تمسك إيران بأوراق القوة، سواء عبر عدم التراجع عن برنامجها النووي أو عبر استخدام المضيق كورقة ضغط على الاقتصاد العالمي، ما يعني أن طهران لا تتعامل مع القرار الأمريكي كتنازل، بقدر ما هو دليل على فعالية إستراتيجيتها في فرض كلفة عالية على خصومها، رغم تململها داخليا بفعل الضغوط الاقتصادية غير المسبوقة في تاريخ البلاد لدرجة جعلت المرشد الثالث آية الله مجتبى خامنئي يقول إن على البلاد أن تدخل في مرحلة الجهاد الاقتصادي.
عليه يمكن القول إن تراجع أمريكا عن مشروع الحرية لإعادة فتح مضيق هرمز يطرح في جوهره معادلة “حفظ ماء الوجه” للطرفين، ذلك أن الولايات المتحدة تحتاج إلى مخرج لا يبدو كتنازل تحت الضغط، بينما تسعى إيران إلى تثبيت صورة الصمود والتفوق السياسي النسبي، وبالتالي، فإن مستقبل هذا التعليق سيتوقف على قدرة الطرفين على صياغة تسوية رمزية تتيح لكل منهما إعلان نوع من الانتصار، وتسويقه داخليا.
حافة المواجهة في مضيق هرمز
ليس من نافلة القول إن تعليق “مشروع الحرية” يعكس انتقال الأزمة من حافة المواجهة العسكرية إلى مرحلة إدارة التوازنات الدقيقة بين الردع والدبلوماسية، كما يشير إلى رغبة ترامب في إعادة التموضع ضمن صراع طويل تحكمه حسابات الكلفة، وضغوط الحلفاء والوسطاء، وفشل القدرة الأمريكية على حسم الحرب بالآلة العسكرية.
في سياق ذي صلة تكشف المعطيات التي أوردها موقع “أكسيوس” باكر صباح الأربعاء 6 مايو 2026م، بالتوقيت المحلي الأمريكي، عن انتقال محتمل في الملف النووي الإيراني من منطق إدارة الأزمة إلى منطق “التسوية المشروطة الممتدة”، حيث يعاد تعريف نهاية الحرب كبداية لمسار تفاوضي طويل ومؤسس على ترتيبات تقنية صارمة.
فالنص المقترح لمذكرة الاتفاق، الذي يجمع بين إعلان إنهاء الحرب وفتح مفاوضات معمقة لمدة 30 يوما، يعكس مقاربة إيرانية الأصل تقوم على تثبيت وقف التصعيد أولا ثم تفكيك الملفات تدريجيا، بدلا من الحل الشامل الفوري، وفي القلب من هذا الترتيب تبرز قضية التخصيب بوصفها محور التوازن الجديد، إذ يجري التفاوض على تجميده لمدة قد تصل إلى 12 عاما على الأقل، مع إدخال آلية “تمديد تلقائي عقابي” تتيح إطالة فترة التجميد كلما ارتفع مستوى التخصيب الإيراني أو وقع خرق للاتفاق.
ويعني ما سبق تحويل الاتفاق من إطار زمني ثابت إلى نظام قانوني مرن وقابل للتغيير، كما أن إدراج نظام تفتيش معزز، إلى جانب التزام إيران بإخراج اليورانيوم عالي التخصيب واحتمال نقله إلى خارج البلاد، يشير إلى مستوى غير مسبوق من الرقابة والتقييد، يهدف إلى تقليص قدرة إيران على إعادة إنتاج دورة التخصيب داخليا.
خاتمة
في المحصلة، تبدو هذه المذكرة أقرب إلى هندسة “احتواء نووي طويل الأمد” منها إلى اتفاق نهائي، حيث يتم تأجيل الحسم السياسي مقابل تثبيت قيود تقنية مشددة، بما يفتح الباب أمام مفاوضات أكثر تفصيلا لكنها أيضا أكثر تعقيدا وهشاشة في آن واحد، نظرا لرغبة مجتبى خامنئي في إطالة أمد التفاوض لإرهاق دي فانس على الطاولة، ورغبة ترامب المضادة في التوصل السريع لاتفاق يستخلصه من محمد باقر قاليباف.
ولا يبقى في هذا الصدد إلا عاملين مؤثرين أولهما قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على التلاعب بعقلية ترامب من خلال الضغط لإعادة الحرب للمربع رقم صفر، وثانيهما قدرة إيران على استثمار فائض التلاحم الداخلي وتحويله إلى قوة دفع على طاولة المفاوضات بمنتجع سيرينا في إسلام آباد.