تعكس الصورة العامة لوضع الخسائر والدمار الناجم عن الحرب في إيران روايتين؛ فمن جهة، تُطرح تقديرات تشير إلى خسائر فادحة وحاجة ماسة لفترة إعادة إعمار تتراوح ما بين عامين إلى خمسة أعوام، ومن جهة أخرى، تعلن الحكومة عن تنفيذ حزم دعم تشمل مساعدات غير مستردة، وتسهيلات لتأمين السكن (وديعة السكن)، وبرامج تعويضية.
تشير التقديرات الأولية للحكومة الإيرانية إلى وقوع خسائر مباشرة وغير مباشرة بنحو 270 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، تُظهر التقارير تضرر حوالي 138 ألف وحدة مدنية، في هذه الحرب، حيث تتطلب إعادة إعمارها موارد مالية لا تقل عن 40 تريليون تومان. وقد سُجل جزء كبير من هذه الخسائر في العاصمة طهران.
كما تفيد التقارير بتضرر نحو 19 ألف وسيلة نقل في جميع أنحاء البلاد، وهو ما قد يضع شركات التأمين على شفا الإفلاس نتيجة دفع هذه الخسائر.
وبحسب “عبد المطهر محمد خاني”، المتحدث باسم بلدية طهران، فقد تم تسجيل 649 مورد إصابة (اصطدام/قصف) في شتى أنحاء المدينة حتى نهاية شهر أبريل 2026 (فروردين 1405)، مما أدى إلى تضرر أكثر من45 ألف وحدة سكنية، من بينها 1460 وحدة تتطلب هدماً وإعادة بناء بالكامل. كما أُبلغ عن تضرر أكثر من 9 آلاف سيارة ونحو 600 دراجة نارية في هذه الحوادث.
وقد أعلنت بلدية طهران أنها ستتكفل بتكاليف إعادة إعمار الوحدات السكنية. ومع ذلك، صرح المتحدث باسم الحكومة بأن الدولة لا تملك الميزانية الكافية للدفع المباشر والكامل لتكاليف إعادة بناء المنازل المدمرة، ولهذا السبب لجأوا إلى البحث عن حلول بديلة.
أحد هذه الحلول هو تطبيق طرح “الكثافة العائمة”؛ وبمعنى أن أصحاب الوحدات المتضررة يمكنهم الحصول على تراخيص لبناء طابق أو طابقين إضافيين، لتأمين تكاليف إعادة الإعمار من خلال عوائد بيع هذه الوحدات. أما في المناطق المكتظة والشوارع الضيقة التي لا تسمح بمثل هذا الخيار، فقد طُرح خيار “نقل الكثافة”، بحيث يمكن للمالكين التنازل عن امتياز البناء الخاص بهم في نقاط أخرى من المدينة.
من ناحية أخرى، أعلنت الحكومة عن نيتها بيع الممتلكات الحكومية المتضررة لتعويض عجز الميزانية، وصرف العوائد في سداد الخسائر. وفي هذا السياق، أصدرت الخزينة العامة للدولة في تاريخ 18 أبريل تعميماً يسمح لجميع الوزارات والمؤسسات والشركات الحكومية ببيع أو مقايضة المباني الحكومية المتضررة جراء الحرب والتي لا جدوى اقتصادية من إعادة إعمارها، وذلك لتوفير الموارد اللازمة لجبر الخسائر.
وفي خارج طهران، أُوكِلَت مسؤولية تقييم ودفع الخسائر إلى “مؤسسة السكن” ، ويتعين على المواطنين متابعة الحصول على المساعدات وبدء إعادة الإعمار من خلال تسجيل الطلبات واجتياز المراحل الإدارية.
تجربة إعادة إعمار الحرب
تمتلك إيران تجربة سابقة في إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب. فبعد الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات، وبناءً على التقديرات وقيمة العملة في ذلك الوقت، تكبدت إيران خسائر بلغت 1000 مليار دولار.
آنذاك، تشكلت “لجنة إعادة إعمار المناطق الحربية”، وانتهجت الحكومة سياسة منح القروض وتقديم حصص من مواد البناء (كوبونات) بدلاً من التعويضات النقدية المباشرة للمواطنين. وفي ذلك الوقت، مُنح أصحاب المنازل المدمرة في محافظات خوزستان وكرمانشاه وكردستان قروضاً بفوائد منخفضة وحصصاً حكومية من الحديد والأسمنت.
كما تمتلك إيران تجربة في إعادة إعمار أجزاء من جنوب لبنان التي دُمرت في حرب عام 2006 بين إسرائيل وحزب الله. حيث قامت إيران عبر تشكيل لجنة إعادة إعمار لبنان بتمويل إعادة بناء آلاف الوحدات السكنية والمدارس والمساجد والجسور. وبخلاف مشاريع الإعمار الداخلي في إيران التي تعتمد غالباً على التسهيلات البنكية والقروض، نُفذت هذه المشاريع في قالب “مساعدات غير مستردة”، ويُقال إنها لعبت دوراً حيوياً في العودة السريعة للنازحين الشيعة إلى مناطق سكناهم في لبنان.
استياء المواطنين من وتيرة إعادة الإعمار
تقول الحكومة والبلدية إنهما بدأتا عملية إعادة إعمار الأماكن المتضررة بالتزامن مع الحرب الأخيرة، ولاسيما بعد بدء وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في السابع من أبريل. وبحسب تصريحاتهم، فقد تم في الخطوة الأولى تنفيذ إجراءات مثل ترميم أبواب ونوافذ المنازل التي تعرضت لأضرار طفيفة، ولكن لاحقاً ومع تزايد أعداد المنازل المتضررة، انصب تركيزهم على تقديم التسهيلات المالية للمواطنين.
وأعلن متحدث لجنة العمران في البرلمان أنه في إطار حزمة الدعم الخاصة بوزارة الطرق والتنمية الحضرية، تم تخصيص تسهيلات للإسكان المؤقت للأسر المتضررة تصل إلى سقف 300 مليون تومان في القرى و700 مليون تومان في المدن. وبحسب هذا المسؤول، سيتم تخصيص جزء من هذه الاعتمادات في قالب منح غير مستردة، والمتبقي سيوضع تحت تصرف المتقدمين في شكل تسهيلات بنكية لإعادة بناء وترميم الوحدات السكنية في المناطق المتضررة.
وفي مدينتي طهران وكرج، تتولى البلديات مسؤولية متابعة إعادة الإعمار، ووفقاً للتقرير فقد أبرمت عقوداً مع مقاولين مختلفين لهذا الغرض. ومع ذلك، فإن الروايات الميدانية للمواطنين تقدم صورة مختلفة؛ فبحسب الأفراد الذين تضررت وحداتهم السكنية، كانت الاستجابة للخسائر في الأيام الأولى للحرب تتم بسرعة أكبر، وكانت فرق الترميم تُوفد سريعاً للوحدات ذات الأضرار الجزئية.
ولكن مع طول أمد النزاع وزيادة حجم الدمار، تباطأت وتيرة المتابعة تدريجياً؛ لدرجة أن بعض المواطنين لم يتلقوا أي اتصال للمتابعة حتى بعد تسجيل طلباتهم. وفي بعض الحالات، قيل للمراجعين أن يقوموا هم أنفسهم بالترميم أو إعادة البناء مع وعود بصرف التكاليف لهم في المستقبل عند تقديم فواتير رسمية.
وقد تم إسكان بعض الأسر التي دُمرت منازلها بالكامل في فنادق تابعة للبلدية. كما تم في الأيام الأخيرة من الحرب دفع مبالغ لبعض المتضررين تحت عنوان “وديعة سكن” لتمكينهم من استئجار منازل.
وفي المحافظات، تتولى إدارات المحافظة مسؤولية متابعة الأمور. وبالنسبة للأسر التي فقدت منازلها بالكامل، تم التنبؤ بتأمين وحدات إيجارية، وبحسب المسؤولين، يتم دفع مساعدات غير مستردة تصل إلى 200 مليون تومان لشراء الأثاث المنزلي.
ومع ذلك، فإن أحد التحديات الجدية يتعلق بالوحدات التجارية. فوفقاً للتقارير، تتكفل بلدية طهران فقط بجبر الخسائر التي لحقت بمباني هذه الوحدات، ولم تخصص أي دعم للمعدات والآلات والبضائع التي تلفت (عروض التجارة).
وفي هذا الصدد، قال صاحب ورشة في منطقة “تشهاردانجه” بكرج، والذي تضرر مكان عمله بشدة جراء شظايا صاروخ وموجة انفجار، «على الرغم من المراجعات المتكررة لمؤسسة السكن، لم أتلقَّ أي مساعدة حتى الآن، وفي كل مرة أواجه برد مفاده أن “عدد المتقدمين كبير وعليكم الانتظار”». وأكد أن دمار ورشته أدى إلى بطالة عدة أشخاص.
كما قال أحد المواطنين الساكنين في “باكدشت” بطهران، والذي تعرض منزله لخسائر جسيمة، إنه بعد مراجعته للبلدية لم يتم سوى أخذ رقم حساب منه، ورغم المتابعات المتكررة لم يتم اتخاذ أي إجراء عملي لجبر خسائره حتى الآن.
وقال مواطن آخر في طهران تضرر منزله بشدة جراء قذيفة دفاع جوي إن القوات العسكرية قامت بإخراج بقايا القذيفة لكنها لم تتخذ أي إجراء لترميم منزله، بينما يقول إن ثقباً كبيراً قد حدث في منزله وأصبح غير قابل للسكن.
وفي المحافظات أيضاً، تسبب وضع التعامل مع الخسائر في حالة من الاستياء؛ حيث قال مواطن من أصفهان لـ “بي بي سي فارسي” إن منزله تضرر بشدة جراء هجوم، ورغم مراجعته للمحافظة لم تقدم له أي مساعدة، في حين أن منزله غير قابل للسكن وقد انتقل للعيش في منزل أحد أقاربه. وأكد: «بالنسبة للجيران الذين تعرضوا لخسائر جسيمة مثله، لم يتم اتخاذ أي إجراء أيضاً».
وضع جبر خسائر وسائل النقل المتضررة
لحق جزء كبير من خسائر الحرب بوسائل النقل؛ وهو المجال الذي تحول إلى أحد أكثر القطاعات تحدياً في جبر الخسائر. وقال خبير في “تأمين إيران” طلب عدم الكشف عن هويته لـ “بي بي سي فارسي”: «بناءً على التقديرات الأولية، تضررت نحو 19 ألف وسيلة نقل في جميع أنحاء البلاد، ويصل إجمالي الخسائر الواردة لها إلى حوالي 15 تريليون تومان».
وتقع المسؤولية الرئيسية لدفع هذه الخسائر على عاتق شركة “تأمين إيران”، وقد بدأت هذه الشركة حالياً بصرف مبالغ تصل إلى سقف 30 مليون تومان.
وتختلف عملية استلام التعويضات للسيارات بحسب الشروط التأمينية؛ إذ يجب على أصحاب السيارات في طهران مراجعة البلدية أولاً، وبعد تشكيل الملف يتم تقديمهم لشركة “تأمين إيران”. أما في المحافظات، فتتم هذه العملية عبر إدارات المحافظة وفي النهاية يُحال الملف لشركة “تأمين إيران”. في المقابل، يتعين على الأشخاص الذين كان لديهم “تأمين بدنة” (تأمين شامل) قبل الحرب مراجعة شركات التأمين الخاصة بهم مباشرة لاستلام التعويضات.
لكن شهود عيان قالوا : إن شركات التأمين الخاصة لم تتخذ أي إجراء للسيارات المتضررة، ومع إعلان عدم توفر الميزانية اللازمة، يقومون بتأجيل الملفات إلى وقت آخر. ومن ناحية أخرى، أدى الحجم الهائل للمراجعات والعدد الكبير للسيارات المتضررة إلى ضغط ثقيل على شركات التأمين، بل ونُشرت تقارير عن وقوع بعض شركات التأمين في أزمة مالية وخطر الإفلاس.
وقال مصدر مطلع في “التأمين المركزي” إن عدة شركات تأمين خاصة باتت على وشك الإفلاس. وبحسب قوله، فإن شركة “تأمين إيران” المتصدية لدفع خسائر الحرب، رغم كونها حكومية، إلا أنها لا تمر بوضع مالي جيد.
وعلى المستوى الميداني أيضاً، فإن الاستياء ملحوظ؛ حيث قال أحد المواطنين الذي تضررت سيارته في الهجوم على منطقة “توتشال” بطهران لـ “بي بي سي فارسي”: «في هذا الحادث تضررت نحو 700 سيارة. وبعد المراجعة الحضورية، طُلب من المالكين تسجيل معلوماتهم في تطبيق “شهرزاد” (التابع لبلدية طهران)، ولكن في النهاية، قيل لهم إنه يجب عليهم إصلاح سياراتهم شخصياً وتقديم الفواتير، ومن ثم الانتظار لمدة ستة أشهر تقريباً لاستلام التكاليف».
التجارب العالمية في إعادة إعمار الحرب
ليست التجارب العالمية بشأن خسائر الحرب وإعادة إعمارها قليلة. فغالبية الدول التي خاضت هذه التجربة استخدمت القروض ذات الفوائد المنخفضة لدعم المواطنين. وفي بعض النماذج، تولت الحكومات مباشرة مسؤولية بناء الوحدات المتضررة، وفي نماذج أخرى، قامت بإدارة إسكان المتضررين في وحدات بديلة عبر إنشاء المساكن الاجتماعية.
تُعد إعادة إعمار ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، والمعروفة بـ “المعجزة الاقتصادية”، من أنجح نماذج إعادة إعمار بلد مدمر في التاريخ المعاصر. فبعد الاستسلام غير المشروط لألمانيا في 8 مايو 1945، تحولت البلاد إلى أطلال كاملة؛ حيث دُمرت المدن الكبرى مثل هامبورغ، درسدن، كولونيا، دوسلدورف وبرلين بشكل شبه كامل. وتشير التقديرات إلى أن نحو 20% إلى 30% من رأس المال العقاري في البلاد قد دُمّر في الحرب، وكان النقص الحاد في السكن أحد أكبر تحديات الحكومة الجديدة. وبعد الدمار الواسع للمدن، بدأت آلاف النساء المعروفات
بـ “نساء الأنقاض” بتنظيف المدن بأيديهن العارية؛ فكنَّ يفرزن الطوب لاستخدامه مجدداً في البناء، مما وفر القاعدة الأولية لإعادة الإعمار الحضري. ونجحت ألمانيا الغربية بالاعتماد على نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي، والدعم المالي الأمريكي في قالب “خطة مارشال”، والمشاركة الواسعة للمواطنين، في تحقيق استقرار اقتصادي مذهل في أقل من عقد. ورغم أن التعافي الكامل للنسيج الحضري المدمر استغرق أكثر من عقد، إلا أن الحكومة دفعت وتيرة تحديث المساكن والصناعات بسرعة استثنائية عبر سياسات مثل منح القروض منخفضة الفائدة والحوافز الضريبية.
كما كانت الخسائر الاقتصادية لليابان في الحرب العالمية الثانية مرتفعة جداً، وأدى القصف الواسع إلى دمار 40% من الهياكل الحضرية. وقد دُمرت مدينتان في هذا البلد، وهما هيروشيما وناغازاكي، بشكل شبه كامل بالقنابل الذرية. وحلت اليابان مشكلة دمار المنازل السكنية عبر المساكن مسبقة الصنع، والمشاركة الشعبية، والقروض الحكومية، وإصلاحات الأراضي.
وتُعد إعادة إعمار فيتنام بعد الحرب نموذجاً بارزاً لإحياء بلد مدمر بالاعتماد على القدرات الداخلية. فالحرب الفيتنامية (1955-1975) التي تُعد واحدة من أطول وأكثر الحروب تدميراً في القرن العشرين، أدت وفقاً للإحصاءات الرسمية إلى تشريد ودمار منازل نحو 11.7 مليون شخص في فيتنام الجنوبية.
وبخلاف ألمانيا التي استفادت من مساعدات واسعة من الولايات المتحدة (في قالب خطة مارشال)، فرضت واشنطن حصاراً اقتصادياً على فيتنام حتى عام 1994، وامتنعت عن دفع تعويضات الحرب التي وعدت بها في اتفاقية باريس للسلام. ورداً على ذلك، قامت الحكومة والجيش الفيتنامي بالاعتماد على القدرات الداخلية لدفع عجلة إعادة إعمار الطرق والموانئ والمدارس والمراكز الصحية وإحياء الغابات. كما قدمت الحكومة تسهيلات مالية خاصة لبناء منازل جديدة لأسر القتلى والجرحى عبر صناديق دعم مثل “الامتنان وجبر الخدمات”.
في المقابل، يُعد العراق نموذجاً غير ناجح في هذا المجال؛ فبعد حرب عام 2003، وعلى الرغم من تخصيص ميزانيات ضخمة لإعادة الإعمار، لا يزال هذا البلد يواجه تحديات جدية في البنية التحتية والخدمات العامة بسبب انعدام الأمن الواسع، والفساد الممنهج، واستمرار النزاعات الداخلية، وظلت عملية تحديثه غير مكتملة.
ـــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة مقالة بعنوان: “بازسازی ویرانههای جنگ در ایران چگونه پیش میرود؟”، بالعربية: “كيف تمضي عملية إعادة إعمار أطلال الحرب في إيران؟”، والمشورة بموقع BBC فارسي، بقلم: على رمضانيان، بتاريخ: ٢٤ إبريل ٢٠٢٦م.