يعتبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم والشريان الأهم للاقتصاد العالمي، والنقطة الجيوسياسية الأكثر حساسية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، حيث تمر عبره ما نسبته 25 بالمئة من تجارة النفط العالمية، وفي ظل السجال الدائر في الوقت الراهن على فتح المضيق أمام حركة الملاحة العالمية، بعد أن أغلقته إيران ردا على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على أراضيها تلك التي اندلعت يوم 28 فبراير 2026م، يبرز التاريخ الإيراني كأداة تحليلية لفهم سلوك الدولة واستشراف مستقبل الصراع في هذه المنطقة الحساسة من الإقليم والعالم، ذلك أن قراءة الماضي لا تقتصر على السرد، لكنها تُستخدم لفهم أنماط القرار، وحدود التصعيد، وإمكانيات التهدئة في السياق الإقليمي والدولي.
هرمز وتاريخ الصراع البحري الإيراني
تستخدم إيران مضيق هرمز كأحد أهم أدوات الضغط في سياستها الإقليمية والدولية، وذلك بسبب موقعها الجغرافي الذي حقق لها الاستفادة الكبرى، حيث تسيطر علي الضفة الشمالية للممر الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية، وهناك قاعدة إستراتيجية مهمة تقول “من يسيطر علي الجزر يسيطر على الممرات المائية”، وتطبق هذه القاعدة على مضيق هرمز، حيث تقع جزر هرمز وقشم ولارك تحت السيادة الإيرانية، وهي جزر تتحكم عملياً في مدخل المضيق ومخرجه، وبالتالي تمنح السيطرة على هذه الجزر إيران نفوذاً جغرافياً وإستراتيجياً كبيراً على حركة الملاحة في المضيق.
وعقب الثورة الإيرانية عام 1979م، تغيرت طبيعة السياسة الخارجية الإيرانية بصورة واضحة، إذ تبنت طهران خطابًا قائمًا على رفض الهيمنة الغربية وتوسيع النفوذ الإقليمي، وانعكس ذلك مباشرة على مضيق هرمز الذي تحول إلى ورقة ضغط إستراتيجية تستخدمها إيران في مواجهة العقوبات والضغوط السياسية، مثلما حدث في الحرب العراقية ــ الإيرانية تلك التي رسخت مفهوم توظيف الممرات البحرية ضمن أدوات الصراع، وتوالت الحوادث بعدها، إذ أعلنت الولايات المتحدة عام 2008م تعرض سفنها لتهديدات من زوارق إيرانية، وفي عام 2012م هددت إيران بإغلاق المضيق ردًا علي عقوبات غربية مرتبطة ببرنامجها النووي.
عليه تكشف الأحداث التاريخية المتعاقبة أن إيران تنظر إلى المضيق باعتباره جزءًا من أمنها القومي وليس مجرد ممر تجاري دولي، لذلك اعتمدت على تطوير قدراتها البحرية وتعزيز وجودها العسكري في الجزر القريبة منه، وقد ساهم هذا التوجه في زيادة التوتر الإقليمي، خصوصًا مع تصاعد المخاوف الدولية من إمكانية تعطيل الملاحة أو تهديد إمدادات الطاقة العالمية، ومع تصاعد التوترات في عام 2026م حيث لم يغلق المضيق بشكل كامل بهذه الطريقة من قبل، لم تعد السيطرة الإيرانية على هذا الممر مجرد مسألة نفوذ محلي، بل أصبحت أداة لإعادة صياغة موازين القوى الدولية وقواعد الاشتباك بين القوى العظمى واللاعبين الإقليميين.
هرمز وأدوات النفوذ الإيراني
اعتمدت إيران خلال العقود الماضية على إستراتيجية “الردع غير المباشر” في إدارة الصراع داخل مضيق هرمز، وتعتمد في سيطرتها على المضيق على عقيدة عسكرية غير تماثلية تُعرف بـ(A2/AD – منع الوصول ومنع المناورة)، فبدلاً من مواجهة الأساطيل الدولية في حرب تقليدية تستخدم طهران الألغام البحرية الذكية القادرة على شل حركة الناقلات العملاقة بتكلفة زهيدة، ولدى إيران الزوارق السريعة والانتحارية التي يصعب رصدها واعتراضها في الممرات الضيقة، وقد سمح هذا الأسلوب لطهران بالحفاظ على قدرتها التأثيرية من دون الانخراط في مواجهات شاملة، ما منحها مساحة للمناورة أمام القوى الكبرى.
كما استخدمت إيران الملف النووي كورقة ضغط مرتبطة بشكل غير مباشر بأمن الملاحة في المضيق، فكلما تصاعدت العقوبات الدولية أو تعثرت المفاوضات السياسية، عادت التهديدات الإيرانية بإغلاق المضيق إلى الواجهة، حيث عملت كأداة ضغط سياسي تستخدمه طهران المضيق كورقة مساومة لرفع العقوبات أو مواجهة الضغوط العسكرية، محولةً الجغرافيا إلى سلاح سياسي فعال، ويعكس ذلك إدراكًا إيرانيًا عميقًا لأهمية الموقع في الاقتصاد العالمي، وقدرته على فرض معادلات جديدة في أوقات الأزمات.
إلى جانب الأدوات العسكرية، استفادت إيران من التحولات الإقليمية لتعزيز نفوذها السياسي في محيط الخليج العربي، فقد سعت إلى بناء شبكة من العلاقات والتحالفات التي تمنحها عمقًا إستراتيجيًا يساعدها على مواجهة الضغوط الخارجية، ونتيجة لذلك، أصبح الصراع في مضيق هرمز يتجاوز البعد العسكري التقليدي ليشمل أبعادًا سياسية واقتصادية وأمنية معقدة.
مستقبل الصراع في مضيق هرمز
استنادًا إلى المعطيات التاريخية والسياسية، من غير المرجح أن يتحول الصراع في مضيق هرمز إلى مواجهة عسكرية شاملة في المستقبل القريب، نظرًا لإدراك جميع الأطراف لحجم الخسائر الاقتصادية والإستراتيجية التي قد تترتب على ذلك، فالمضيق يمثل شريانًا حيويًا للتجارة والطاقة العالمية، ما يجعل استقراره مرتبطًا بالاقتصاد الدولي، لذلك، تميل الأطراف المختلفة إلى اتباع سياسة الاحتواء والتصعيد المحدود، حيث تستخدم إيران التهديد كورقة ضغط سياسية، بينما تعتمد القوى الدولية على الردع والتحركات الدبلوماسية للحفاظ على أمن الملاحة ومنع تفاقم الأزمة.
ومع ذلك، تظل احتمالات التوتر قائمة، خاصة في ظل استمرار الخلافات الإقليمية والدولية، ومن المتوقع أن تستمر إيران في استخدام إستراتيجيات الضغط المحدود، بما يحافظ على حضورها الإقليمي دون الدخول في صدام مباشر مع القوى الكبرى شرقا وغربا، خاصة مع استمرار الصراع الأمريكي ــ الإيراني وتزايد أهمية أمن الطاقة عالميًا، كما أن التاريخ الإيراني يؤكد اعتماد طهران على سياسة “حافة الهاوية”، القائمة على التصعيد المحسوب دون الوصول إلى مواجهة شاملة قد تهدد استقرار النظام الإيراني نفسه.
في المقابل، من المرجح أن تواصل القوى الدولية تعزيز وجودها العسكري والأمني في الخليج العربي لضمان حرية الملاحة ومنع أي تهديد إضافي لإمدادات النفط، إلا أن استمرار غياب تسوية سياسية شاملة بين إيران والغرب سيبقي احتمالات التصعيد قائمة، ومن هنا، يصبح فهم التاريخ الإيراني عاملًا ضروريًا لاستقراء أنماط السلوك المستقبلي في مضيق هرمز، خاصة أن التجارب السابقة أثبتت اعتماد طهران على توظيف الأزمات الإقليمية لتحقيق مكاسب سياسية وإستراتيجية طويلة المدى.
الخاتمة
يُظهر تحليل التاريخ الإيراني أن سلوك الدولة في مضيق هرمز ليس وليد اللحظة، بل امتداد لأنماط راسخة في إدارة الصراع، ومن خلال فهم هذه الأنماط، يمكن استقراء مستقبل أكثر دقة، حيث إن سيطرة إيران على مضيق هرمز في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تلك التي اندلعت يوم 28 فبراير 2026م، ليست مجرد مسألة جغرافية، بل هي عقدة جيوسياسية تتحكم في نبض الاقتصاد العالمي، وفي ظل غياب بدائل كاملة لهذا الممر، سيبقى المضيق الأداة الإستراتيجية الأقوى بيد طهران، والمحرك الرئيسي لصياغة أي نظام إقليمي أو دولي جديد في منطقة الشرق الأوسط.